آخر الأخبار

هل سيكون الأول من مايو حاسما للحرب على إيران؟

شارك

"مع اقتراب عقارب الساعة نحو الأول من مايو/أيار المقبل، تتحول الأنظار من ميادين المواجهة في الشرق الأوسط وقاعات التفاوض في باكستان إلى قاعات الكابيتول هيل في واشنطن حيث يعقد الكونغرس الأمريكي جلساته.

والسبب ببساطة هو انتهاء مهلة الستين يوما التي يمنحها قانون "سلطات الحرب" للإدارة الأمريكية قبل الحصول على تفويض تشريعي للعمليات العسكرية.

وبعد أسابيع كان السؤال الأكبر فيها هو مدى قدرة الأساطيل الأمريكية على حسم الصراع مع طهران، سيصبح السؤال في الأيام القليلة المقبلة عن شرعية بقاء هذه الأساطيل في حالة اشتباك دون غطاء من ممثلي الشعب، هذا إن لم تنته الهدنة الحالية باتفاق ينهي الحرب التي تخطّى أثرها الإقليم ليسبب إرباكا في العالم أجمع.

وفي مناخ سياسي مشحون بالاستقطاب، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه أمام خيارين: إما إقناع كونغرس منقسم بضرورة التورط في حرب إقليمية واسعة، أو مواجهة "فيتو" تشريعي ستكون له تأثيراته.

هذه التأثيرات لن تقتصر على سحب البساط من تحت أقدام الجنرالات في الميدان، بل قد تؤثر على حظوظ الحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترمب، في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

وفي أجواء ما قبل الحسم، يبدو واضحا أن إدارة ترمب تتسلح بحجج "دفع الخطر الوشيك" كذريعة قانونية بل ولا تتردد حتى في الطعن في القانون، في حين يستدعي المعارضون سوابق تاريخية مريرة من فيتنام إلى العراق، محذرين من "شيك على بياض" قد يجر البلاد إلى مستنقع لا نهاية له.

فهل يمتلك الكونغرس الإرادة السياسية والأهم القدرة على عرقلة مسار الحرب؟ أم أن "مقتضيات الأمن القومي" ستبتلع مرة أخرى صلاحيات المشرّعين وتمنح البيت الأبيض تفويضا مفتوحا؟"

ولكنْ ما قصة قانون صلاحيات الحرب؟

تتمثل كلمة السر في قانون صلاحيات الحرب وهو قانون صادر عام 1973 بعد شهور من انتهاء الحرب الأمريكية على فيتنام، وكان يستهدف تأكيد الدور الدستوري للكونغرس في إرسال قوات عسكرية أمريكية إلى نزاعات مسلحة في الخارج، وهذا وفق النص الرسمي للقانون.

إعلان

ومن المفارقات اللافتة أن القانون واجه "فيتو" من الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون، ليعود إلى الكونغرس الذي تخطى رفض الرئيس عبر إقرار القانون بأغلبية الثلثين.

ينص القانون إذن على أن أي استخدام للقوة يجب أن يتوقف تلقائيا بعد 60 يوما ما لم يمنح الكونغرس موافقته، وهذا يعني أن على الرئيس سحب القوات الأمريكية من المشاركة في الأعمال العدائية بعد 60 يوما، ما لم يعلن الكونغرس الحرب، أو يُجِز تمديدا لمدة 60 يوما، أو يتعذر عليه الاجتماع فعليا نتيجة لهجوم مسلح على الولايات المتحدة.

ويجوز للرئيس تمديد هذه المدة 30 يوما إذا قدّم للكونغرس شهادة خطية تُثبت وجود "ضرورة عسكرية لا مفر منها" تتعلق بسلامة القوات المسلحة.

كيف تم احتساب المدة؟

القانون يتحدث عن 60 يوما، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اندلعت صباح يوم 28 فبراير/شباط، وهذا يعني حسابيا أن المهلة تنتهي اليوم الثلاثاء 28 أبريل/نيسان، فما الذي جعل الحديث يدور عن الأول من مايو/أيار؟

الأمر ببساطة هو أن احتساب المدة بدأ من اليوم الثالث للحرب وبالتحديد الثاني من مارس/آذار الماضي وهو اليوم الذي قام فيه الرئيس ترمب بإبلاغ الكونغرس رسميا بعمله العسكري ضد إيران.

وعلى مدى هذين الشهرين مرت الحرب بثلاث مراحل أساسية:


* من 28 فبراير/شباط إلى 15 مارس/آذار: مرحلة الانفجار حيث انطلقت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية وردت عليها إيران بهجمات صاروخية استهدفت إسرائيل وما تقول إنها مصالح أمريكية في المنطقة.
* من 16 مارس/آذار إلى 10 أبريل/نيسان: تحول الصراع إلى معركة كسر إرادات بحرية؛ فبينما استمرت طهران في إغلاقها لمضيق هرمز الذي بدأ مع أول طلقة في الحرب، انتقلت واشنطن من الضربات الجوية المركزة إلى فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية وتوقيف السفن الإيرانية في أعالي البحار، في محاولة "يائسة" حتى الآن، لفتح ثغرة في جدار الملاحة الدولية التي شُلت تماما" في المضيق.
* 8 أبريل/نيسان: أعلن ترمب هدنة امتدت حتى اليوم، وخلال الفترة ظلت حركة الملاحة في مضيق هرمز أقرب إلى التوقف منها إلى الانسياب، كما هدأت الجبهة اللبنانية بعد إعلان ترمب في 16 أبريل/نيسان عن اتفاق لبناني إسرائيلي على وقف إطلاق النار. مصدر الصورة حروب أمريكية رغم أنف الكونغرس (الجزيرة)

ماذا يقول التاريخ؟

نعود إلى قانون صلاحيات الحرب، حيث يلفت تقرير في موقع دويتشه فيله الألماني، النظر إلى أن القانون لم يسبق استخدامه لإنهاء حرب بشكل فعلي، إذ "عثر الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون على طرق لتجاوز متطلبات الموافقة البرلمانية"، ما يجعل الحالة الراهنة غير مسبوقة من حيث حدتها السياسية.

ويوضح التقرير نفسه أن ترمب ليس أول رئيس يحاول تجاوز "قانون صلاحيات الحرب"؛ ففي عام 2011، أبقى الرئيس الأسبق باراك أوباما مشاركة الولايات المتحدة في قصف ليبيا لأكثر من 60 يوما من دون تفويض، معتبرا أن القوات الأمريكية "ليست منخرطة في أعمال عدائية مباشرة".

هذا التبرير يُعدّ إحدى أدوات الرئاسة للالتفاف على سلطة الكونغرس عبر طرح سؤال تعريف "الأعمال العدائية" وحدودها القانونية.

وقبل ذلك أمر الرئيس الأسبق بيل كلينتون بقصف كوسوفو عام 1999، واعتبرت إدارته أنها حصلت على موافقة ضمنية من الكونغرس لأنه أصدر تشريعا لتمويل هذه الحملة في غضون 60 يوما من بدئها.

إعلان

كما استخدمت إدارة ترمب منطقا مشابها في عمليات سابقة ضد قوارب يُشتبه في صلتها بعصابات مخدرات فنزويلية، إلا أن الحرب على إيران أوسع نطاقا وأكثر خطورة من حالة كهذه.

توقع متشائم

تقول نيويورك تايمز إنه إذا لم تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل الموعد النهائي، فإن كل المؤشرات تُشير إلى أن ترمب والأغلبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ سيتجاهلون القانون، ولتبرير ذلك من المُرجّح أن يلجؤوا إلى حجج قانونية مُضلّلة، وهو ما يعني إحالة الأمر للمحاكم عبر رفع دعاوى قضائية.

وفي تقرير أبرزته اليوم الثلاثاء، أظهرت الصحيفة الأمريكية الشهيرة نفسا متشائما في هذا الشأن حيث أشارت إلى سوابق اعتبرت فيها المحاكم أن مثل هذه الأمور مسائل سياسية لا يمكنها البت فيها.

وأوردت الصحيفة عدة أمثلة منها قضية ضد الرئيس الأسبق رونالد ريغان عام 1982، رفعها أعضاء في الكونغرس للطعن في المساعدة العسكرية الأمريكية للسلفادور وانتهى الأمر برفض القضاء للدعوى.

كما رفضت محكمة فدرالية في عام 2002 دعوى قضائية لمنع الرئيس جورج دبليو بوش من غزو العراق، واعتبرت أن القضايا المطروحة كانت مسائل سياسية "تتجاوز صلاحيات المحكمة الفدرالية في البت فيها".

وفي عام 2011 تم رفع دعوى ضد العمليات العسكرية التي أمر بها الرئيس الأسبق باراك أوباما في ليبيا باعتبارها انتهاكا للقانون والدستور، لكنّ محكمة فدرالية رفضت الدعوى.

وتعتبر نيويورك تايمز أن هذه القرارات تُفرغ صلاحيات الكونغرس في شن الحرب من مضمونها. وتقول إنه في ظل تقاعس الكونغرس، وغياب إنفاذ قضائي، لا توجد عمليا أي ضوابط على قدرة الرئيس على شن الحرب بشكل منفرد.

بل تذهب الصحيفة أبعد من ذلك، محذرة من أنه إذا لم يضطلع القضاء الفدرالي، بما في ذلك المحكمة العليا، بمسؤوليته في هذا الشأن، فإنه سيُبطل مبدأ الدستور الأمريكي الذي ينص على ضرورة مشاركة فرعين من الحكومة عند الدخول في حرب.


* وتستشهد الصحيفة بأقوال لاثنين من أشهر رؤساء الولايات المتحدة عبر تاريخها:
جورج واشنطن أثناء رئاسته: "يُخوّل الدستور الكونغرس سلطة إعلان الحرب، ولذلك لا يمكن القيام بأي حملة هجومية ذات أهمية إلا بعد أن يتداولوا في الموضوع، ويُجيزوا مثل هذا الإجراء".
* جيمس ماديسون، أثناء عضويته بالكونغرس: "لا يُمكن لمن يُكلّفون بقيادة الحرب، بحكم طبيعة الأمور، أن يكونوا حُكماء أكفاء أو موثوقين فيما إذا كان ينبغي بدء الحرب أو استمرارها أو إنهاؤها". مصدر الصورة ينص القانون على أن أي استخدام للقوة يجب أن يتوقف تلقائيا بعد 60 يوما ما لم يمنح الكونغرس موافقته (رويترز)

ما الاحتمالات؟

بشكل عام فإن ترمب يحظى بدعم الكونغرس بالنظر إلى الأغلبية التي يحوزها حزبه الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ.

وخلال الأسابيع الماضية فشلت عدة محاولات قام بها الديمقراطيون في الكونغرس لوقف الحرب، ومع ذلك فالضغوط لا تقتصر على الخصوم الديمقراطيين، بل من داخل الحزب الجمهوري نفسه حيث بدأ صبر البعض في النفاد بسبب الخوف من أن تؤدي الحرب وتداعياتها على أسعار النفط والغاز والتضخم في الداخل إلى خسارة الحزب في انتخابات التجديد النصفي المقررة أواخر العام.

وتتمثل أبرز خيارات الإدارة الأمريكية فيما يلي:

1- أن تطلب إدارة ترمب من الكونغرس مهلة إضافية لمدة 30 يوما، وهو تصرف نص عليه القانون في حالة اعتبار الأمر "ضرورة عسكرية لا مفر منها".

2- أن يدفع البيت الأبيض بأن وقف إطلاق النار المستمر منذ نحو 3 أسابيع قد أنهى العملية العسكرية وبالتالي يعيد ضبط المهلة القانونية ويبدأ العد من جديد.

3- الطعن في دستورية القانون نفسه.

وفي هذا السياق، قال جيه دي فانس نائب الرئيس ترمب في يناير/كانون الثاني الماضي بعد اختطاف قوات أمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إن "قانون صلاحيات الحرب هو في الأساس قانون شكلي وغير دستوري".

إعلان

وصدرت تصريحات مشابهة عن أعضاء جمهوريين بمجلس الشيوخ حيث قال ليندسي غراهام إنه يعتقد أن القانون غير دستوري بينما قال رون جونسون إنه لا ينبغي لترمب أن يسمح لهذا القانون بتقييد قدرته على إزاحة النظام الإيراني عن السلطة.

أما لو قرر الكونغرس البت في الأمر فمن المرجح ألا يُقدِم على عرقلة إدارة ترمب وذلك بالنظر إلى الأغلبية الجمهورية في المجلسين والتي لا يبدو أن اختراقها أمر وارد.

واتفقت صحف أمريكية ووكالات أنباء في التأكيد على أن ميزان القوى لا يزال يميل لصالح البيت الأبيض، مع بقاء الباب مفتوحا أمام مفاجآت سياسية محتملة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، يقف الكونغرس أمام معادلة صعبة بين محاسبة الرئيس وإظهار انقسام داخلي في زمن حرب، وبين تردد النواب في التصويت لصالح حرب لا تحظى بشعبية إلى حد كبير، فضلا عن تخوفهم من التكاليف المتزايدة على دافعي الضرائب ومن عدم وضوح الهدف النهائي ومن خطر اتساع رقعة الحرب أكثر.

ولكنْ ماذا عن موقف إيران من كل هذا؟

الزملاء في قسم المقابلات بالجزيرة نت تواصلوا مع المحلل السياسي الإيراني رضا غبيشاوي، الذي لخص الأمر من وجهة النظر الإيرانية مؤكدا أن المسؤولين في طهران لا يتعجلون التوصل إلى اتفاق، وهم يرحبون بانتهاء مهلة الستين يوما لأن ذلك يزيد الضغط على إدارة ترمب.

واستطرد غبيشاوي مشيرا إلى الوضع الحالي في مضيق هرمز الذي تغلقه إيران بشكل جزئي، فيما ردت واشنطن بحصار بحري يستهدف السفن المرتبطة بإيران، ومعتبرا أنه ينطوي على ضغط متبادل وكل طرف يختبر صبر الآخر، وبالتالي فإن الضغوط الداخلية على إدارة ترمب تصب في مصلحة إيران.

يبقى أخيرا ما أشار إليه موقع أكسيوس الإخباري الأمريكي اليوم مما وصفه بـ"مخاوف أمريكية من صراع مجمد مع إيران بلا حرب أو اتفاق".

واعتبر الموقع أن احتمال انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا يبدو وشيكا، وأن ثمة مخاوف من انزلاق الولايات المتحدة إلى حالة "صراع مجمد" لا حرب فيها ولا اتفاق، مشيرا إلى أن الحرب دخلت مرحلة تشبه إلى حد كبير "حقبة الحرب الباردة".

ونقل أكسيوس عن مسؤولين أن دخول الولايات المتحدة في مثل هذا الوضع قبل نحو 6 أشهر من الانتخابات النصفية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، قد يمثل أسوأ سيناريو سياسي واقتصادي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا