آخر الأخبار

شراكة على المحك- مؤتمر ميونخ يكشف عمق الهوة بين ضفتي الأطلسي

شارك
المستشار الألماني ووزير الخارجية الأمريكية.. ابتسامة أمام عدسات المصورين لم تخف مدى الخلاف بين واشنطن وأوروباصورة من: Liesa Johannssen/Reuters/dpa/picture alliance

كانت درامية امؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام لها علاقة كبيرة بالجدل الذي أثير العام الماضي: حينها أدى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بخطابه الانتقادي اللاذع لأوروبا إلى انخفاض درجة الحرارة في قاعة المؤتمر إلى ما يقارب درجة التجمد. لم يسبق أن كان الأمريكيون والأوروبيون على خلاف كبير إلى ذلك الحد في مؤتمر الأمن الذي يُعتبر تقليديا مؤتمرا عابرا للأطلسي.

وبعد عام كان المؤتمر رفيع المستوى في ميونيخ (13-15 فبراير 2026) يركز بشكل أساسي على تحديد الموقف: ماذا تتوقع الولايات المتحدة وأوروبا من بعضهما البعض بعد مرور عام على تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه؟ كيف يتعاملان مع بعضهما البعض؟ كانت الكلمة الأولى للمستشار الألماني فريدريش ميرتس وكان ذلك متعمدا.

استغل ميرتس وهو عضو في الحزب المسيحي الديمقراطي منصة ميونيخ لإلقاء خطاب مهم حول السياسة الخارجية الألمانية، حيث نأى بنفسه بوضوح عن دونالد ترامب وسياسته، وقال في كلمته: "الصراع الثقافي الذي تخوضه حركة MAGA ليس صراعنا"، كما قال ميرتس "نحن لا نؤمن بالرسوم الجمركية والحمائية، بل نؤمن بالتجارة الحرة". وحظي بتصفيق الحضور في قاعة المؤتمر.

نأى المستشار الألماني فريدريش ميرتس بنفسه عن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامبصورة من: Thomas Koehler/BMZ/photothek.de/picture alliance

حتى الآن كان المستشار الألماني متحفظا في انتقاده لدونالد ترامب الذي يصف علاقته به بأنها "جيدة". لكن تهديد ترامب بضم غرينلاند، التي تعود للدنمارك، إلى الولايات المتحدة بالقوة إذا لزم الأمر، قد أزعج الأوروبيين بشدة. يمكن القول أيضا: لقد أصيبوا بخيبة أمل نهائية.

وقد انعكس ذلك في خطاب المستشار الألماني الذي شدد على مسؤولية أوروبا عن نفسها، الذي أوضح أن الإمكانات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية لأوروبا هائلة، "لكننا لم نستغلها بعد بالقدر المطلوب".

شراكة على قدم المساواة

وماذا عن التحالف مع الولايات المتحدة؟ حذر ميرتس من التخلي عنه، بل إنه يود إعادة تأسيس الشراكة. ووعد ميرتس بأن أوروبا ستقوم بدورها في هذا الصدد. ويرى أن التسليح الهائل للجيش الألماني هو مساهمة ألمانيا في هذا المجال، ولم يسبق أن كانت ميزانية الدفاع مرتفعة كما هي عليه في ميزانية الدولة لعام 2026.

وبذلك تناول المستشار نقطة انتقاد أساسية من قبل إدارة ترامب، وهي أن الأوروبيين يعتمدون بشكل مفرط على الحماية التي توفرها الولايات المتحدة، بدلا من تعزيز جيوشهم الخاصة. شراكة نعم ولكن على قدم المساواة، هذه كانت رسالة ميرتس الذي عبر عنها بالقول: "الأنظمة الاستبدادية تريد أتباعا، ولكن الديمقراطيات لها شركاء وحلفاء".

ماركو روبيو.. متصالح في لهجته ولكن لا يقبل المساومة

أكد الخطاب الذي كان الجميع ينتظره بفارغ الصبر من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في اليوم الثاني من المؤتمر، في كثير من النواحي ما وصفه ميرتس بـ "الهوة العميقة" بين الولايات المتحدة وأوروبا .

صحيح أن روبيو كان أكثر احتراما في لهجته من جي دي فانس العام الماضي، إذ أشاد صراحةً بالروابط التاريخية بين أوروبا والولايات المتحدة، لكن رسالته كانت واضحة: إذا سارت أوروبا على نهج دونالد ترامب فسيظل التحالف قائما، وإذا لم تفعل ذلك فعلى أوروبا أن تساعد نفسها.

في هجوم شامل انتقد روبيو سياسة الطاقة التي تخدم "عبادة المناخ". وانتقد الأمم المتحدة التي يرى أنها لا تلعب أي دور عملي في حل المشاكل الحالية  وأعرب عن أسفه لـ "موجة غير مسبوقة من الهجرة الجماعية" التي تهدد المجتمعات على جانبي المحيط الأطلسي، حسب تعبيره وقال "لقد ارتكبنا هذه الأخطاء معًا". وأضاف أن الحكومة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب ستقوم الآن بتصحيح هذه الأخطاء، وتأمل أن تحذو أوروبا حذوها. لكن في هذا الصدد لم يعط ممثلو الحكومة الألمانية أي أمل للولايات المتحدة في مؤتمر ميونيخ للأمن، وكان الرأي السائد أن تصرفات قوة عظمى بمفردها لا يمكن أن تحل مشاكل عصرنا.

ألمانيا تزيد ميزانية الدفاع وتريد المساهمة في تعزيز قوة أوروبا في حلف الناتوصورة من: Kay Nietfeld/dpa/picture alliance

كما كان لافتا سماع نبرة نقد ذاتية أيضا: غذ قيل مثلا إن أوروبا تأخرت كثيرا في العمل على تعزيز قدراتها الدفاعية. واعترف المستشار الألماني ميرتس بأن السياسة الخارجية الألمانية كانت "كثيرا ما تحذر وتطالب وتؤنّب". لكن الخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة وأوروبا ظلت واضحة للعيان ولم يكن من الممكن تجاوزها.

لكن الأوروبيين نظروا إلى الأمر بثقة أكبر، إذ قال أكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس "أريد أن نتمكن من متابعة مصالحنا الخاصة والحفاظ على مسارنا حتى لو كان ذلك صعبا". وفي المناقشات حول غرينلاند أثبتت أوروبا أنها قادرة على ذلك.

كما طالب ممثلو أوروبا بشدة بالمشاركة في المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا حول إنهاء الحرب في أوكرانيا. وهذا ما طالبت به كايا كالاس، مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي في اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن . وقالت كالاس إنها لا تستطيع فهم "الهجوم" الحالي على أوروبا من قبل السياسيين الأمريكيين في ضوء الأشياء الجيدة التي تقدمها أوروبا بالفعل.

وهكذا اتضح في ميونيخ أنه على الرغم من تأكيد الولايات المتحدة وأوروبا على حاجتهما لبعضهما البعض في المستقبل، فإن الشريكين اللذين كانا في يوم من الأيام متقاربين جدا قد ابتعدا عن بعضهما بشكل واضح.

أعده للعربية: م.أ.م

تحرير: عارف جابو

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا