أصدرت 6 دول عربية، الأربعاء، بيانا مشتركا يدين بأشد العبارات الهجمات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من الأراضي العراقية على منشآت وبنية تحتية في دول الخليج، معتبرة إياها انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية وللقانون الدولي، وخرقًا واضحًا لقرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي يلزم إيران بوقف أي اعتداء على دول الجوار فورًا.
وحملت الكويت والإمارات والبحرين والسعودية وقطر والأردن في بيانها الحكومة العراقية مسؤولية اتخاذ الإجراءات اللازمة فورًا لوقف هجمات الفصائل من أراضيها، مع تأكيد حقها الكامل في الدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي قراءتهم للمشهد، قال محللون -في مقابلات مع الجزيرة نت- إن هذا البيان يكشف عن انتقال نوعي في طبيعة التهديد الذي تواجهه دول الخليج، إذ لم تعد الضربات تأتي مباشرة من إيران، بل باتت تُنفذ عبر فصائل مسلحة داخل العراق، في محاولة طهران للالتفاف على القرارات الدولية وتجنب المسؤولية القانونية المباشرة، وهذا التحول لا يمثل تراجعًا إيرانيًا، بل إعادة هيكلة للصراع عبر أدوات أكثر مرونة وأقل تكلفة سياسية.
وأضاف المحللون أن استخدام الوكلاء يعكس إستراتيجية إيرانية محسوبة تهدف إلى توسيع دائرة الصراع دون تحمل الثمن السياسي المباشر، في حين يواجه العراق ضغطًا متزايدًا لضبط أراضيه، كما يؤكدون أن هذه الهجمات تستهدف اختبار صمود التماسك الخليجي، وإرهاق الدفاعات الجوية، ورفع التكاليف الاقتصادية، على أمل إحداث تصدع في الموقف الموحد.
ومنذ انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 تواجه المنطقة موجة تصعيد متعددة الجبهات، إذ تتعرض دول الخليج لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة، رغم أن إيران تؤكد عدم استهدافها دولا بعينها بل للقواعد الأمريكية على هذه الدول.
الفصائل المسلحة الموالية لإيران باتت تشكل جبهة ثانوية فاعلة في معادلة الصراع، ليس بالضرورة على المستوى العسكري الحاسم، لكن على مستوى الضغط النفسي والاقتصادي والاستنزاف اليومي.
ويكشف اللواء السابق في الجيش العراقي ماجد القيسي عن أن الفصائل المسلحة ضمن " المقاومة الإسلامية في العراق" نفذت ما بين 21 و31 عملية يوميًا بمسيّرات وصواريخ ضد ما تصفه بـ"قواعد أمريكية"، وتشمل أهدافا في دول الخليج والأردن، مسجلة أكثر من 454 عملية تراكمية منذ بدء الحرب. ورغم نجاح الدفاعات الخليجية في التصدي لأكثر هذه الهجمات، فإن القيسي يؤكد أن هذه الفصائل تشكل جبهة إسناد فعالة في الضغط النفسي والاقتصادي.
من جهته، يعتبر الوزير السابق والنائب في مجلس الأمة الكويتي الدكتور أحمد عبد المحسن المليفي أن استهداف دول الخليج من داخل العراق عبر الأذرع الإيرانية ليس أسلوبًا جديدًا على النظام الإيراني الذي يستخدمه دائمًا ليخفف الضغط عن نفسه. ويضيف المليفي أن هذه الإستراتيجية تعتمد على:
ويحذر المليفي من تطور هذا التصعيد إلى خطر بري حقيقي إذا حقق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديده بالدخول البري إلى إيران، موضحًا أن طهران قد تفتح جبهات عبر الحدود الكويتية والسعودية باستخدام الأذرع الموجودة في العراق، وكذلك الحوثيين عبر اليمن.
يمثل الانتقال من الضربات المباشرة إلى الهجمات عبر الوكلاء تحولا إستراتيجيا في إدارة مسارات الحرب، إذ لم تعد المواجهة ثنائية واضحة، بل باتت متشعبة عبر شبكة من الوكلاء الفاعلين. هذا التعقيد المتعمد يضع دول الخليج أمام معضلة: كيف الرد على تهديد يأتي من داخل دولة عربية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية؟
ولذلك يرى المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة الدكتور خالد الجابر أن الاستهداف من قبل الفصائل داخل العراق يمثل تغييرًا لقواعد الاشتباك.
ويوضح الجابر أن انتقال الضربات من الدولة إلى الوكلاء لا يعني تخفيفًا للتصعيد، بل تعقيدًا متعمدًا له، مشيرا إلى أن إيران لا تنسحب من المواجهة، بل تعيد توزيعها عبر أدوات أقل تكلفة سياسيا.
وفي تحليله لهذا النمط من التصعيد، يرى الجابر أنه يتصف بالتالي:
وقريب من هذا التحليل، يشير اللواء السابق في الجيش العراقي إلى أن استهداف البنى التحتية الحساسة كالمطارات ومنشآت الطاقة يمثل محاولة لاختبار تماسك المنطقة، بهدف إرهاق الدفاعات الجوية يوميا، ورفع التكاليف التشغيلية، وإثارة ضغط قد يؤدي إلى تصدع في الصف الخليجي.
وبسبب هجمات الفصائل المسلحة قد يجد العراق نفسه قد تحول إلى ساحة صراع لا يملك السيطرة الكاملة عليها، ويصبح أمام واقع يضع سيادته تحت اختبار قاسٍ؛ فوجود فصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة وتنفذ عمليات ضد دول الجوار يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى سيطرة بغداد على أراضيها.
ومن ثم، يشدد الوزير السابق في الكويت على أن هذا الوضع يكشف عن ضعف السيادة العراقية، موضحا أنه من الطبيعي لأي دولة فيها مليشيات مسلحة ألا تعد ذات سيادة كاملة. ويلفت المليفي إلى أن استمرار هذه الأفعال يضع العراق أمام مسؤوليته تجاه دول الخليج والعالم.
من جانبه، يوضح القيسي أن عمليات الفصائل تشكل إحراجًا للدولة العراقية على عدة مستويات:
ويشير إلى أن البيان السداسي رسالة واضحة تُحمّل بغداد المسؤولية، مما يضع العراق في موقف دفاعي. ويلفت إلى أن وزارة الخارجية العراقية أعلنت في 26 مارس/آذار الجاري رفض أي اعتداء على دول الخليج، لكن هذا الرد جاء متأخرًا، مما يعكس رد فعل على الإحراج بدلا من مبادرة وقائية.
أما المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بالدوحة فيرى أن العراق يتحول إلى منصة إطلاق في صراع لا يملك السيطرة عليه، مشيرا إلى أن المنطقة تشهد إعادة رسم للخريطة الأمنية، وهذا النمط يعمل في الظل ويترك الخصوم في حالة تردد دائم.
يعكس البيان السداسي قراءة دقيقة للمشهد، إذ يوازن بين إدانة الهجمات وتجنب الانجرار إلى تصعيد أوسع، وتعد اللغة المستخدمة محسوبة بدقة، وتحمل تحذيرا إستراتيجيا من دون إغلاق باب الحوار، حسب ما قاله المحللون.
ويفصل الجابر في قراءة البيان الصادر عن الدول الست، بأنه إعلان موقف محسوب، وأنه يوازن بين عدم الرغبة في التصعيد والاستعداد له إذا فُرض، ويشير إلى أن البيان يحمّل الفصائل المسؤولية ومع ذلك يربطها ضمنيا بإيران، ويضع العراق أمام مسؤولية مباشرة، مما يعني أن الصبر الخليجي ليس مفتوحا بلا سقف.
من جهته، يعتبر المليفي أن البيان جاء في وقته، ويحذر الحكومة العراقية من التهاون، ويشدد على أن البيان يعكس:
بدوره، يرى القيسي أن البيان يعكس وحدة موقف الدول الست، مع تأكيد أن "الأمن الخليجي غير قابل للتجزئة"، موضحا أنه تحذير إستراتيجي يهدف إلى احتواء التصعيد ويعكس نضجا دبلوماسيا، ويؤكد أن الدول الخليجية أظهرت تماسكا ملحوظا، فبدلا من الانقسام عززت التنسيق المشترك.
ويضع هذا الواقع العراق أمام معضلة السيادة، إذ تحول إلى منصة لعمليات تهدد الجوار، مما يشكل إحراجا دبلوماسيا عميقا، لكن يبقى السؤال: إلى متى يمكن لضبط النفس أن يصمد أمام ضغط متصاعد؟
ويتفق الخبراء -في تصريحاتهم للجزيرة نت- على أن الموقف الخليجي سيظل دفاعيًا، لكنهم يحذرون من أن كل هجوم يرفع كلفة الصبر، وقد يحوله من خيار قوة إلى مصدر ضعف، والرسالة واضحة: "أمن الخليج ثابت ولا يُختبر، والتعامل مع التهديدات يكون بعقلية الدولة، لكن الصبر ليس مفتوحا بلا سقف".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة