في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في كل مرة تتصاعد فيها الحرب في الشرق الأوسط، تعود إلى الواجهة قصة علاقة معقدة بين مدريد وتل أبيب؛ علاقة لم تُبنَ يوما على ثقة كاملة، بل تشكلت عبر عقود من التوتر، والتقارب الحذر، ثم الانتكاسات المتكررة.
البداية، كما يرويها التاريخ، ويستعرضها تقرير الجزيرة، لم تكن دبلوماسية بقدر ما كانت أيديولوجية. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، وأثناء الحرب الأهلية الإسبانية (1936–1939)، انخرط عناصر من الحركة الصهيونية العالمية في صفوف الجمهوريين، وهو ما أثار غضب الجنرال فرانسيسكو فرانكو، الذي رأى في ذلك تآمرا على وحدة إسبانيا. ومنذ تلك اللحظة، وُضعت بذور العداء.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة عام 1945، دخلت إسبانيا في عزلة دولية، بعدما قادت المنظمة حملة لمنع قبول عضويتها. رد فرانكو كان سياسيا بامتياز: رفض الاعتراف بالدولة التي أُعلنت عام 1948، أي إسرائيل، لتتحول العلاقة إلى قطيعة شبه كاملة، وكره متبادل استمر لعقود.
لم يكن ذلك الموقف مجرد قرار عابر، بل سياسة متكاملة. فعندما اندلعت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، منعت مدريد الولايات المتحدة من استخدام قواعدها لإمداد إسرائيل بالسلاح. وبعدها بعام فقط، دعمت إسبانيا قرارات أممية تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وبـ منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا لهم.
حتى وفاة فرانكو عام 1975، والتي استقبلتها الصحافة الإسرائيلية بارتياح كبير، لم يتغير المشهد سريعا. فخلفه أدولفو سواريز حافظ على النهج ذاته، رغم الضغوط الإسرائيلية المتكررة لفتح صفحة جديدة.
في الشارع الإسباني، لم يكن الموقف أقل حدة. ففي عام 1982، ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، خرجت احتجاجات واسعة، وبلغ الغضب ذروته بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، لترسخ صورة إسرائيل كقوة احتلال في الوعي الشعبي الإسباني.
التحول الكبير جاء أخيرا عام 1986، عندما وصل الحزب الاشتراكي إلى الحكم، لتعلن مدريد إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، بعد نحو 38 عاما من قيامها. لكن هذا التطبيع لم يكن على حساب الموقف السياسي؛ إذ واصلت إسبانيا دعمها العلني للفلسطينيين، حتى وهي توسع تعاونها مع تل أبيب في مجالات الاقتصاد والثقافة.
وفي محاولة للعب دور الوسيط، استضافت مدريد عام 1991 مؤتمر مدريد للسلام، الذي مهد لاحقا لاتفاق أوسلو. بدا حينها أن إسبانيا قد وجدت موقعا وسطا بين الطرفين، لكن هذا التوازن ظل هشا.
مع وصول الحزب الشعبي إلى السلطة عام 1996، عادت العلاقة إلى نمط المد والجزر. فكلما اندلعت مواجهة في غزة، ارتفعت حدة الانتقادات الإسبانية. وفي حرب عام 2014، علقت مدريد مبيعات السلاح لإسرائيل، في خطوة عكست انتقال المواقف من التصريحات إلى الإجراءات.
السنوات الأخيرة أعادت التوتر إلى ذروته. ففي خضم الحرب على غزة، لم تتردد حكومة بيدرو سانشيز في اتخاذ مواقف صريحة ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية، ووصفت شخصيات رسمية ما يحدث بأنه إبادة جماعية، بينما صرحت يولاندا دياز بعبارات أثارت غضبا واسعا في إسرائيل.
أما اللحظة الفاصلة فجاءت في مايو/أيار 2024، عندما اعترفت إسبانيا رسميا بدولة فلسطين، ما دفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى استدعاء سفيرها وخفض التمثيل الدبلوماسي. وردت مدريد سريعا بخطوات عملية، من بينها منع سفن أسلحة متجهة إلى إسرائيل من الرسو في موانئها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة مطلع عام 2026، أعلنت إسبانيا إغلاق مجالها الجوي أمام أي طائرات مرتبطة بالحرب، ما فجر موجة انتقادات إسرائيلية غير مسبوقة، وصلت حد وصفها بأنها الأكثر عداء في أوروبا.
ورغم مرور عقود على بدء العلاقات الرسمية، لا تزال جذور الخلاف عميقة. فإسبانيا، التي تأخرت في الاعتراف بإسرائيل، لم تتخل يوما عن دعمها للفلسطينيين، بينما ترى تل أبيب في هذا الموقف انحيازا دائما ضدها.
المصدر:
الجزيرة