آخر الأخبار

تحديات مركبة تواجه الحكومة اليمنية بعد احتجاج “قصر المعاشيق”

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عدن- لم تكن محاولة اقتحام القصر الرئاسي في مدينة عدن، الخميس الماضي، حادثا أمنيا عابرا، بل بدت حلقة جديدة في سلسلة اضطرابات تعكس هشاشة الوضع الأمني وتعقيدات المشهد السياسي في المدينة التي تُعد مقرا رئيسيا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، والعاصمة المؤقتة للبلاد.

ففي توقيت بالغ الحساسية، تزامن تحرك أنصار ما يُعرف بـ" المجلس الانتقالي الجنوبي" المنحل صوب "قصر المعاشيق" الرئاسي مع انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة داخله، ليعيد إلى الواجهة سؤال السيطرة الفعلية على المدينة، وقدرة الدولة على حماية رموز سيادتها ومقارها الرسمية.

ورغم تمكن القوات الحكومية من منع المحتجين من الوصول إلى بوابات القصر، لكن رمزية الحدث -محاولة الوصول إلى مقر الرئاسة- حملت دلالات تجاوزت بُعدها الأمني، لتفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع في سياق التحديات التي تواجه الحكومة داخليا وخارجيا.

ماذا جرى في محيط القصر؟

بحسب مصادر أمنية، تجمع عشرات المحتجين في محيط القصر الرئاسي بالتزامن مع انعقاد اجتماع الحكومة، ورفعوا شعارات سياسية ومعيشية قبل أن يحاولوا التقدم نحو البوابات الخارجية، ما دفع القوات المكلفة بالحماية إلى تطويق المكان ومنعهم من الاقتراب.

وتطورت المواجهات إلى اشتباكات محدودة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وسط تبادل للاتهامات بين السلطات والمنظمين. وأعلنت اللجنة الأمنية في عدن مقتل متظاهر واحد على الأقل وإصابة 11 آخرين، في حين قال المجلس الانتقالي إن 21 من أنصاره أصيبوا.

ورغم احتواء الحادثة خلال ساعات، أعادت للأذهان سيناريوهات سابقة تحوّلت فيها الاحتجاجات ذات الطابع السياسي سريعا إلى صدامات مسلحة.

وعقب الأحداث، شهدت المدينة انتشارا واسعا لتعزيزات عسكرية من "قوات العمالقة" لتأمين المؤسسات الحكومية والأحياء المحيطة، كما أطلقت الأجهزة الأمنية حملة لملاحقة "المحرضين"، كما وصفتهم.

إعلان

اتهامات متبادلة

وفي أول تعليق رسمي، شدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على أن "عودة الاستقرار إلى عدن تمثل أولوية قصوى للحكومة"، مؤكدا المضي في أداء المهام من داخل العاصمة رغم التحديات.

وقال إن "زعزعة الأمن في عدن لن تخدم سوى المشاريع التي تسعى لإبقاء البلاد في حالة فوضى"، داعيا القوى السياسية إلى الاحتكام للحوار.

وكان الزنداني قد حدد، في أول اجتماع للحكومة داخل القصر، أولويات المرحلة المقبلة واضعا الملفين الاقتصادي والخدمي في الصدارة، مع إصلاحات مالية وإدارية تهدف إلى استعادة ثقة المواطنين، مؤكدا أن انعقاد الاجتماع في عدن يعكس انتقال مركز القرار التنفيذي إلى الداخل والالتزام بالعمل الميداني لمعالجة الأزمات.

في المقابل، حمّل "مجلس القيادة الرئاسي" قوى إقليمية مسؤولية ما وصفه بمحاولات إعادة إنتاج الفوضى. ونقلت وكالة "سبأ" عن مصدر في رئاسة المجلس أن قيادة الدولة تتابع "بأسف بالغ" ما أقدمت عليه "عناصر خارجة عن النظام والقانون"، متهما أطرافا لم يسمها بالوقوف خلف توقيت التصعيد، في ظل تحسن نسبي في الخدمات والتحضيرات لعقد مؤتمر جنوبي برعاية سعودية.

وفي تطور سياسي لافت، أعلن المجلس الانتقالي، الجمعة، رفضه الاعتراف بشرعية الحكومة المشكلة حديثا، واصفا وجودها في عدن بأنه "سلطة أمر واقع" تفتقر إلى الغطاء السياسي والشعبي، وهو ما يضع الحكومة أمام تحدٍ وجودي ويحوّل الصراع من مستوى الاحتجاج إلى مواجهة سياسية مفتوحة.

تحولات ميدانية

ويأتي هذا التصعيد في سياق تحولات ميدانية شهدتها عدن خلال الأشهر الماضية. فبعد سنوات من سيطرة المجلس الانتقالي على المدينة، تمكنت الحكومة، بدعم سعودي، من استعادة السيطرة مطلع العام، وشكلت حكومة جديدة تضم 35 وزيرا في محاولة لإعادة ترتيب المشهد التنفيذي.

ويرى سياسيون ومحللون أن هذا التحول في ميزان القوى يفسّر حالة الاحتقان الحالية، حيث يسعى المجلس الانتقالي إلى استعادة نفوذه المفقود عبر توظيف الورقة الاحتجاجية والشعبية. ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي ياسين التميمي أن هذه الاحتجاجات "تندرج ضمن ردود ممنهجة على خطوات بناء الثقة التي تنفذها الحكومة".

وأضاف للجزيرة نت أن "المجلس الانتقالي يوظف ما تبقى لديه من موارد بشرية ذات طابع عسكري لتنظيم تحركات تبدو في ظاهرها شعبية، غير أن الطابع المسلح لتحركات المعاشيق أفقدها صفتها السلمية".

ورأى أن ما جرى "يعيد مشروع المجلس إلى مربع الحراك الأول، ولكن هذه المرة في مواجهة صيغة الشراكة الوطنية التي منحت الجنوب حضورا مؤثرا في القرار السياسي والعسكري".

رسائل ضغط سياسي

ويرى مراقبون أن محاولة الاقتحام حملت رسائل ضغط سياسي واضحة على الحكومة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وتعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية. ويشيرون إلى أن توقيت الحدث، المتزامن مع أول اجتماع لحكومة الزنداني، يحمل دلالة مباشرة على استهداف عودة العمل المؤسسي إلى الداخل.

ويقول الباحث اليمني عبد العزيز الأبارة، رئيس وحدة الإعلام في مركز المخا للدراسات: إن عدن تمر بـ"منعطف سياسي وأمني بالغ التعقيد، تتقاطع فيه الأزمات المعيشية الخانقة مع صراع نفوذ محتدم بين مراكز القوى".

إعلان

ويضيف للجزيرة نت أن محاولة الاقتحام "لا يمكن قراءتها كتعبير عن غضب شعبي فحسب، بل كرسالة سياسية تستهدف رمزية الدولة".

ويرى الأبارة أن قوى مرتبطة بالمجلس الانتقالي فقدت جزءا من نفوذها مع بدء إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، فلجأت إلى استثمار التدهور المعيشي لإرباك جهود استعادة الثقة، خصوصا في ظل تحسن نسبي شهدته بعض الخدمات خلال الفترة الأخيرة.

تداعيات اقتصادية

ولا تقتصر تداعيات هذه الاضطرابات على الجانب السياسي، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على الجهود الاقتصادية، وهو ما يؤكده فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية، مشيرا إلى أن محاولة الاقتحام تمثل "تطورا بالغ الخطورة من منظور أمني وسياسي واقتصادي معا".

وأوضح النجار للجزيرة نت أن "الدعم السعودي في قطاعات البنية التحتية أسهم في تحسن نسبي، غير أن الاقتصاد بطبيعته شديد الحساسية لأي توتر"، مؤكدا أن "الاضطرابات في العاصمة تقوّض ثقة المواطنين والمستثمرين وتمس رمزية الدولة".

كما أن الحفاظ على هيبة مؤسسات الدولة شرط أساسي لاستمرار العمل الحكومي وتخفيف معاناة المواطنين، داعيا إلى تغليب منطق الدولة على منطق الاستعراض السياسي، ومشيرا إلى أن ما جرى "يعكس صراع نفوذ تقوده قوى مدعومة إقليميا تحاول استعادة مواقع فقدتها"، محذرا من أن "أي دعم غير منضبط أو رسائل مزدوجة من أطراف إقليمية يزيد تعقيد المشهد ولا يخدم استقرار الجنوب".

تحديات مركبة

وتكشف محاولة اقتحام القصر عن تحديات بنيوية تواجه الحكومة اليمنية، أبرزها:


* تعدد مراكز القوى الأمنية الذي يضعف وحدة القرار.
* ضعف الموارد المالية الذي يحد من قدرة الدولة على معالجة الأزمات الخدمية.
* تعثر تنفيذ الترتيبات السياسية والعسكرية الخاصة بدمج القوات.

ويحذر الأكاديمي والمحلل السياسي البروفيسور اليمني عبد الوهاب العوج، من أن استمرار الوضع الحالي قد "يعيد البلاد إلى نقطة الصفر في ملف الأمن والاستقرار".

ويؤكد العوج للجزيرة نت أن الحكومة مطالبة بـ"سحب المعسكرات العسكرية من عدن إلى خارج المحافظة لضبط الأمن"، و"دمج القوات التابعة للمجلس الانتقالي في الجيش اليمني الموحد"، بالإضافة إلى "تعزيز قدرة الدولة على مواجهة مليشيات الحوثي".

وحذر من "توجيهات خارجية تهدف إلى زعزعة الاستقرار"، مشيرا إلى أن بيان اللجنة الأمنية كشف عن مشاركة بعض العسكريين التابعين للمجلس الانتقالي في محاولة الاقتحام وهم يرتدون ملابس مدنية، ما يزيد من المخاطر على أمن العاصمة المؤقتة.

ويخلص المحللون إلى أن الحل لا يكمن في الإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب مقاربة شاملة تقوم على توحيد القرار الأمني، وفتح قنوات سياسية منظمة لمعالجة مطالب القوى الجنوبية، وتحسين ملموس للأوضاع المعيشية.

ويختم العوج بالقول إن غياب هذه الإجراءات "سيبقي اليمن في دائرة الانقسامات والتقسيمات، ويحوّل البلاد إلى منطقة عدم استقرار طويل الأمد".

وفي حين تؤكد الحكومة أن الاستقرار أولوية، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الخطاب إلى نتائج ملموسة على الأرض. فعدن اليوم تقف أمام مفترق طرق دقيق، بين تثبيت سلطة الدولة واستكمال مسار الشراكة، أو الانزلاق مجددا إلى دائرة الصراع والفوضى، بما يهدد ما تبقى من تماسك المؤسسات وفرص التسوية السياسية في اليمن.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا