آخر الأخبار

عيد تحت الضغط.. الغلاء يذبح أحلام المصريين قبل الأضاحي

شارك
مع ارتفاع أسعار الأضاحي، اتجهت أسر مصرية كثيرة إلى حلول جديدة، أبرزها المشاركة في شراء الأضحية لتقاسم التكلفة وتخفيف العبء المالي,صورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

في إحدى قرى محافظة الغربية بدلتا النيل شمال مصر ، اعتاد حسين محمد على شراء خروف كل عام، ليس فقط للحفاظ على شعيرة الأضحية، وإنما أيضا كطقس اجتماعي مُحبب.

بيد أن هذا العام أصبح الوضع مختلفا؛ إذ اضطر حسين (43 عاما) إلى البحث عن شريك ليتحملا سويا ثمن الأضحية، في محاولة للتكيف مع الواقع الاقتصادي خاصة مع ارتفاع أسعار الأضاحي.

وفي مقابلة مع DW عربية، قال حسين إنه فضل شراء "بقرة" صغيرة بالمشاركة مع شقيق زوجته قبل شهرين، مقابل 50 ألف جنيه مصري (ما يعادل 941.7 دولارا)، لتربيتها في قريته حتى موعد العيد.

وأضاف أن خيار التقاسم أو المشاركة في الأضحية "لم يكن ترفا، بل ضرورة، بعدما بحث في ثلاثة أسواق للمواشي عن أضحية جيدة، ولم يجد ما يناسب ظروفه المادية".

وفي محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، لا يختلف الوضع كثيرا؛ فقد اضطر أحمد ونيس إلى تحمل زيادة كبيرة في سعر الأضحية.

وفي مقابلة مع DW عربية، قال "أنا حريص على أداء شعيرة الأضحية، التي ورثتها عن والدي الراحل لتوزيع اللحوم على المحتاجين. هذا العام اشتريت بقرة بنفس مواصفات سابقتها العام الماضي، لكن الاختلاف كان في ثمنها، الذي زاد بمقدار 15 ألف جنيه مصري (ما يعادل 282.5 دولارا)".

ورغم أنه تمكن من شراء أضحية، فإن الشاب الثلاثيني يرصد تغيرات واضحة في سلوك أقاربه.

وأضاف أن ثلاثة من أقاربه أجبرهم ارتفاع أسعار الأضاحي على المشاركة في شراء أضحية لتقاسم التكلفة، فيما اضطر آخرون إلى شراء خروف بدلا من بقرة، في محاولة للتوفيق بين الرغبة في أداء الشعيرة والقدرة على تحمل نفقاتها.

انعكاس مباشر

ويعكس هذا الواقع تحولات أوسع داخل السوق المصرية، حيث ارتفعت أسعار الأضاحي بشكل ملحوظ عن العام الماضي، ما يفرض ضغوطا إضافية على ميزانيات المواطنين، لا سيما في ظل ارتفاع معدل التضخم وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي خاصة مع استمرار حرب إيران.

وفي هذا السياق، يشير هيثم محمد، صاحب إحدى المزارع في ضواحي القاهرة ، إلى أن الأسعار الحالية تُعد "انعكاسا مباشرا" لارتفاع تكاليف الأعلاف والتربية، حيث يتراوح سعر الكيلوغرام القائم (قبل الذبح) من الأغنام بين 250 و 300 جنيه (أي ما يعادل 4.7- 5.6 دولارا)، فيما ارتفع سعر الكيلو القائم من الأبقار إلى 220 جنيها (4.1 دولار).

ويوضح محمد أن الأغنام الصالحة للذبح يبدأ سعر الواحدة منها من 15 ألف جنيه مصري (282.5 دولارا)، بينما تبدأ أسعار الأبقار من 75 ألف جنيه مصري (1413 دولارا)، وقد تصل إلى 120 ألف جنيه (2260 دولارا).

توسعت الجمعيات الخيرية في تقديم صكوك الأضاحي بأسعار متفاوتة، لكن الأمر أثار الجدل على منصات التواصل الاجتماعي.صورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

نموذج "اشتراك "

وفي ظل هذا الوضع، ابتكر صاحب المزرعة نموذجا يعتمد على "اشتراك" عدة زبائن في أضحية واحدة، بحيث يتحمل كل منهم نحو 20 ألف جنيه (377 دولارا)، في حال عدم قدرته على شراء أضحية كاملة.

وفي مقابلة مع DW عربية، قال "أنا أعرف زبائني جيدا، ومن يتعامل معي مرة يعود مرة أخرى، ومؤخرا أقوم بالتوفيق بين 5 أو 6 زبائن ليشتركوا في عجل أو بقرة، حتى يستمروا في أداء شعيرة الأضحية ولا ينقطعوا عنها".

ولم تقتصر الزيادات هذا العام على أسعار الأضاحي، بل ارتفعت أيضا أسعار اللحوم لتتراوح بين 420 و660 جنيها للكيلوغرام .

وأمام هذه الأسعار، لم يعد خيار شراء الأضحية الكاملة هو المسار الوحيد؛ إذ انتشرت حلول بديلة مثل "المشاركة" في الأضحية، أو شرائها بالتقسيط، أو اللجوء إلى ما يُعرف بـ "صكوك الأضاحي".

وفي محاولة لتخفيف العبء على المواطنين، وقعت وزارة الأوقاف المصرية في 15 مايو/أيار الجاري بروتوكولا مع بنك مصر الحكومي، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، لتقسيط صك الأضحية على 6 أشهر بدون فوائد.

وبحسب الوزارة، فإن الهدف هو التيسير على المواطنين الراغبين في أداء الشعيرة وضمان وصولها إلى مستحقيها، بما يسهم في إدخال السعادة على الأسر الأكثر احتياجا، حيث طُرح سعر الصك بـ 7 آلاف و9,500 جنيه مصري.

صكوك الأضاحي والاقتراض

كما توسعت الجمعيات الخيرية في تقديم صكوك الأضاحي بأسعار متفاوتة، حيث طرح بنك الطعام المصري الصك البلدي بسعر 11,900 جنيه، والصك المستورد من اللحوم الهندية بسعر 8,300 جنيه، وهي نفس الأسعار التي طرحتها مؤسسة "مصر الخير".

لكن هذه الحلول لم تمر دون جدل، إذ تساءل مواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي عن مدى توافق "تقسيط الأضحية" مع روح الشعيرة الدينية، وهو ما دفع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الشيخ عويضة عثمان، للقول في لقاء تلفزيوني في 17 مايو/أيار الجاري إن الأضحية من "السنن المؤكدة"، وأداؤها أمر يُؤجر عليه صاحبها، لكن لا ينبغي أن يحمل الإنسان نفسه ما لا يطيق من الديون من أجلها.

وشدد على أنه "لا يجوز الاقتراض لمن لا يقدر على السداد من أجل الأضحية"، مؤكدا أن "الأضحية سنة وليست فرضا، ولا ينبغي أن تتحول إلى عبء مالي"، بينما لا مانع من التقسيط لمن يقدر على السداد.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة أن تكرار مصطلح "الأزمات العالمية" في خطاب الحكومة لم يعد مبررا كافيا لتبرئة السياسات الداخلية .

وقال في مقابلة مع DW عربية إن وجود أزمات "أمر طبيعي في عالم متقلب، لكن الأمر غير الطبيعي هو سوء إدارتها محليا".

وأشار إلى تراجع واضح في إقبال المصريين على شراء الأضاحي نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار، وهو ما أدى إلى تغير أنماط الاستهلاك، حيث أصبح الاتجاه السائد هو "المشاركة الجماعية" لتقليل التكلفة .

وأوضح أن متوسط سعر العجل ارتفع من نحو 15 ألف جنيه قبل سنوات إلى نحو 70 ألف جنيه حاليا.

يشير الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة إلى تراجع واضح في إقبال المصريين على شراء الأضاحي نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار.صورة من: privat

الشراء بالتقسيط

ويعزو العمدة أحد جذور الأزمة إلى الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، خاصة في مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني، موضحا أن نحو 85 % من الزيوت، وقرابة 45 % من القمح، وحوالي 80 % من أعلاف الماشية يتم استيرادها، ما ينعكس على أسعار اللحوم ويجعلها رهينة لتقلبات الدولار والأسواق العالمية.

وأضاف أن هذا التحول لا يقتصر على طقوس العيد، بل يمتد إلى نمط التغذية اليومية، حيث انخفض نصيب الفرد من البروتين الحيواني، مقابل زيادة الاعتماد على بدائل أقل تكلفة مثل الأرز والبقوليات والخبز.

كما شدد على أن المنافذ الحكومية التابعة لوزارات التموين والزراعة والداخلية لم تُحدث فارقا كبيرا في الأسعار مقارنة بالسوق، ما حد من تأثيرها في تخفيف الأعباء عن المواطنين.

وأشار إلى أن ذلك تزامن مع ظهور سلوكيات استهلاكية جديدة، مثل شراء مستلزمات العيد بالتقسيط.

تحرير: محمد فرحان

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا