آخر الأخبار

من ديغول إلى ماكرون.. لماذا ترفض فرنسا الخضوع لأمريكا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"سمعت باريس تشكو زهو فاتحها
هلَّا تذكَّرتِ يا باريس شكوانا؟
والخيل في المسجد المحزون جائلة
على المُصلِّين أشياخا وفتيانا"

بواسطة (الشاعر السوري بدوي الجبل - 1940)

كتب الأبيات الشعرية أعلاه الشاعر السوري بدوي الجبل، عندما تمكن النازيون من احتلال باريس عام 1940، ووقف أدولف هتلر أمام برج إيفل مَزهُوًّا بكسر كبرياء فرنسا، عدو ألمانيا القديم. في تلك الفترة كانت فرنسا تسوم الدول العربية والأفريقية التي تحتلها سوء العذاب، حتى وجدت نفسها تذوق من الكأس نفسه، فشَكَت زَهوَ فاتحها، واستغاثت بمن يعيد لباريس برجها الذي بنته من حديد الجزائر المنهوب.

في 6 يونيو/حزيران 1944، وانطلاقا من بريطانيا، بدأت أكبر عملية إنزال بحري وجوي في التاريخ العسكري بمنطقة نورماندي شمال غربي فرنسا بهدف فتح جبهة جديدة ضد ألمانيا النازية. ومكَّن إنزال نورماندي في الأخير من إقامة جسر إمداد عسكري في الغرب الفرنسي مهَّد الطريق لتحرير فرنسا وبلجيكا وهولندا، ثم أتاح مواصلة الزحف إلى برلين.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بيتر ماجار.. خليفة أوربان الذي أغضب فوزه ترمب ونتنياهو
* list 2 of 2 الدين والسياسة في أمريكا.. ماذا لو كان الرئيس مسلما؟ end of list

كان على رأس "المحررين" جيش الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الجنرال آنذاك والرئيس الأمريكي لاحقا دوايت أيزنهاور. ويزهو الأمريكيون حتى اليوم بمشاركتهم في تحرير أوروبا من النازية، لكن حضورهم لم يكن مشرفا بالكُلية، بل شابته تجاوزات سرعان ما لطَّخت "سيرة التحرير". ففي 18 فبراير/شباط 1945، تلقت سيدة فرنسية تدعى لوسيان رسالة من مكتب القائد العام للجيش الثالث الأمريكي يُقدِّم فيها اعتذاره الصادق عمَّا تعرَّضت له لوسيان رفقة 3 نساء أخريات من اغتصاب على يد الجنديَّيْن الأمريكيَّيْن جون كوبر وجيه ويلسون، مُوضِّحا أن حكم الإعدام صدر ونُفِّذ في حق الجنديَّيْن بتهمة اغتصاب 4 نساء فرنسيات في سبتمبر/أيلول 1944، بعد 3 أشهر على عملية نورماندي.

"حقق القضاء الأمريكي في 68 واقعة اغتصاب تورط فيها جنود أمريكيون في فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية"

كان القضاء الأمريكي قد حقَّق 68 واقعة مماثلة جَرَت في فرنسا، وأصدر فيها أحكاما بالفعل، وهي حكايات هزَّت صورة الجيش الأمريكي، الذي اقترف بعض من رجاله فظائع أثناء تحرير أوروبا في الحرب العالمية الثانية، بفعل تأثير نقص الكحول والجنس على عدد من الجنود الأمريكيين، الذين استقبلوا في شوارع فرنسا استقبال الفاتحين.

مصدر الصورة جنود أميركيون في قرية قرب فييرفيل-سور-مير في إقليم نورماندي عام 1944 (شترستوك)

لم يكن الإحباط والحرمان وحدهما ما دفعا الجنود الأمريكيين لاستغلال عشرات النساء الفرنسيات جنسيا، بل الشعور بالاستحقاق والتفوُّق العسكري أمام شعب منكسر بسبب الاحتلال النازي. وقد مرَّت سنوات طويلة على ما حدث، لكن التصوُّر النمطي عن أوروبا المعوزة إلى الجيش الأمريكي لم يتغيَّر. وقد أتى صعود دونالد ترمب كاشفا عن هذه النظرة الأمريكية من دون غطاء من الدبلوماسية المنمقة.

إعلان

قبل أسابيع، تساءل الرئيس الأمريكي في خضم الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط: "لماذا يجب أن نكون هناك من أجلهم (أي الأوروبيين) إذا لم يكونوا هناك من أجلنا؟"، مُعقِّبا على عدم انخراط الأوروبيين الكافي في حربه غير المحسوبة على إيران. وقد وجَّه ترمب انتقاداته بالأخص إلى بريطانيا وفرنسا، الحليفَيْن التقليديَّيْن لواشنطن، إذ رفضت باريس السماح بمرور الطائرات العسكرية الأمريكية في مجالها الجوي خلال الحرب الحالية، مما أغضب ترمب.

أثار غضب الرئيس الأمريكي استغراب الفرنسيين، إذ إن موقفهم أتى متسقا مع معظم مواقفهم التاريخية تجاه الشرق الأوسط، ومع موقفهم الدبلوماسي منذ بداية التحرك العسكري الأمريكي الإسرائيلي. كما أن ما يرونه واجبهم العسكري تجاه حلفائهم دفعهم للمشاركة بالفعل وإن بدرجة أقل مما أراده ترمب. فقد أرسلت باريس حاملة طائرات إلى قبرص، واعترضت صواريخ فوق تركيا في إطار دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي تقود تحالفا دبلوماسيا لمحاولة فتح مضيق هرمز سلميا. بيد أن أيا من هذا لم يكُن كافيا كي يُرضي غرور الإدارة الأمريكية.

عداء قديم

يصعُب توصيف العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة. فهي تحالف حقيقي على كثير من الأصعدة لا شك، لكنها لا تخلو من عداوة بوجه من الوجوه نتيجة التنافس الثقافي في مناطق عديدة بين الثقافة الفرنكوفونية والأنغلو-أمريكية، فيما يبدو أنه اجتماع للشيء ونقيضه في الآن ذاته.

تكمُن الإشكالية الأبرز منذ الستينيات في تعريف طبيعة التحالف نفسه، إذ ترى واشنطن نفسها فوق جميع حلفائها بحُكم تفوُّقها العسكري والتقني الحاسم، في حين ترى فرنسا لنفسها دورا مركزيا في قلب أوروبا لا تُضاهيه بريطانيا الأكثر عُزلة عن أوروبا، ولا ألمانيا صاحبة التاريخ المضطرب فيما يتعلَّق بقيادة القارة.

"فرنسا لطالما اعتقدت أن ثمَّة استحقاق تاريخي يمنحها صلاحية الوقوف ندا للولايات المتحدة"

لم تر باريس نفسها سواء كدولة أو كممثل افتراضي لأوروبا حليفا أصغر للولايات المتحدة، بل كُتلة قائمة بذاتها تتحالف بشروطها، وهي شروط لم يفهم كثيرون لماذا تعتقد باريس أنها تستطيع أن تُمليها وهي لا تملك القوة الكافية، بيد أن فرنسا لطالما اعتقدت أنه ثمَّة استحقاق تاريخي يمنحها هذه الصالحية، ولذا وقفت باستمرار في تحد مع النظرة الأمريكية لها ولأوروبا.

كان الوجه الأشهر الذي جسَّد هذا التحدي، هو مؤسس الجمهورية الخامسة التي تحكم فرنسا حتى الآن، والرجل الذي لازال مريدوه يسبحون بحمد عظمة فرنسا في عهده، ألا وهو شارل ديغول. في 31 مايو/أيار 1961، كان الجنرال ديغول ينتظر في المطار وصول صديقه، الرئيس الأمريكي جون كينيدي. قبل وصول كينيدي بوقت غير قصير، كانت الاستخبارات تُزوِّده بالتفاصيل عن ديغول.

في إحدى الوثائق التي رُفِعَت عنها السرية من طرف الاستخبارات الأمريكية، أتت كينيدي معلومة عن أن ديغول يعمل أيام عمل قصيرة (بمعايير دوره كرئيس) تبدأ الثامنة والنصف صباحا وتنتهي السابعة مساء، وأنه لا يجيب عن الهاتف بعد الثامنة إلا للضرورة القصوى، كما أنه كان قد هجر قراءة الروايات منذ مدة وبدأ يُركِّز على قراءة الكتب البحثية المُعمَّقة، خصوصا تلك المتعلقة بالقوى النووية.

مصدر الصورة الجنرال شارل ديغول (يسار) والرئيس جون إف كينيدي عند وصوله إلى مطار أورلي بفرنسا في 31 مايو/أيار 1961 (شترستوك)

أثار ديغول إعجاب كينيدي، ومن ثمَّ اختار أن تكون باريس أول وِجهة يسافر إليها، لا سيَّما والحرب الباردة في أحد منعطفاتها القاسية في ظل سباق عسكري ونووي وفضائي بين واشنطن وموسكو. وقد ناقش ديغول وكينيدي مجموعة نقاط من بينها المفاوضات مع الاتحاد السوفيتي، ثم المشروع النووي الفرنسي.

"تفهَّمت أمريكا رغبة فرنسا المُلِحَّة في الحصول على سلاحها النووي الخاص، بيد أن هذا التفهُّم لم يمنع الأمريكيين من مراقبة الفرنسيين"

لم يكن الأمريكيون متحمسين لحصول فرنسا على القنبلة النووية، لكن ديغول كان مُتمِّسكا بها وقد عَلِم ديغول أن المصالح الأمريكية هي الشيء الوحيد المُقدَّس عند الأمريكيين، ولذا شدَّد أمام كينيدي على إخلاصه للشراكة الأطلسية وللتحالف بين بلاده وبقية دول أوروبا. تفهَّمت أمريكا رغبة فرنسا المُلِحَّة في الحصول على سلاحها النووي الخاص، بيد أن هذا التفهُّم لم يمنع الأمريكيين من مراقبة الفرنسيين، حيث نصبت الاستخبارات الأمريكية قاعدة سرية لمراقبة المشروع النووي الفرنسي، والذي استغلَّت باريس صحراء الجزائر للتخلُّص من سمومه.

إعلان

كانت مالي والنيجر مُرشحتيْن لاستضافة هذه القاعدة الأمريكية السرية، بيد أن الأمريكيين قرروا في النهاية اختيار ليبيا. وقد وصل صدى الخلافات في وجهات النظر بين ديغول وكينيدي إلى السوفيات، بعد أن قرَّرت موسكو بناء سور بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية. لم يكن الرئيس الأمريكي يرغب في أي تصعيد ضد السوفييت لأنه كان يعلم أن أي إشكال ولو صغير كان يعني حرب عالمية ثالثة، وربما نووية. بيد أن ديغول كان له رأي آخر، إذ لم يُرِد تقاسم برلين مع السوفييت.

كان ديغول مُزعِجا بشدة في نظر الأمريكيين، لا سيَّما عندما صدَّر نفسه على أنه "إمبراطور أوروبا"، كما فعل في ألمانيا في يونيو/حزيران 1962، وألقى كلمة باللغة الألمانية. كما أن مواقفه من بريطانيا كانت مزعجة، وهي الحليف الأهم لواشنطن منذ الحرب العالمية الأولى، فقد رفض ديغول دخول البريطانيين السوق الأوروبية المشتركة لأنه اعتبر لندن حصان طروادة لسيطرة أمريكية على أوروبا. وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963، انتهت الخلافات بين ديغول وكينيدي باغتيال الأخير، وحضر ديغول الجنازة، مُرتديا زيَّه العسكري، ولم يلتق كينيدي مرة أخرى منذ زيارة الأخير إلى باريس عام 1961.

بعد كينيدي أتى ليندون جونسون، الذي كنَّ كراهية شديدة للجنرال الفرنسي، حتى أنه شبَّه "محبته" له ساخرا بمحبته للزعيم الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ، الذي وقف على النقيض مع واشنطن في شرق آسيا. في فترة جونسون شدَّت الاستخبارات الأمريكية الخناق على خطوات ديغول، حتى أنها تحصلت على خطاب كان سيلقيه في المكسيك أثناء زيارته في مارس/آذار 1964 قبل أن يلقيه ديغول بأيام.

"كره جونسون شارل ديغول، لدرجة أنه شبَّه محبته له ساخرا بمحبته للزعيم الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ خصم أمريكا في آسيا"

أفادت التسريبات القادمة من فرنسا للاستخبارات الأمريكية بأن هناك محاولة من طرف ديغول للاقتراب من أمريكا اللاتينية، التي طالما كانت خاضعة لأولويات السياسة الخارجية الأمريكية. كما أن الجنرال الفرنسي كان يرغب في الخروج من القيادة العسكرية المشتركة لحلف شمال الأطلسي عام 1966، رغم أن الرئيس الفرنسي أعلن بعد ظهور الشائعات بأنه سيقدم على الخطوة عام 1969.

في النهاية، خرجت فرنسا من القيادة العسكرية المشتركة لحلف شمال الأطلسي عام 1966 كما قالت التسريبات، وانقسم البيت الأبيض إلى رأيين؛ الأول يقول باتخاذ موقف حازم تجاه فرنسا، وثانٍ يقول بأنه من الأفضل عدم الانخراط في مواجهة باريس. وقد اتفق جونسون مع الفريق الثاني، ولذا تحرَّكت واشنطن وفقا لسردية مفادها أن باريس من خانت الحلف لا واشنطن. وقد تركت واشنطن فرنسا تتفاعل مع الدول الغربية ومع الولايات المتحدة وفقا للشروط التي ارتضتها باريس، حتى قرَّرت باريس من تلقاء نفسها العودة للقيادة العسكرية المشتركة للناتو عام 2009 في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي.

ماكرون يحمل راية النار

بعد إعلان الولايات المتحدة هجومها المُنسَّق مع إسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وجدت فرنسا نفسها في موقف صعب. فهي مضطرة للتفاعل مع صراع لم تُشعله ولم يكن من مصلحته إشعاله، ولذا جاء الرد الرسمي من باريس غامضا ودبلوماسيا، إذ هاجمت إيران لكنها انتقدت غياب أساس قانوني واضح للحرب، لكن هذا الانتقاد لم يصل إلى حد إدانة واشنطن وتل أبيب صراحة، فقد أصرَّ الإليزيه على أن الخطيئة الأولى من نصيب طهران.

"أدان ماكرون غياب أسس قانونية لحرب إيران، لكنه أصر على أن الخطيئة الأولى من نصيب طهران"

في البداية، قال ماكرون إن بلاده لم تُبلَّغ بالضربات قبل تنفيذها ولم تنخرط فيها، في انتقاد مُبطَّن للنزعة الأحادية عند ترمب. وبسبب الحرب ثم صواريخ إيران، اضطُرت الحكومة الفرنسية إلى إجلاء نحو 20 ألف مواطن فرنسي كانوا يسعون لمغادرة الشرق الأوسط، في الوقت الذي كان فيه نحو 400 ألف فرنسي يقيمون في دول بالمنطقة أو يزورونها لحظة اندلاع الحرب.

إعلان

لا تخدم الحرب المصالح السياسية الفرنسية، حيث أن اندلاع حرب أحادية في الشرق الأوسط يُقوِّض دور المؤسسات الدولية في إضفاء الشرعية على الحروب، ويُضعِف من قوة الحلول الدبلوماسية التي تفضلها فرنسا، كما أن الوضع الآن في المنطقة يصرف الأنظار عن أوكرانيا، قضية فرنسا الأولى منذ عام 2022، ما يُعَد مفيدا لروسيا سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وهو ما حدث بالفعل عندما منحت الولايات المتحدة روسيا تعليقا مؤقتا لمدة شهر للعقوبات على تصدير النفط، قبل أن تجدده لشهر آخر.

أتت توجُّهات إيمانويل ماكرون اتساقا مع حاجة فرنسا وطموحها للعب دوري قيادي أمني في أوروبا. فقد أضحت القارة العجوز عبئا على واشنطن، وتحاول باريس في هذا السياق لعب دور يجمع قوى الأوروبيين لتأسيس كيان موحد، قادر على مواجهة التحديات الكبرى القادمة ولو بعد حين. وليس أدل على ذلك مما حدث بعد تعرُّض القاعدة العسكرية البريطانية في قبرص لهجوم مزعوم بمُسيَّرة إيرانية، إذ كان الرئيس الفرنسي، وليس رئيس الوزراء البريطاني، هو من زار الجزيرة وتعهَّد بحمايتها.

"حين تعرضت القاعدة العسكرية البريطانية في قبرص لهجوم إيراني مزعوم، كان الرئيس الفرنسي، وليس رئيس الوزراء البريطاني، هو من زار الجزيرة وتعهَّد بحمايتها"

إلى جانب هذا الخطاب والانتشار البحري للقوات الفرنسية، أعلنت باريس عن انضمامها عضوا مُشاركا في إعادة تشكيل المنطقة من منطلق "دفاعي" لا "هجومي". فإن كانت لم تقرر الضربة الأولى، ولم تقبل المشاركة مع إسرائيل وأمريكا في حربهما على إيران، إلا أنها تعهدت بمساعدة "الأصدقاء والحلفاء في المنطقة"، لحماية أمنهم ووحدة ترابهم بهدف "استعادة السلام" في أسرع وقت ممكن.

في الشرق الأوسط، نَسَجت فرنسا علاقات وثيقة مع العديد من دول المنطقة، ففي عام 1995 وقَّعت باريس اتفاقية تعاون دفاعي مع الأردن، ثم مع الإمارات العربية المتحدة والكويت (2009) ثم مع العراق (2013) ثم مع قبرص (2017) وأخيرا مع قطر (2019). وتتقاسم هذه الاتفاقيات الفلسفة والأهداف ذاتها، عبر التعاون الدفاعي بين فرنسا وشركائها، وتنظيم تدريبات للقوات المحلية وإبرام المناورات العسكرية، وتوريد الأسلحة والاحتياجات الدفاعية رغم أن معظم هذه الاتفاقات لا تلزم باريس بتقديم المساعدة للحلفاء حال تعرضهم لتحديات أمنية.

بعيدا عن إيران والشرق الأوسط، ترسم باريس ملامح سياسة نووية خاصة أيضا. لسنوات، كانت فرنسا وأوروبا تحاولان أخذ مسافة من المشاريع النووية، خصوصا بعد كارثة فوكوشيما النووية في اليابان عام 2011. ولكن في مارس/آذار الماضي، وأثناء زيارته لموقع بناء مفاعليْن في محطة بينلي النووية بفرنسا، أكَّد ماكرون أن السياسة الأوروبية تسير نحو التغيير في هذا الملف، وأنه لا يمكن كسب معركة المناخ والتنافسية والسيادة دون الطاقة النووية: "قبل عامين أو ثلاثة فقط، كان يُقال لنا في أوروبا إن الطاقة النووية أمر غير جيد.. لقد بنينا توافقا، وأوروبا باتت تتبعه وتؤمن به".

"بعيدا عن إيران والشرق الأوسط، ترسم باريس ملامح سياسة نووية خاصة أيضا"

في هذه الزيارة ترأس ماكرون الاجتماع الخامس لمجلس السياسة النووية منذ عام 2022، وهو المجلس المسؤول عن تحديد التوجهات الكبرى لبرنامج إحياء الطاقة النووية المدنية في فرنسا، حيث يتضمن البرنامج بناء ما لا يقل عن 6 مفاعلات نووية جديدة، وهو ما يعتبره ماكرون مشروع القرن الذي سيتركه الجيل الحالي من الفرنسيين لأبنائهم، كما فعل الجيل السابق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

مصدر الصورة حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول قبالة سواحل تولون جنوب فرنسا (الفرنسية)

بينما تواصلت الاستعراضات الفرنسية، كشف ماكرون عن اسم حاملة الطائرات الفرنسية المستقبلية التي ستخلف حاملة الطائرات "شارل ديغول" عام 2038، باسم "فرنسا الحرة" لتكون الحاملة الجديدة رمزا للمقاومة والروح الفرنسية التي جسدها ديغول، كما يقول الرئيس الفرنسي. ويقول ماكرون عن المشروع: "بالنسبة له (أي ديغول) ولنا، فإن الروح الفرنسية هي روحٌ مُقاومة. إنها إرادة لا يوقفها شيء، إرادة الصمود من أجل البقاء أحرارا.. إرادة يمكنها، مثل حاملة طائراتنا، أن تجوب البحار حتى تحقيق النصر".

أتى خطاب الرئيس الفرنسي واضحا بلا حاجة إلى ترجمة، قائلا إنه ولكي يظل الفرنسيون أحرارا، يجب أن يكونوا مُهابين، ولكي يكونوا مُهابين، يجب أن يكونوا أقوياء، وفي ظل الأوضاع الحالية التي يعيشها العالم، وفي إطار العلاقات الأمريكية الأوروبية المتوترة، لا شك أن كل كلمة خرجت من ماكرون سُجِّلَت بعناية في واشنطن.

إعلان

يبلغ طول الحاملة الجديدة حوالي 300 متر وتزن 80 ألف طن، وستُزوَّد بمفاعلين نوويين، وتبلغ كلفتها أكثر من 10 مليارات يورو (نحو 10.8 مليارات دولار). وترى باريس في حاملة طائراتها الجديدة رمزا حقيقيا لاستقلاليتها، ورغم أن نظام المنجنيق الكهرومغناطيسي يعتمد على تكنولوجيا شركة "جنرال أتوميكس" الأمريكية، ما قد يشكل نقطة ضعف في المشروع الفرنسي، فإن ماكرون يؤكد وجود حلول بديلة.

مصدر الصورة ماكرون يلقي كلمة في موقع مجموعة نافال في نانت-إندريه حيث تُبنى حاملة الطائرات الفرنسية الجديدة (PA-NG) التي ستخلف شارل ديغول، 18 مارس/آذار 2026 (شترستوك)

لا طاقة لنا بجنون ترمب

يمكن لهذا السلوك الفرنسي المستقل من عهد ديغول إلى زمان ماكرون، أن يفسر سر العلاقات المضطربة دوما بين باريس وواشنطن والتي تتجلى في عهد رئيس مثل ترمب في هجوم علني مستمر على شخص ماكرون وسخرية من حياته خاصة. لكنه لا يفسر سياسات باريس الحالية في الشرق الأوسط التي تتميز بقدر لا بأس به من التردد وانعدام الكفاءة، وتلك معضلة فرنسا الأبرز في العقدين الأخيرين: ذلك "البون" الهائل بين طموحاتها ورؤيتها النظرية وبين قدراتها وسلوكها العملي.

في 13 مارس/آذار الماضي، أعلنت فرنسا مقتل الضابط أرنو فريون، البالغ من العمر 42 عاما، في غارة جوية بمُسيَّرة على قاعدة مُلَّا قره الكردية قرب أربيل، وجاء هذا الحادث ليعيد طرح الأسئلة حول موقع فرنسا مما دار ويدور في شرق أوسط مشتعل، ومدى انخراط باريس العسكري فيه. ويقول فريدريك إنسيل، باحث في الجغرافيا السياسية، إن إيران ترى أن فرنسا لم تكُن محايدة تماما في الصراع الإيراني الأمريكي، حيث شاركت في تزويد الطائرات الأمريكية بالوقود، كما يعتقد أنها شاركت في الصواريخ الإيرانية المُتجهة نحو إسرائيل عامي 2024 و2025.

"يتخوَّف الفرنسيون من أن تذهب إيران في مواجهاتها المقبلة مع الولايات المتحدة الى أبعد من الوضع الحالي، مستهدفة حلفاء أمريكيين أبعد ومنهم فرنسا"

يتخوَّف الفرنسيون من أن تذهب إيران في مواجهاتها المقبلة مع الولايات المتحدة الى أبعد من الوضع الحالي، مستهدفة حلفاء أمريكيين أبعد ومنهم فرنسا. ففي العراق مثلا، تحركت الجماعات الموالية لإيران في أكثر مرة لاستهداف مصالح بعض الدول الحليفة، بما في ذلك القوات الفرنسية المنتشرة في إطار مكافحة بقايا تنظيم الدولة.

يُكرر ماكرون كثيرا أن بلاده ليست في حالة حرب مع أي دولة، معتبرا أن دورها في الشرق الأوسط دفاعي بحت، ومُهاجِما استهداف قوات بلاده. ولكن ماكرون يدرك جيدا أن بلاده تقع تحت المجهر الإيراني، نتيجة وجودها في المنطقة وانخراطها المستمر في التحالف الغربي، ولو بصورة غير مُرضية لترمب نفسه. لم تنضم باريس إلى العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، إذ ليس هناك مبرر لهذا الانضمام، فهي ليست متفقة مع أي هدف من أهداف ترمب، كما أنها لا ترغب في تحويل الغضب الإيراني نحوها، بل يكفيها الفاتورة الاقتصادية لحرب لم تُستشر فيها رُغم مكانتها، المضطربة في الحقيقة، في التحالف الغربي.

في مصعد بإحدى البنايات السكنية، سألتني مواطنة فرنسية بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب عن توقُّعي لتوقفها. يظن الناس أن الصحفيين يعرفون كل شيء، حتى ما يدور في رأس ترمب، أجبت بتأكيد عدم معرفتي، لكنني تفهمت جيدا قلقها، فقد سافرت ابنتها إلى الخليج. أما هي، فمثلها مثل العديد من المواطنين الفرنسيين، نظروا إلى أسعار كل شيء وهي ترتفع بسبب الحرب وبسبب مضيق هرمز، الذي بات يُذكَر في فرنسا أكثر من أي معلم أثري فيها.

لقد ضاق العالم الذي بات منذ عقود طويلة قرية صغيرة، فكل صاروخ يخرج من طهران يُسمَع صداه في باريس وليون ومرسيليا وبوردو، ودون أن يضرب أيا من هذه المدن مباشرة، فإنه يؤلم أهلها أيَّما إيلام. وبينما ترى فرنسا العالم يشتعل من حولها، وترى ترمب لا يختص خصومه بالنيران، بل وينال من حلفائه كذلك، تحاول باريس أن تحافظ بعض التوازن والاستقلالية الديغولية دون الانسياق إلى عالم الأراضي المحروقة. وإن كانت واشنطن وتل أبيب ينتظران عودة المسيح، ففرنسا لا ترى سوى مصالحها، وهي الغارقة حتى الثمالة في علمانيتها العتيقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا