آخر الأخبار

من انهيار "السدّ" إلى "الخروج إلى البئر".. كيف تغيّرت الدراما السورية بعد سقوط الأسد؟

شارك

في أواسط كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تكن دمشق تستعيد حركتها فحسب، بل كانت تطوي صفحة كاملة من تاريخها. فبعد أيام من التحرير وما رافقه، أعادت العاصمة السورية ترتيب إيقاعها عقب تغيير أطاح بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وحرر البلاد من حكم عائلي دام نحو ستة عقود. لحظةٌ بدت فاصلة، لا في السياسة وحدها، بل في البنية الثقافية لبلدٍ شكّلت فيه الدراما أحد أبرز تجليات حضوره العربي.

ذلك الحدث لم يكن عابرا، فما قبله ليس كما بعده. وإذا كان التحوّل قد أطاح بسلطة متجذرة، فكان طبيعيا أن يمتد إلى واجهة البلاد الناعمة: الدراما التلفزيونية. فكيف كانت حالها قبل التحرير؟ وماذا تغيّر بعدها؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سليم البدري أيقونة "ليالي الحلمية".. شرير يعتذر فيربك مشاعرنا
* list 2 of 2 كيف شرّحت هوليود صراع أجنحة الحكم في الولايات المتحدة؟ end of list

نسأل فيأتينا الجواب سريعا على لسان الممثل ونقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، الذي يقول لـ "الجزيرة نت" إن "أصدق تشبيه لحال الدراما قبل التحرير وبعده أنها كانت تعاني من سدّ يحتجز كميات هائلة من المياه، ويسمح بعبور دفقات قليلة من الأفكار، يمارس عليها الانتقائية والفرز، ثم يترك لها الفرصة كي تمر. وما حصل أن التحرير تسبب في انهيار السد، فصار هناك انجراف هائل بالمياه النقية التي من شأنها أن تُخلّف الخصب والعطاء".

مصدر الصورة مازن الناطور نقيب الفنانين السوريين (الفرنسية)

واستدرك، "هذا لا يعني بالضرورة أنه صار لدينا كمّ كبير من الإنتاجات الدرامية، ولكن هناك تدفق غزير للأفكار ضمن مساحات شاسعة من الأرضيات الخصبة، من دون رقابة سياسية صارمة، بل وفق حدود معينة من شأنها منع لغة التحريض أو التشفي أو الإضرار بالسلم الأهلي. لكن هذا التدفق، إن لم يتم ضبطه وترشيده، سيخلّف ضررا حتما".

كيف أثر اندلاع الثورة على الدراما السورية؟

لكن إن كان لا بد من تشريح التغيّر الذي شهدته الدراما، فإن الأمر يقودنا إلى مرحلة ما بعد اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011. حينها جرّبت بعض الجهات الإنتاجية لعب دور "تهدئة"، وإنجاز "مصالحة درامية" كان يُراد منها تخفيف الاحتقان وإيصال الأمور إلى برّ الأمان. لكن مع تفاقم الأوضاع وإمعان نظام الأسد في الإجرام، نأى هؤلاء بأنفسهم، فيما اختارت بعض الجهات الإنتاجية الابتعاد الكلي عن السياسة، ما أدى إلى شحّ في إنتاج الأعمال التي تعكس معاناة السوريين.

إعلان

في المقابل، سعت أجهزة النظام المخلوع لإنتاج مسلسلات داخل البلاد تُجرّب تصدير صورة غير واقعية عن الحياة في دمشق، وأنفق مبالغ ضخمة على مسلسلات لم تحظَ بمشاهدات تُذكر، مثل مسلسل "لأنها بلادي"، ومسلسل "تحت سماء الوطن"، والمسلسل الكوميدي "كونتاك"، بالإضافة إلى بعض لوحات من مسلسل "بقعة ضوء" الشهير، والكثير من الخطوط الدرامية في أعمال اجتماعية كانت تصدّر رواية النظام بتصديه لـ"الإرهاب" وبطولة ضباطه، كما حصل في شخصية محمد الأحمد في مسلسل "بلا غمد".

مصدر الصورة المسلسل السوري كسر عضم (مواقع التواصل الاجتماعي)

في هذا السياق يقول نقيب الفنانين السوريين، "المسألة يمكن توصيفها بصورة دقيقة ومباشرة بأن الدراما قبل التحرير كانت مطيّة لخدمة النظام والسلطة القائمة بأي شكل من الأشكال، حتى ولو لم يكن ذلك واضحا بشكل جلي. وربما تم ذلك بطريقة دسّ السم في العسل، من خلال مسلسلات ادّعت زورا أنها ضد النظام، في حين كانت تسوّق له وتلمّع صورته. من دون الخوض في الأمثلة لأننا نحاول طيّ الصفحة.

ويستدرك، "لكن الوضع اختلف الآن، ونحن نملك صناعة مهمة نتباهى بها على المستوى العربي. ولا بد أن النوع سيختلف وسيزيد الكمّ قطعا، وفق بيئة خصبة ومتحررة، وسقف مرتفع، ومنطق مشجّع على المزيد من الإنجاز".

ما الذي تغيّر بعد سقوط نظام الأسد؟

هنا يطرح السؤال نفسه: عمّا تغيّر فعلا في هذه الصناعة المحلية الرائجة عربيا بعد تحرير البلاد من النظام الأمني وقبضته الفولاذية؟

رغم أن الإجابة لا تبدو سهلة، فإن تقييم الفارق بين الدراما قبل سقوط نظام بشار الأسد وبعده يحتاج إلى مزيد من الوقت لتراكم التجارب وتحليلها بشكل موضوعي وبصيغة متأنية تحمل العمق الكافي لتحقيق نتائج منطقية.

لكن لدى رئيس اللجنة الوطنية للدراما، مروان الحسين، قدم لـ "الجزيرة نت" جوابا شافيا، إذ فنّد النقاط التي طرأت على هذا التغيير قائلا، "السؤال عمّا تغيّر بعد سقوط الأسد هو في جوهره سؤال عن طبيعة العلاقة بين الدراما والسلطة، وبين الفن والمجتمع. ما يمكن قوله بوضوح إن التغيير لم يكن شكليا، بل مسّ بنية الخطاب وآليات العمل معا، وإن كانت العملية ما تزال في طور التكوّن".

وبحسب الحسين، يمكن قراءة التحول على عدة مستويات. أولها على مستوى الموضوعات، "فقبل التحرير كانت هناك مناطق مغلقة، مثل ملفات الاعتقال، وبنية الأجهزة الأمنية، والفساد البنيوي. وكان الاقتراب منها يتم غالبا عبر الرمز أو التعميم أو الإحالة غير المباشرة. لكن بعد التحرير اتسع الهامش، وأصبحت ملفات الذاكرة القريبة، والعدالة، والانتهاكات، والتحولات القيمية، والانقسام الاجتماعي مطروحة بشكل أكثر مباشرة. لم يعد السؤال: هل يمكن طرحه؟ بل: كيف يُطرح؟".

مصدر الصورة كواليس مسلسل القيصر: لا مكان لا زمان (الجزيرة)

أما المستوى الثاني، فيتعلق بتغيّر طبيعة الخطوط الحمراء. "في السابق كانت مرتبطة بشخص الحاكم أو بصورة النظام أو بمؤسساته السيادية. أما اليوم، فلم تعد السلطة كيانا محصّنا دراميا، لكن بالمقابل برزت خطوط مرتبطة بالسلم الأهلي، ومنع التحريض الطائفي أو المناطقي، وعدم تحويل الألم إلى مادة تعبئة جديدة. بعبارة أخرى: انتقلنا من حماية السلطة إلى حماية المجتمع".

إعلان

أما فيما يتعلق بالرقابة وآلية التعاطي مع النصوص، فإن "التغيير لم يكن في وجود التنظيم، بل في فلسفته. لم تعد المقاربة قائمة على المنع المسبق، بل على الحوار والتعديل، وهناك محاولة فعلية للانتقال من منطق الرقيب إلى منطق الشريك".

وأضاف الحسين أن التحرير "انعكس على الإنتاج والبيئة الصناعية بعدة أشكال، مثل عودة بعض الشركات، وارتفاع سقف الجرأة نسبيا، ما جعل بعض المشاريع المؤجلة قابلة للتنفيذ، مع سعي لإعادة بناء الثقة مع السوق العربي. لكن في المقابل ما تزال الصناعة تواجه تحديات مالية ولوجستية، والتحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، فالاستقرار الإنتاجي يحتاج وقتا ومراكمة".

أما الممثلون وصنّاع الدراما؛ فالتغير الأبرز جاء نفسيا ومهنيا في آن واحد، "فكثير من الفنانين شعروا بأنهم خرجوا من حالة الاصطفاف القسري أو الصمت الحذر إلى مساحة أوسع للتعبير، كما أن الجدل الذي يرافق بعض الأعمال اليوم يعكس حيوية المشهد، حتى لو كان حادا أحيانا. الصمت لم يعد هو القاعدة".

مصدر الصورة الممثل السوري بسام كوسا (الصحافة السورية)

يختم رئيس اللجنة الوطنية للدراما بالقول إن "التحرير لم يُنتج دراما مثالية، لكنه أزال طبقة من الخوف وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تعيد صياغة العلاقة بين الفن والمجتمع. المرحلة المقبلة ستُقاس بقدرة الدراما السورية على تحقيق معادلة دقيقة: حرية واسعة، ومعالجة مسؤولة، وهوية واضحة لا تذوب في السوق الإقليمي ولا تعود إلى خطاب التمجيد الأحادي أو التحريض الطائفي أو التنميط المسيء".

كيف تأثرت مواضيع الأعمال بعد التحرير؟

أما العنوان الأبرز للدراما السورية ما بعد التحرير فهو التصدي لمواضيع حساسة في حقبة حكم الأسدين. فالحلم الذي كان بعيد المنال صار اليوم واقعا. إذ لم يكن أشد المتفائلين يطمح إلى إنجاز مسلسلات داخل سوريا تحكي عن سجن صيدنايا، كما نتابع في "الخروج إلى البئر" لسامر رضوان ومحمد لطفي، الذي يقتحم دراميا أسوار السجن سيّئ الذكر ويحكي عن الاعتصام الشهير الذي حدث فيه. أو "السوريون الأعداء" (عن رواية فواز حداد، سيناريو نجيب نصير ورافي وهبي، وإخراج الليث حجو)، الذي يجري جردة حساب مع جرائم الأسدين، وأبرزها مجازر حماة في ثمانينيات القرن الماضي.

مصدر الصورة الممثل جمال سليمان في كواليس مسلسل الخروج إلى البئر (من حسابة على إنستجرام)

إضافة إلى ذلك، يلمع عنوان فرعي لافت لصناعة الدراما في العهد الجديد، وهو مرونة الرقابة والسقف العالي. إذ لم تسجل الرقابة أي منع يُذكر لأي عمل. ولعل السقف الرقابي المرتفع ظهر، إضافة إلى العملين السابقين، في مسلسل "ما اختلفنا" (مجموعة كتاب، وإخراج وائل أبو شعر)، رغم التخوّفات السابقة من الضوابط التي كان يعتقد صنّاع الدراما أنها ستُتخذ بحق أعمالهم. لكن الواقع أتى عكس ذلك، مع دعم وتسهيل حكومي واضح تمثّل في تأمين الحماية اللازمة لفرق التصوير، والدعم اللوجستي، وتسهيل أمور الموافقات، والحالة الرقابية، وتحصيل الرسوم. إضافة إلى عملية تنظيف في القطاع الرقابي، استُبدل فيها بعض المراقبين المتشدّدين على زمن النظام المخلوع بآخرين أكثر اعتدالا.

وإن كان هناك نقص في خبرة القائمين على المناصب الإدارية التي تنظّم عمل صناعة الدراما، رغم تمتعهم بنهج إداري جيد، فإن الأشهر القليلة الماضية، والاحتكاك المباشر مع أصحاب الخبرات، إلى جانب المسؤوليات العميقة الملقاة على عاتقهم، جعلتهم يتخطون هذه العقبة نسبيا، بحسب بعض المتابعين لسير العملية الدرامية في سوريا.

تجارب "العهد الجديد" للدراما السورية

في سياق مختلف، أجبر التحرير في العام الماضي كتّاب المسلسلات على تغيير النهايات في حكاياتهم بطريقة متعجّلة لا تتناسب مع البناء العام للعمل. لكنه في المقابل ترك الفرصة هذا العام أمام الكتّاب لإنجاز نصوصهم بسقف رقابي مرتفع وبالصيغة التي يرونها مناسبة. وهو ما أوقع البعض في فخ المباشرة الزائدة والابتعاد عن الدلالة والترميز، وهما عمودان جوهريان في صناعة الفن.

إعلان

وأبلغ مثال على الوقوع في مطب المباشرة كان في مسلسل "قيصر: لا مكان لا زمان" (مجموعة كتاب، وإخراج صفوان نعمو)، وهو العمل الذي غيّر اسمه مرات متتالية، وأثار جدلا وغضبا شديدين لدى شريحة كبيرة من المتابعين الذين طالبوا بوقف عرضه. وقد صدر بيان رسمي عن "رابطة عائلات قيصر" أدان المسلسل وطالب بإيقافه بسبب متاجرته بقضية المعتقلين والمفقودين في سجون النظام، بحسب البيان. إضافة إلى تداول معلومات عن نية رفع دعاوى قضائية ضد المسلسل من عائلات بعض المعتقلين والمفقودين.

مسلسل "القيصر: لا مكان لا زمان" أثار حفيظة أهالي المفقودين والمعتقلين (الجزيرة)

من ناحية أخرى، يرى بعض النقاد أن دور الدراما التلفزيونية يقتصر على الترفيه والتسلية، من دون أن يكون التوثيق جزءا من مسؤوليتها. إلا أن هذه الفكرة تسقط في بعض الاستثناءات السورية التي استطاعت سابقا تقديم تجارب واقعية، باعتبار أن ذلك يضيف قيمة للعمل. وهذا التوجّه قد يترسّخ خلال السنوات القادمة للاشتباك مع حقول ألغام كان الاقتراب منها ممنوعا.

وقد تحتاج المسلسلات التي تتصدى لقضايا كبرى، مثل المجازر والمعتقلات، إلى تعاون جماعي في كتابة النص، وإلى تحقيق استقصائي يسبق أي عمل، وتسجيل شهادات حيّة، ما يعزز المصداقية، ويخلق التنوع المطلوب بين الشخصيات، ويحقق توازنا دراميا.

في هذا السياق يقول الناطور، "لا بد أن هناك تعطشا هائلا لمثل هذا الانفتاح، ورغبة عارمة لدى صنّاع الدراما في تناول موضوعات كثيرة كانت محرّمة وممنوع الاقتراب منها. لذا فالتعقّل والمنطقية ضرورتان حتميتان من أجل تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذا التدفق والسقف المرتفع".

فيما تظل قضية النجوم الذين اتخذوا مواقف مؤيدة للنظام بأسلوب قد يكون مستفزا متروكة للزمن، حتى يتمكن الجمهور من تجاوز هذه المواقف مع بدء عمليات الإعمار والنمو الاقتصادي. ذلك أن استبعاد ممثل يُعد قيمة فنية بسبب مواقفه السابقة لا يبدو منطقيا في وقت تتطلع فيه البلاد إلى النهضة والعودة إلى الطريق الصحيح.

كيف يبدو المستقبل؟

على صعيد آخر، لا يُتوقع أن تؤثر انتعاشة الدراما السورية على أعمال الدراما المشتركة، كونها تملك شعبية وتُعد مطلبا جماهيريا. لكن ربما يكون التوجه، فيما يخص هذه النوعية من المسلسلات، نحو الأعمال المعرّبة التي تلقى رواجا كبيرا، رغم ابتعادها المطلق عن الواقع الذي يعيشه السوريون وعن قضاياهم الصغيرة.

ويتجلى ذلك بمراجعة نقدية للمسلسلات المعرّبة التي لم يسبق أن قدّمت أي همّ أو هاجس سوري، أو مسألة من روح الشارع السوري، لصالح حالة ترفيهية مرتبطة بقصص الحب والخيانة وصراعات المال.

وفي هذا الوقت تحديدا، تطلّ ملامح جدية لدعم حكومي للدراما السورية من قبل عدة جهات عربية أبدت استعدادها علنا لدعم هذه الصناعة وفق مخطط عربي شامل. ولا بد من استثمار هذه الحالة لتطوير سوق العرض المحلي، ودعم الاستثمار الإعلامي الوطني، لضمان قدرة الإنتاج المحلي على المنافسة والازدهار. وقد بدا ذلك في اجتماع رئيس هيئة الترفيه السعودي، المستشار تركي آل الشيخ، مع صنّاع الدراما السورية، وإبلاغهم حرفيا نية السعودية دعم الدراما السورية ومساندتها على كل المستويات.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا