بينما يفاخر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومؤيدوه باعتباره "صانع الصفقات والسلام في العالم"، يراه خبراء ومحللون مدمّرا للقانون والنظام الدوليين، وأن أسلوبه التفاوضي القائم على فرض التسويات تحت وطأة القوة يُنتج اتفاقيات سريعة لا تلبث أن تتصدع على أرض الواقع.
ويكرر ترمب حديثه عن إنهاء ثماني حروب على الأقل حول العالم، غير أن خبراء وباحثين تحدثوا للجزيرة نت يرون أنها لم تتوقف فعليا، ولا تزال الاتفاقيات المبرمة بشأنها هشة.
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو مدينة جنيف السويسرية الجمعة المقبل حيث توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني، وذلك بعد أكثر من 100 يوم من حرب أنهكت المنطقة وأربكت أسواق الطاقة.
وحين يعدد مؤيدو ترمب مزاياه التي جعلته مفاوضا سياسيا ناجحا، يراها محللون وأكاديميون سيفا مسلطا على المنظومات الحقوقية والإنسانية والنظام الدولي الذي تراجع كثيرا في ولايتيه، وفق تصريحاتهم.
تتباين المواقف من سمات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الشخصية بين من يراها السبب في نجاحه سياسيا حتى مقارنة بمن سبقوه من الرؤساء الأمريكيين، وبين من يراها سببا في مشاكل العالم الحالية من حروب وأزمات اقتصادية حادة في الطاقة وسلاسل الإمداد حتى وصل الأمر إلى قولهم إنها أعراض مرضية وعقلية.
ومن الاتجاه الأول يعدد المحلل السياسي بيتر روف، العضو بالحزب الجمهوري، في تصريحات للجزيرة نت، المزايا التي جعلت ترمب ناجحا سياسيا، مع تأكيده أنه لا توجد صفة واحدة لترمب مهيمنة:
ويضيف عضو مجلس النواب الأمريكي ريان زينكي، في حديث للجزيرة، أن "الصفحة الصحيحة هي أن تكون على صفحة دونالد جيه. ترمب، لأنه رئيس أقوى دولة على وجه الكوكب"، حسب تعبيره.
في المقابل، لا تكمن خطورة ترمب في ممارسته السياسية عبر عقلية المقاول، بل في شخصيته المركّبة الممزوجة بإحساس متعاظم بالذات، وشعور دفين بالتفوق والعظمة، ما يدفعه لتجاوز كل الحواجز القانونية والأخلاقية والإنسانية، واحتقار القانون الدولي، والاعتماد على القوة وحدها في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها، خصوصا قوة المال والاقتصاد، كما يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة.
وفي هذا السياق، يرصد كلٌّ من أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز في نيوجيرسي الأمريكية عبد الحميد صيام، والمحلل السياسي أسامة ارشيد، في تصريحات منفصلة للجزيرة نت، صفات سلبية لترمب منها:
تتعارض الآراء حول أسلوب ترمب التفاوضي بين من يراه تعظيما لمصالح الولايات المتحدة وبين من يراه إضرارا بصورتها ومصداقيتها حول العالم.
وعن أثر شخصية ترمب على عمليات التفاوض التي أجرتها واشنطن في عهده يؤكد روف أن ترمب يصر على الفوز، ولا يتردد في استخدام أساليب حادة للحصول على ما يريده، ولا يعطي انطباعا للخصم بالفتور، وقد رسم ذلك في كتابه عن التفاوض "فن الصفقة"، وهو ما يتفق معه ريان زينكي، ويرى أن ترمب، بارع في التفاوض، فهو يريد صفقة.
ومع أن ترمب يريد السلام فهو حازم جدا كما ظهر مع إيران، فلا أسلحة نووية، ولا مواد نووية، ولا ترسانة دمار، وفق زينكي.
وفي كتابه "فن الصفقة" الذي كان يريد أن يقسم عليه عند تنصيبه عام 2017، كما تقول أوماروسا مانيغولت نيومان في كتابها "المعتوه"، اعتمد ترمب إستراتيجية "التضخيم الصادق" للفت الانتباه الإعلامي، سواء في أعماله أو في عالم السياسة.
وقبل ترمب، كانت مفاوضات واشنطن تدور حول تحديد كل طرف مقدار ما يستطيع الحصول عليه من دون أن يقدم تنازلات. أما في عالم ترمب، فهو الرابح والطرف الآخر الخاسر، إما لأنه لا يحصل على شيء أو لأن ترمب يحصل على المزيد، فلا توجد نتيجة يربح فيها الطرفان، كما يؤكد روف.
فالمفاوضات هي سياسة تُمارَس بوسائل أخرى، كما كان يمكن لكارل فون كلاوزفيتز (خبير عسكري بروسي توفي 1831 كان يعتقد أن الحرب جزء من سلسلة متصلة تشمل التجارة والدبلوماسية وكل التفاعلات الأخرى) أن يقول لو خطر له ذلك، وفق روف.
في المقابل، يؤكد ارشيد أن شخصية ترمب المتقلبة تجعل من الصعب جدا على المفاوض الأمريكي أن يبقى مركزا على جوهر المفاوضات، وهو ما ذهب إليه صيام، فتسرُّع ترمب في إصدار الأحكام وشخصيته المتقلبة يؤثران على المفاوضات، الأمر الذي يسيء ليس فقط لشخصية ترمب ولكن لمصداقية الولايات المتحدة، كما ظهر جليا مثلا في موضوع إيران، إذ يعلن أنه انتصر وأنه سحق الجيش الإيراني وأنه يسيطر على مضيق هرمز ثم تأتي النتائج عكس ذلك.
تذهب بعض التحليلات إلى أن ترمب يعتمد التناقض تكتيكا سياسيا يسمح له بإصدار تصريحات متناقضة، وتقديم روايات متضاربة لإرباك خصومه، مما يجعل من الصعب تحديد مواقفه الحقيقية.
ومن هنا يعد روف المناورة إستراتيجية ترمب في عملية التفاوض لتعظيم المكاسب، فالشروط التي يضعها في أي تفاوض:
ويصفها روف بالإستراتيجية التكتيكية المتفوقة التي يترك فيها مساحة لنفسه في المناورة، فهو وحده يعرف مقدار ما هو مستعد للتنازل عنه، سواء في قائمة ما يملكه أو في قائمة ما يريده، من أجل إبرام صفقة.
في المقابل، يقول رئيس برنامج السياسة الخارجية الإيطالية أندريا ديسي، في حديث للجزيرة، إن نهج دونالد ترمب في إدارة الدبلوماسية يعتمد بشكل كبير على شخصيته واستخدامه المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي "لمحاولة إظهار أنه مسيطر تمامًا وأن جميع القرارات يتخذها هو، وهو وحده"، لكنه يرى أن هذا الأسلوب لا يعزز الثقة في السياسة الخارجية الأمريكية.
ويوضح أن حرب إيران أظهرت محدودية نتائج نهج ترمب في الدبلوماسية إذا كان قائمًا فقط على القوة الصلبة وعلى مطالب الإذعان أو الاستسلام في مواجهة الخصوم، "فهناك حدّ لما يمكن للولايات المتحدة، حتى وإن كانت القوة العظمى العالمية، أن تفعله بالقوة الصلبة وحدها".
ويرى ديسي، مخالفا زينكي، أن هذا ناجم عن اعتقاد خاطئ بأن الولايات المتحدة تملك كل الأوراق لأنها القوة العظمى، وكل ما عليها هو ممارسة الضغط على قوى صغرى أو متوسطة لن يكون أمامهم خيار سوى الرضوخ، لكن واقع الشؤون الدولية ليس كذلك، "ولا سيما في نظام يزداد تعددية في الأقطاب".
ويتفق معه أستاذ السياسة الدولية للشرق الأوسط في جامعة لانكستر سايمون مابون، في حديث للجزيرة، فالضغوط السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة دفعت ترمب للاتجاه نحو الدبلوماسية بدل التصعيد العسكري، فالدبلوماسية اضطرار وليس اختيارا، فقد تضرر الاقتصاد بشدة هائلة في الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يرى صيام أن ترمب كثيرا ما يطلق شروطا تعجيزية يعلم أنه لن يحققها، ولذلك يبدأ من سقف عالٍ جدا جدا، ثم يبدأ بالنزول، كما قال عن وقف الحرب سواء في أوكرانيا أو في إيران أو في لبنان. "أنا قلت لهم بأن تتوقفوا، أوقفوا إطلاق النار فورا، وإسرائيل لن تضرب الضاحية الجنوبية، وقلت لإسرائيل لا تتمادى في ضرب المناطق المدنية"، ثم يحدث العكس، وحتى اتفاق التهدئة الأخير.
ويضرب مثلا على ذلك بتأخير الاتفاق على مذكرة تفاهم التي ستوقع الجمعة المقبل 19 يونيو/حزيران الجاري في سويسرا، فقد تأخرت كثيرا لأن هناك ضغوطا حقيقية من الجانب الإسرائيلي وأنصار إسرائيل في البيت الأبيض وفي الدائرة المقربة من ترمب، للضغط باتجاه أن تكون الاتفاقية حول المشروع النووي الإيراني لعبة محصلتها صفر (Zero Sum Game)، أي أنه يجب أن ترضخ إيران وتقبل بأن يتم تدمير برنامجها النووي بشكل مطلق وتام.
ويؤكد صيام أن هذا لم يحصل، وأن ترمب يكرر ذلك مرة وراء مرة، ولكن الإيرانيين لن يقبلوا بذلك.
أزمات متعددة ظهرت فيها شخصية ترمب معلنا فيها أنه وجّه بوقف حرب أو عقد اتفاقيات مستندا إلى التهديد تارة وملوحا بعقوبات اقتصادية تارة أخرى.
والأزمة الأبرز التي فيها تجلت شخصية ترمب هي الحرب على إيران، لكن النتائج لم تتضح بعد كما يقول روف. كما ظهر هذا التأثير أيضًا في المعارك داخل الكابيتول هيل لتمرير التخفيضات الضريبية ثم إعادة تفويضها، وهي التخفيضات التي أبقت الاقتصاد الأمريكي قويًا خلال أزمتين عالميتين.
أما صيام فيرى أن كل الأزمات تجلت فيها شخصية ترمب، فمثلاً قضية فنزويلا، حيث أظهرت طريقة خطف الرئيس وزوجته بالقوة عنجهية ترمب في الوقت الذي عززت فيه أيضا من قناعة ترمب بأنه عبقري وقادر على أن يحقق كل ما يريد.
لكن ترمب اصطدم بكثير من العقبات فمثلاً قضية غرينلاند، حيث وقفت أوروبا كلها ضد تصريحاته بشأن الاستيلاء على غرينلاند، وكذلك في أزمة أوكرانيا التي بشّر بحلها ثم اضطر إلى التراجع وكذلك إيران ولبنان، وفق صيام.
رغم ادعاء ترمب أنه أوقف ثماني حروب، تظهر مراجعة تلك الحروب أن بعضها لم يتوقف أو لم تصمد الاتفاقات بشأنها، فثمة أزمة مصداقية طبعت تصريحاته، إذ يقول الشيء ولا يتحقق، ويطلق أحكاما على الخصم ثم يتبين أنها ليست دقيقة، ويتساءل صيام عن هذه الحروب وكيف أوقفها بل إنه أشعل بعضها ولم يستطع إيقافها إلا باتفاق:
بينما يرى مؤيدو ترمب أنه أحدث هزة عالمية عنيفة لن تظهر آثارها الإيجابية إلا بعد عقود، يتهمه آخرون بإحداث فوضى عالمية هددت أسس وقواعد النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وجعل من أمريكا قوة عظمى.
ومن الفريق الأول يؤكد روف أن التداعيات لن تظهر إلا بعد أن يغادر ترمب منصبه بفترة، فمبادراته في غزة وفنزويلا وكوبا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية والصين كلها رهانات طويلة الأمد ومترابطة.
وينتقد من يرى أن ترمب يبدو كطفل يعاني اضطرابًا حادًّا في نقص الانتباه يلاحق القضايا السطحية دون الجوهرية منتقلا من أزمة إلى أزمة، بأنه "إخفاق كبير في الخيال من جانب منتقدي ترمب".
ويضيف أن السلام العالمي أقل كلفة على الولايات المتحدة من خوض صراع يمكن إعادة توجيه تكاليفه المالية إلى مشاريع في القطاع الخاص، مما يؤدي إلى نمو اقتصادي عالمي وارتفاع في مستويات المعيشة.
ويرى أن مبادرات ترمب، الناجحة وغير الناجحة، أدت إلى هزائم وانتكاسات للجماعيين العالميين الذين هيمنوا على النخب في المال والإعلام والتصنيع والأوساط الأكاديمية والعلوم والدبلوماسية والحكومات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويخلص إلى أن تلك المبادرات أحدثت تحولا من العولمة إلى التركيز على نهج يقدم المصالح الوطنية والأسواق الحرة، وهو ما يعرف "أمريكا أولا"، وهي منافسة لا تُحسم من تلقاء نفسها إلا بعد عقود أو أكثر.
أما الفريق الثاني فينتقد هذا الاتجاه ويرى أن ترمب أحدث شرخا كبيرا بين الولايات المتحدة والمنظمات الدولية والقانون الدولي ودول العالم واضعا الكثير من التحديات أمام صناعة وهيكلة السياسة الخارجية الأمريكية، ستحتاج عقودا لتذليلها، وفق صيام وارشيد.
ويعدد صيام النتائج السلبية لسياسة ترمب التي أساءت للولايات المتحدة مما سيترك أثرا على المدى البعيد:
لكنه يلفت إلى أن هناك الآن أجيالا جديدة في الولايات المتحدة بدأت تنتفض ضد السياسة الرعناء التي يمثلها ترمب حتى من جماعة ماغا المؤيدة له، فهناك انقسامات، على الأقل في ثلاث مجموعات.
وما يخلص إليه بعض المحللين هو نجاح ترمب في فرض إستراتيجية تفاوضية تقوم على المناورة وتعظيم المكاسب سعيا لإنجاح إستراتيجية "أمريكا أولا" وأن الأيام كفيلة بالنتائج، أما البعض الآخر من المحللين فيرون أن ترمب أحدث فوضى عالمية فككت المنظومات الاجتماعية والإنسانية وأضرّت بالنظام والقانون الدوليين كما أضرت بصورة الولايات المتحدة كقوة عظمى، وقد نحتاج عقودا لإصلاح ما أفسده.
المصدر:
الجزيرة