في زمن تتسارع فيه ردود الأفعال، وتشتد فيه نوازع الغضب والانتقام، برز موقف نادر هزّ القلوب وأحيا القيم، ليذكّر العالم بأن الأخلاق العظيمة ما زالت قادرة على أن تنتصر على الألم، وأن الإيمان الصادق يستطيع أن يسمو بالإنسان فوق جراحه وأحزانه مهما بلغت عمقا.
جسّد المواطن السعودي، يحيى القحطاني، درسا خالدا في التسامح والصبر والاحتساب، بعد أن سطر مشهدا استثنائيا في الصفح وقوة اليقين، تتحدث عنه الأجيال بكثير من الإجلال والإعجاب.
بينما كان ابنها الشاب ينتظر تنفيذ حكم القصاص، وفي اللحظات الأقسى على قلب أي أب، خطا الشيخ يحيى القحطاني خطوة لم تكن تخطر على بال، حيث توجه بنفسه إلى منزل والدة قاتل ابنه.
وقبل تنفيذ الحكم، دخل المنزل لا يحمل وعيدا، بل يحمل سلاما وعفوا، بين يدي الأم المكلومة، أعلن تنازله وعفوه الكامل عن ابنها لوجه الله الكريم، ثم انحنى وقبل رأسها في لقطة جسدت أسمى معاني كبر النفس عند المقدرة، ورأفة وإحسانا يعجز الوصف عن الإحاطة بهما.
وفور انتشار الفيديو وتفاصيل هذا الموقف النبيل، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة من الذهول والإشادة الواسعة. وعبّر آلاف المدونين والناشطين عن فخرهم بهذا النموذج الإنساني الراقي، حيث كتب أحد المغردين:
"أي شجاعة هذه؟ وأي سمو نفس؟ لقد رفعت ردة فعلكم راية العرب الأصيلة عاليا، وأثبتّم أن الأخلاق التي جاء بها الإسلام ليست كلمات تُتلى، بل أفعال تُعاش. العفو والصفح عند المقدرة من شيم الكرام، ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا".
وعلّق آخرون بأن هذا الموقف جسّد حرفيا وعمليا قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، مظهرين أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على العقوبة أو التشفي، بل في التغلب على دوافع الغضب وضبط النفس في مواطن الذروة، ليثبت الشيخ يحيى أن التسامح شجاعة أخلاقية تحتاج إلى قلب يتسع للكون وإيمان راسخ لا يتزعزع.
وأشار الناشطون إلى ملمح دقيق في القصة؛ فالعفو في حد ذاته ثقيل وصعب، وله أجر عظيم عند الله، ولكن أن يترافق العفو مع الإحسان والرأفة والذهاب إلى بيت أم الجاني لتطييب خاطرها، فهذا مقام لا يبلغه إلا قلة من الرجال. فليس كل الرجال يقدرون على حمل هذا الثقل، ولا كل القلوب تتسع لهذا الصفح، لكنه قلب الأب الذي امتلأ يقينا بأن ما عند الله خير وأبقى.
المصدر:
الجزيرة