ليس بالصواريخ والمقاتلات وحدها، تخوض الولايات المتحدة ومعها إسرائيل حربهما على إيران، بل أيضا بالروايات المتضاربة التي يحاول كل طرف الإيهام بأن النصر بات وشيكا إن لم يكن قد تحقق أصلا في نظر بعض الأطراف.
بيد أن اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع، مع دخول الحرب شهرها الثاني، يكشف عن مسار أكثر تعقيدا وخطورة، حيث تتبدد أوهام الحسم السريع لصالح صراع يتسم بالاستنزاف والتصعيد المنفلت.
هذا الانفلات تناولته مجلتا نيوزويك وفورين بوليسي الأمريكيتان بالتحليل من زاويتين مختلفتين.
في مقال نيوزويك، أشارت هيئة تحرير المجلة إلى أن طرفي الحرب واقعان تحت تأثير ما تسميه "الكوبيوم" (copium) الذي يصنعه لنفسه.
والكوبيوم -وفق تعريف المجلة- مصطلح رائج على الإنترنت يمزج بين كلمتي "التكيف" (Cope) و"الأفيون" (Opium)، وهو كناية عن تلك السرديات التي يخدع بها الناس أنفسهم لتبرير الوقائع الصعبة أو إنكارها.
ويلفت المقال إلى أن هناك الكثير من هذه السرديات في الشرق الأوسط حاليا، إذ "تروِّج كل من طهران وواشنطن لنسختها المريحة من الواقع، من الدعاية الإيرانية الرديئة المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، إلى فيديوهات البيت الأبيض التي تصوّر الحرب كأنها لعبة إلكترونية، حيث ينسج كل طرف قصة مجد وانتصار خاصة به".
طبقا لنيوزويك، تعتمد الدعاية الرسمية والتي يتبناها أنصار النظام على إنتاج محتوى رقمي واسع، كثير منه مولَّد بالذكاء الاصطناعي، يصوّر إيران بوصفها الطرف المنتصر.
وتُظهر هذه المواد مشاهد ساخرة أو مستوحاة من الثقافة الشعبية، تُقدَّم فيها شخصيات قيادية مثل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في هيئة المنتصر الذي يتحكم بمضيق هرمز أو يُهين خصومه الأمريكيين.
غير أن هذه الصورة -بحسب المقال- "خيالية بالكامل"، إذ تواجه إيران واقعا مغايرا يتمثل في خسائر عسكرية كبيرة وتراجع قدراتها الهجومية.
وتعتبر هيئة تحرير المجلة أن مقتل خامنئي في الضربة الافتتاحية للحرب شكّل نقطة تحول رمزية وعملية، فيما يواجه خليفته ونجله مجتبى خامنئي تحديات في تثبيت سلطته.
كما تكبدت البنية العسكرية الإيرانية أضرارا واسعة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضمن عملية "الغضب الملحمي"، شملت مراكز قيادة وقواعد جوية ومنشآت بحرية.
وفي حين لا تزال طهران قادرة على إزعاج الملاحة في مضيق هرمز عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ، فإن قدرتها على التحكم الكامل بالممر الحيوي تبقى محدودة، بحسب نيوزويك.
لا يقتصر انتقاد هيئة تحرير نيوزويك على طهران وحدها، فقد رأت أن البيت الأبيض في واشنطن يتعاطى، بدوره، نسخته الخاصة من "الكوبيوم".
فمنذ البداية، روّجت إدارة الرئيس دونالد ترمب لفكرة أن الحرب ستكون "سريعة وحاسمة" ولن تستغرق سوى أسابيع قليلة. وقد تمسّك ترمب بقوة بهذه الرواية، وظل يصرح مرارا وتكرارا بأن الصراع قد انتهى عمليا.
غير أن الجداول الزمنية ما فتئت تتغيّر. وبعد مرور شهر، أصبحت عبارة "بضعة أسابيع" لازمة متكررة، فيما لا تزال نهاية الحرب غير واضحة.
ومع ذلك، نشرت الحسابات الرسمية للإدارة مقاطع فيديو مصقولة تمزج بين لقطات حقيقية للضربات التي تنفذها المعدات العسكرية الأمريكية، وبين مقاطع فيديو قصيرة، أو نصوص مركبة طريفة وساخرة (ميمات) وإشارات إلى الثقافة الشعبية، بما في ذلك ألعاب الفيديو والأفلام الشهيرة.
حتى القيادة المركزية الأمريكية احتفت بوصولها إلى "الهدف رقم 10 آلاف" في إيران، كما لو أن الحرب تُدار بنظام نقاط، كما تشير نيوزويك بلهجة ساخرة.
وحذر المقال من الخلط بين النجاحات التكتيكية والإنجازات الإستراتيجية، مؤكدا أن "الأرقام الكبيرة لا تعني بالضرورة انتصارا إستراتيجيا"، في ظل استمرار النظام الإيراني وتزايد كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا داخل الولايات المتحدة.
فقد أظهر استطلاع حديث أن 59% من الأمريكيين يرون أن الولايات المتحدة تمضي في مسار تصعيدي، بينما يتردد الحلفاء في الانخراط في الحرب وتتصاعد المخاوف من ارتفاع أسعار الوقود ومعدلات التضخم.
كما بدأت أصوات داخل الحزب الجمهوري نفسه تطالب بتوضيح إستراتيجية الخروج، حيث قال عضو مجلس النواب مايك روجرز: "أردنا فقط أن يخبرونا ما هي الخطة، ولم نحصل على إجابات".
أما مجلة فورين بوليسي، فقدمت قراءة تحليلية أعمق لمسار الصراع، معتبرة أن الحرب "خرجت بالفعل عن سيطرة صُنّاعها".
ويرى الخبيران روبرت بيب مدير مشروع شيكاغو للأمن والتهديدات، وعلي واعظ مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، في مقالهما التحليلي المشترك، أن أحد أبرز أخطاء التقدير يتمثل في الاعتقاد بإمكانية "ضبط التصعيد"، واعتبرا ذلك وهما شائعا لدى القادة الذين يظنون أن بإمكانهم استخدام القوة بشكل محدود دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
ويشير التحليل إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل إنجازات عسكرية مهمة، من بينها استهداف قيادات إيرانية وتقليص قدرات الصواريخ والأسطول البحري.
لكن في المقابل بحسب المقال، نجحت إيران في الحفاظ على وتيرة منتظمة من الهجمات عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع التركيز على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، مما أدى إلى تقليص حركة الشحن بشكل ملحوظ.
ويرى الكاتبان أن طهران لا تسعى إلى الانتصار العسكري التقليدي، بل إلى "تحويل الحرب من صراع قوة نارية إلى صراع استنزاف"، عبر رفع كلفة العمليات على خصومها واستهداف نقاط الضعف مثل أنظمة الدفاع الجوي وسلاسل الإمداد.
يضيف المقال أن توسيع نطاق الهجمات ليشمل ممرات بحرية أخرى، مثل باب المندب عبر حلفاء إيران في اليمن، قد يحوّل النزاع إلى مواجهة على "عُقد التجارة العالمية".
ويحذر التحليل من أن النجاحات العسكرية الأولية قد تعزز "وهم السيطرة"، مما يدفع إلى مزيد من التصعيد. وفي هذا السياق، يُنظر إلى احتمال نشر قوات برية أمريكية داخل إيران -بما في ذلك السيطرة على جزر أو منشآت إستراتيجية- بوصفه خطوة قد تُدخل الصراع في "فخ التصعيد"، حيث تتغير طبيعة الحرب بشكل جذري.
كما يشير إلى أن الضربات الخارجية قد تعزز التماسك الداخلي للنظام الإيراني بدلا من إضعافه، إذ "تميل المجتمعات تحت القصف إلى الالتفاف حول حكوماتها"، وهو ما قد يُعيد تشكيل المزاج الشعبي داخل إيران لصالح النزعة القومية.
في المجمل، حاولت نيوزويك وفورين بوليسي في مقالين تشخيص المشهد في الشرق الأوسط باعتباره أعمق من مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة إدراك.
فبينما تتمسك طهران برواية نصرٍ غير واقعية، وتواصل واشنطن الحديث عن اقتراب الحسم، ينزلق الصراع نحو مرحلة أكثر خطورة، تتسم بتصاعد التكاليف، وتراجع فرص الحل الدبلوماسي، واتساع رقعة المواجهة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة