كشف تقرير نشرته وكالة رويترز عن تفكك غير مسبوق في الهيكلة الدبلوماسية التقليدية في الولايات المتحدة، مفصلا كيف باتت دول كثيرة تتجاوز القنوات الرسمية عبر الخارجية والسفارات الأمريكية، وتعيد تنظيم دبلوماسيتها لتتمحور حول التواصل مع دائرة ضيقة من المقربين والموالين للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وأشار التقرير إلى أنه في ظل شغور أكثر من نصف مناصب سفراء الولايات المتحدة البالغ عددها 195 منصبا في جميع أنحاء العالم، سعت حكومات في جميع أنحاء العالم إلى اعتماد إستراتيجيات جديدة للتعامل مع واشنطن عبر "قنوات خلفية"، الأمر الذي أدى إلى تهميش الدبلوماسيين المخضرمين.
في حين ترفض إدارة ترمب فكرة الانهيار، قائلة إن التغييرات عززت الدبلوماسية الأمريكية وبسطت عملية صنع القرار.
وبعد أكثر من عام على ولاية ترمب الثانية، بات النفوذ والمعلومات حكرا -بشكل متزايد- على حفنة من المبعوثين -وفق رويترز- أبرزهم جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، مشيرة إلى أن بعض الحكومات الأجنبية تعطي الآن الأولوية للتواصل معهما على القنوات الرسمية، رغم أن كوشنر لا يتولى أي منصب حكومي رسمي، فيما لا يمتلك ويتكوف أي خبرة دبلوماسية سابقة.
لكن دولا أخرى سعت إلى فتح قنوات غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض، بحسب الوكالة. فقد تجاوز المسؤولون الكوريون الجنوبيون المفاوضين التجاريين الأمريكيين وأقاموا علاقات مباشرة مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، التي شعروا بأنها قادرة على تفسير النوايا الحقيقية لترمب في خضم أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب بنسبة 25%.
في حين وجدت اليابان وسيطا غير متوقع في ماسايوشي سون مؤسس سوفت بنك الذي يلعب الغولف مع ترمب.
وأشارت رويترز إلى أن المسؤولين في الخارجية الأمريكية لم يعودوا قادرين على تقديم توضيحات لتصريحات الرئيس، مما أدى إلى قلق وارتباك الحلفاء بشأن النوايا الحقيقية للولايات المتحدة.
ووفق رويترز، فقد غادر حوالي 3 آلاف موظف وزارة الخارجية العام الماضي، فُصل نصفهم تقريبا، وقبِل الآخرون عروض الاستقالة مقابل تعويضات.
ثم في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أمر وزير الخارجية ماركو روبيو باستدعاء لم يسبق له مثيل لقرابة 30 سفيرا من جميع أنحاء العالم. وفي المحصلة، هناك 109 من أصل 195 منصبا لسفراء الولايات المتحدة شاغرة في جميع أنحاء العالم، بحسب الجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية، وهي نقابة الدبلوماسيين.
وتترك الهيكلية الجديدة واشنطن بعدد أقل من كبار الدبلوماسيين على الأرض في منطقة حرب رئيسية، إذ لا وجود لسفراء أمريكيين في 5 من الدول السبع المجاورة لإيران، و4 من دول الخليج الست.
والحال هذه، تجري إدارة الكثير من السفارات الأمريكية الآن من قبل القائمين بالأعمال، وهم دبلوماسيون يعملون بالإنابة، بدلا من السفراء المعتمدين من مجلس الشيوخ، وهو ما تعتبره بعض الدول خفضا لمستوى العلاقات الدبلوماسية.
ويقول سفراء أمريكيون سابقون ومسؤولون في وزارة الخارجية إن تراجع الوجود الدبلوماسي ساهم في حدوث فوضى عارمة عند إجلاء الأمريكيين من المنطقة حين بدأ ترمب الحرب مع إيران.
وبحسب التقرير، فقد أدت عمليات التسريح في مجلس الأمن القومي -الذي ينسق تقليديا السياسة الخارجية والدفاعية في البيت الأبيض- إلى توتر العلاقات بين إدارة ترمب وسفاراتها.
وفي العام الماضي، خفّض الرئيس الأمريكي عدد موظفي مجلس الأمن القومي من مئات الأشخاص إلى بضع عشرات فقط.
وعلى مدى أشهر، لم يعقد موظفو المجلس أي اجتماعات منتظمة، وواجهوا حظرا فعليا على عقد اجتماعات مشتركة بين الوكالات بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية، وفقا لثلاثة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين في واشنطن.
وكشف العديد من المسؤولين عن أن الموظفين تلقوا القليل من التوجيهات الرسمية بشأن الموضوعات الرئيسية، مثل الحرب في أوكرانيا أو مستقبل حلف شمال الأطلسي ( الناتو). وبدلا من ذلك، كانوا يراقبون حساب ترمب على منصته "تروث سوشيال" بحثا عن إشارات سياسية.
وقال مسؤولون إن كثيرا من موظفي مجلس الأمن القومي أبقوا حساب ترمب مفتوحا على شاشة مخصصة، واستجابوا بسرعة عندما وضع منشورات.
وذكر التقرير أنه في الإدارات الأمريكية السابقة -على مدى يقارب 50 عاما- شكّل الدبلوماسيون المحترفون ما بين 57 و74% من السفراء، وفقا للجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية.
لكن في ولاية ترمب الثانية، يمثل الدبلوماسيون المحترفون حوالي 9% من السفراء المعينين، وهو انخفاض كبير في الخبرة المؤسسية التي قادت الدبلوماسية الأمريكية تاريخيا.
وذكرت رويترز أن الرئيس الأمريكي تجاهل السفارات بشكل متزايد، في حين عهد بالدبلوماسية الحساسة إلى مبعوثيْه كوشنر وويتكوف، وهما المفاوضان الرئيسيان في حروب أوكرانيا وغزة وإيران.
وفي الفترة التي سبقت الحرب على إيران، التقى المبعوثان بمسؤولين إيرانيين في جنيف في أواخر فبراير/شباط الماضي، لكنهما لم يصطحبا معهما خبراء نوويين أمريكيين، وفقا لمسؤولين أوروبيين شاركوا في المناقشات.
وفي الأشهر التسعة السابقة، طردت إدارة ترمب ما لا يقل عن 6 خبراء نوويين في الشؤون الإيرانية، من بينهم نيت سوانسون الدبلوماسي المحترف الذي عمل في قضايا إيران عبر عدة إدارات، وساعد في تنفيذ الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران عام 2015.
ويقول دبلوماسي أوروبي كبير -بحسب التقرير- إن الفريق الأمريكي واجه صعوبة -خلال المحادثات الأخيرة في جنيف- في فهم أهمية عتبات تخصيب اليورانيوم المختلفة وعناصر أخرى من برنامج إيران النووي، مما أجبر المسؤولين الأوروبيين على شرحها، وأضاف "كيف يمكنك التفاوض وأنت لا تفهم الأساسيات؟".
وفي الصين، عيّن ترمب سفيرا من الموالين له، وهو السناتور السابق عن ولاية جورجيا ورجل الأعمال ديفيد بيردو، وقد ردد ادعاءات ترمب بأن انتخابات عام 2020 جرى تزويرها.
وأورد التقرير إفادات ثلاثة مسؤولين في الحكومة الأمريكية يركزون على الشؤون الصينية، قالوا إن بيردو اتصل بترمب مباشرة لوضع القرارات ومعالجة القضايا الدبلوماسية العالقة، في حين استُبعد حتى كبار الدبلوماسيين الأمريكيين من دائرة اتخاذ القرار.
وقال المسؤولون إنه لدى التخطيط للزيارات رفيعة المستوى، غالبا ما كان موظفو السفارة ينتظرون حتى يتصل بيردو بترمب قبل الالتزام بالترتيبات النهائية، وهو ما يمثل خروجا عن المعتاد مقارنة بالماضي عندما كانت مثل هذه القرارات تُتخذ على مستويات أدنى.
وخلص تقرير رويترز إلى أن الرئيس الأمريكي قلب المعايير الدبلوماسية رأسا على عقب بسلسلة متواصلة من التهديدات، الموجهة إلى أعداء مثل إيران وحلفاء بما في ذلك الدانمارك وكندا وحلف الناتو، مما اضطر الحكومات إلى تقييم ما إن كان الرد علنا سيهدئ التوترات أم سيزيدها سوءا.
وتشير الوكالة إلى أن هذا حدث في أوائل أبريل/نيسان الماضي بعد أن حذر ترمب من أن حضارة إيران قد تفنى، إذ صاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه بيان مشترك "قاسٍ"، ثم قرروا عدم إصداره.
ويقول الدبلوماسي الذي ساعد في صياغة البيان: "اعتقدنا في النهاية أنه كلما نبح هكذا، فإنه لن يعضّ".
ويلفت التقرير إلى أن المسؤولين الأوروبيين اعتقدوا آنذاك أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال ممكنا، وخشوا أن يؤدي التوبيخ العلني إلى دفع ترمب إلى مواصلة القصف، فامتنعوا عن الرد. وبحلول نهاية اليوم، أعلن ترمب وقف إطلاق النار.
وعززت هذه الواقعة درسا استنتجه العديد من حلفاء الولايات المتحدة، ويتمثل في أن "الصمت قد يكون الرد الأكثر أمانا على تهديدات ترمب الأكثر تطرفا"، وفق رويترز.
ويُطلق بعض الدبلوماسيين الأوروبيين على هذه "طريقة ميركل"، في إشارة إلى رد الفعل الهادئ الذي أبدته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال ولاية ترمب الأولى، والمتمثلة في استيعاب الاستفزازات دون رد فعل علني، مع الدفاع بحزم عن المصالح الوطنية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة