آخر الأخبار

"التغلغل الإسلامي" بفرنسا.. قانون يرفضه اليمين واليسار

شارك

بينما تقول السلطات الفرنسية إن مشروع قانون "مكافحة التغلغل الإسلامي" يهدف إلى حماية قيم الجمهورية ومواجهة ما تصفه بـ"الإسلام السياسي"، سرعان ما تحوّل النص إلى قضية مثيرة للانقسام في فرنسا.

والمفارقة، وفقا لما جاء في تغطيات وسائل إعلام فرنسية، هي أن القانون الذي قدّمه السيناتور الفرنسي ووزير الداخلية السابق، برونو روتايو وجد نفسه في مواجهة انتقادات حادة من اليمين الحقوقي المحافظ ومن اليسار السياسي على حد سواء، وإن اختلفت دوافع كل طرف.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثوانٍ تمحو مدينة وسنوات تسمم الحياة.. ماذا يحدث بعد الانفجار النووي؟
* list 2 of 2 كاتب أمريكي: خطر الصين يكمن في ضعفها end of list

ويستند مشروع القانون إلى فرضية تقول إن جماعة الإخوان المسلمين تعمل منذ عقود على إعادة تشكيل المجتمع الفرنسي عبر التغلغل داخل المدارس والجمعيات والفضاءات الرياضية والدينية، بهدف "فرض معايير دينية على حساب مبادئ الجمهورية".

مصدر الصورة مقترح روتايو محل انتقاد من اليمين واليسار على حد سواء (الفرنسية)

وفي مذكرته التفسيرية، يصف النص الإسلام السياسي بأنه "تهديد أيديولوجي دائم ومنظم" لا يعتمد بالضرورة على العنف، بل على "عملية تغلغل منهجية وخفية تسعى إلى تقويض التماسك الوطني"، وفقا لما جاء في نص القانون المقترح.

كما يتضمن المشروع سلسلة إجراءات مشددة، من بينها استحداث جريمة جديدة تعاقب كل محاولة لـ"استبدال القوانين الجمهورية بمعايير دينية أو جماعاتية"، وتوسيع صلاحيات حل الجمعيات إداريًا، ومنح السلطات حق تجميد الأموال والموارد الاقتصادية للهيئات المشتبه في ارتباطها بما يسمى "النزعة الانفصالية".

لكن هذه الإجراءات فتحت الباب أمام انتقادات واسعة، حتى داخل الأوساط القانونية المحافظة القريبة تقليديًا من اليمين الفرنسي.

ففي مقالة جماعية نشرتها صحيفة لوفيغارو، حذر عدد من المحامين والقضاة والحقوقيين من أن القانون، بصيغته الحالية، "يحمل خطرا جسيما على الحريات العامة".

وركزت الانتقادات خصوصا على المادة السادسة، التي تمنح الإدارة صلاحية تجميد أموال الأفراد أو الجمعيات "حتى في غياب إدانة جنائية من المحكمة".

قانونيون محسوبون على اليمين الفرنسي: الخطر لا يكمن في مواجهة الإسلام السياسي بحد ذاته، بل في توسيع صلاحيات الدولة بشكل قد يتحول مستقبلًا إلى أداة ضد أي معارضة سياسية أو فكرية.

ويرى هذا التيار، الذي يمكن وصفه بـ"يمين المؤسسات"، أن الخطر لا يكمن في مواجهة الإسلام السياسي بحد ذاته، بل في توسيع صلاحيات الدولة بشكل قد يتحول مستقبلًا إلى أداة ضد أي معارضة سياسية أو فكرية.

إعلان

وتساءل الموقعون: "هل ينسجم منح الإدارة سلطة مصادرة واسعة وغامضة بهذا الشكل مع دولة القانون التي تقول الحكومة إنها متمسكة بها؟"

كما حذروا من أن القانون قد يتحول إلى "رسالة قمع حديثة" تسمح بـ"الإعدام الاقتصادي" لأي جهة معارضة، سواء كانت جمعيات أو وسائل إعلام أو شخصيات سياسية.

وبالنسبة لهؤلاء، فإن الديمقراطية لا تُحمى عبر العقوبات المالية والإدارية، بل من خلال "حرية التعبير وتنافس الأفكار"، مؤكدين أن "الأفكار التي لا تعجبنا لا تُحارب بالإقصاء الاقتصادي، بل بالنقاش الفكري".

قانونيون محسوبون على اليمين الفرنسي: الديمقراطية لا تُحمى عبر العقوبات المالية والإدارية، بل من خلال حرية التعبير وتنافس الأفكار، فالأفكار التي لا تعجبنا لا تُحارب بالإقصاء الاقتصادي، بل بالنقاش الفكري

ومن أبرز الموقعين على هذه العريضة نويل لونوار الوزيرة السابقة والمحامية المعروفة، ودومينيك دو لا غاراندر النقيبة السابقة لمحامي باريس، وجان كلود ماجندي الرئيس السابق لمحكمة استئناف باريس، والمحامي جيل ويليام غولدناديل والمدعي العام السابق فرانسوا فاليتي، وغريغوار بوبينك مدير المركز الأوروبي للقانون والعدالة.

في المقابل، جاءت انتقادات اليسار الفرنسي وموقع ميديا بارت من زاوية مختلفة تمامًا، فاليسار يرى أن القانون قائم على "تصوير المسلمين كعدو داخلي"، وأنه يعتمد على تقارير ودراسات "مثيرة للجدل" لتبرير تشديد القبضة الأمنية والتشريعية.

وانتقد تقرير في ميديا بارت اعتماد المشروع على تقرير حكومي حول الإخوان المسلمين، وصفه بأنه "خليط مرتبك من أعمال سابقة" جرى "استخدامه سياسيًا قبل نشره"، كما أشار التقرير إلى أن الوثيقة نفسها تعترف بأنه "لا يوجد أي دليل حديث يثبت رغبة مسلمي فرنسا في إقامة دولة إسلامية أو تطبيق الشريعة في فرنسا".

كذلك شكك التحقيق في دراسة لمعهد إيفوب (Ifop) استُخدمت لتبرير القانون، معتبرا أن أسئلتها صيغت بطريقة توحي بنتائج مسبقة، وأن مصطلحات مثل السلفية والإخوان المسلمين لم تُعرَّف بدقة، وهو ما وصفه بعض علماء الاجتماع بأنه استعمال لـ"مصطلحات فضفاضة".

مصدر الصورة فرنسا ما فتئت تشهد احتجاجات ضد الإسلاموفوبيا (الفرنسية)

ولم تتوقف الانتقادات عند الجانب المنهجي، بل امتدت إلى جوهر مفهوم "التغلغل الإسلامي" نفسه، إذ اعترف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بأنه "مفهوم صعب التعريف ومعقد للغاية".

ويرى اليسار أن النص قد يفتح الباب أمام استهداف المسلمين والجمعيات الدينية بشكل عام، وليس فقط الجماعات المتطرفة.

وفي هذا السياق يقول السيناتور الفرنسي أحمد لاويج: "لقد طفح الكيل… الكثير من المزايدات والكثير من القوانين الاستعراضية"، بينما اتهم رئيس الكتلة البيئية غيوم غونتار القانون بأنه يعكس "أيديولوجيا عنصرية" تصور المسلمين كأشخاص "يتسللون سرًا لتدمير المجتمع".

أما السيناتورة ميلاني فوجل فرأت أن القانون لا يقتصر على الإخوان المسلمين بل قد يطال "الجمعيات المحلية التي تنظّم وجبات حلال أو المسلمين الذين يمارسون شعائرهم بشكل عادي"، متسائلة عن سبب غياب قوانين مشابهة ضد ما سمته "التغلغل المسيحي" في الفضاء العام.

إعلان

وهكذا، يجد مشروع القانون نفسه محاصرًا بين اعتراضين متناقضين: يمين يخشى تغوّل الدولة على الحريات الفردية وحرية المعارضة السياسية، ويسار يرى في النص أداة لتوسيع الإسلاموفوبيا القانونية واستهداف المسلمين اجتماعيًا.

وبين هذين الموقفين، يبقى القانون عنوانًا لأزمة فرنسية أعمق تتعلق بكيفية التوفيق بين حماية الجمهورية والحفاظ على الحريات العامة في مجتمع يزداد استقطابًا عامًا بعد عام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا