آخر الأخبار

لغم مربعات لبنان الأمنية.. هل ينسف "شهر العسل" مع دمشق؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يأتِ اتفاق نقل السجناء السوريين من السجون اللبنانية إلى بلادهم بوصفه إجراء تقنيا معزولا، بل كخطوة سياسية شديدة الحساسية، تضع مسار العلاقة الناشئة بين بيروت ودمشق أمام اختبار مبكر، وهو اختبار لا يتعلق بنجاح الاتفاق بحد ذاته، بل بقدرته على فتح الملفات الأثقل التي طالما جرى الالتفاف حولها.

فالاتفاق، الذي قُدِّم رسميا كحلّ جزئي لأزمة اكتظاظ السجون، سرعان ما اتخذ بعدا أوسع باعتباره مدخلا لسلة ملفات سيادية مؤجلة، ما جعله اختبارا لقدرة هذا المسار على الصمود عند أول احتكاك بواقع أمني لبناني معقّد.

وضمن النقاش الذي دار في برنامج "ما وراء الخبر"، مالت قراءة الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل إلى اعتبار الاتفاق خطوة اضطرارية فرضتها ضرورات سياسية أكثر مما أنتجها مسار قانوني مكتمل، في ظل غياب أطر تشريعية تنظّم تبادل المحكومين بين البلدين.

هذه القراءة تجعل الاتفاق أشبه بصفقة عبور لا محطة استقرار، فلبنان كما يلمّح شربل، قدّم تنازلا محسوبا لفتح أبواب أخرى مغلقة، لكنه في المقابل يدرك أن الملفات التي تلي هذا الاتفاق أعقد بكثير، ولا يمكن إدارتها بالأدوات نفسها.

وفي التقدير السوري، قدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد السعدو مقاربة مختلفة في المنطلق لكنها متقاطعة في النتيجة، فالخطوة برأيه ليست مجرد تسوية ظرفية، بل ضرورة سياسية لمرحلة جديدة في سوريا عنوانها إعادة ترتيب العلاقة مع الجوار وتفكيك إرث ثقيل خلّفه النظام السابق.

ومن هذا المنظور، لا تُقرأ قضية السجناء بوصفها ملفا إنسانيا فقط بل كجزء من ضغط شعبي سوري واسع على السلطة الجديدة، خاصة في ملف الموقوفين غير المحكومين الذين يتجاوز عددهم الألفين، ويُنظر إلى كثير منهم باعتبارهم أُوقفوا لأسباب سياسية مرتبطة بالثورة.

تباين دقيق

هنا يبدأ التباين الدقيق بين المقاربتين، فبينما يتعامل الجانب اللبناني مع الاتفاق بوصفه خطوة اضطرارية قابلة للتدرّج، تنظر دمشق إليه كاختبار نيات تقاس جديته بما سيليه لا بما أنجزه، وهذا ما يجعل الملفات اللاحقة وعلى رأسها ملف ضباط النظام السابق الفارين إلى لبنان العقدة الأشد حساسية.

إعلان

في هذا الملف تحديدا، كان تشخيص بشارة شربل مباشرا، حيث يرى أن المشكلة لا تكمن في الإرادة السياسية المعلنة بل في الواقع الأمني اللبناني، فالدولة وفق توصيفه، لا تسيطر على كامل أراضيها ولا تمسك بجميع مفاصلها الأمنية، ما يخلق "مربعات" خارجة عن السلطة الفعلية تشكّل ملاذا طبيعيا للفارين من العدالة.

هذا التوصيف لا يكتفي بتفسير التعقيد بل ينزع عن الحكومة اللبنانية قدرة الحسم حتى لو توافرت النية، فملف الضباط كما يراه شربل، يصطدم مباشرة بوجود سلاح غير شرعي وبنفوذ أمني لا يخضع للدولة، وهو ما يحوّل أي تعاون مع دمشق إلى مسار بطيء ومليء بالعراقيل.

في المقابل، لا تتعامل دمشق مع هذا الملف بوصفه تفصيلا مؤجلا، فالسعدو ربطه مباشرة بوثائق مسرّبة وتحقيقات حديثة تشير إلى وجود ضباط أمنيين كبار من النظام السابق داخل الأراضي اللبنانية، ومن هنا فإن المسألة، وفق قراءته، لم تعد سياسية فقط بل أمنية بامتياز.

ويذهب السعدو إلى أبعد من ذلك حين يربط بين هذا الملف وبين اتهامات مباشرة لحزب الله باستخدام الساحة اللبنانية منصة لأنشطة أمنية تستهدف سوريا، كما في قضية "خلية المزة"، ويعيد هذا الربط تعريف المشكلة من كونها خلافا ثنائيا إلى كونها أزمة متعددة الأطراف يدخل فيها فاعل غير دولتي يمتلك قدرة تعطيل عالية.

تفاؤل حذر

هذا التعقيد الثلاثي -دولة لبنانية محدودة السيادة، وسلطة سورية تسعى لإثبات مرحلة جديدة، وحزب مسلح عابر للحدود- يجعل أي تفاؤل رسمي عرضة للاهتزاز، فحتى السعدو رغم لغته الإيجابية، أقر بأن الضغوط داخل لبنان، سواء من وزراء محسوبين على حزب الله أو من أجهزة أمنية مرتبطة به، قد تعرقل أي تقدم فعلي في ملف الموقوفين أو الضباط.

في منتصف هذا المشهد، تطفو ملفات أخرى لا تقل حساسية، وهي ترسيم الحدود والمفقودون اللبنانيون في السجون السورية والعلاقات التجارية وحركة العبور، وهي ملفات وإن بدت تقنية إلا أنها مشدودة إلى السياق السياسي نفسه، وأي إخفاق في إدارتها قد ينسف الثقة الهشة المتشكلة.

شربل من زاويته، بدا حذرا من المبالغة في الرهان على الاتفاق، معتبرا أن "البرودة" بين بيروت ودمشق ليست خيارا صحيا لكنها في الوقت نفسه أقل كلفة من علاقة غير متوازنة، وهو يلمّح هنا إلى تجربة تاريخية ثقيلة، حين تحوّلت العلاقة إلى وصاية أمنية دفعت كلفتها الدولتان.

في المقابل، شدد السعدو على أن سوريا الجديدة تحاول للمرة الأولى منذ عقود النأي بنفسها عن التدخل في الشأن اللبناني، ورفض إعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة، لكنه أقر ضمنيا بأن النجاح في ذلك يبقى مرهونا بقدرة الطرف اللبناني على ضبط ساحته الداخلية.

في المحصلة، لا يبدو اتفاق السجناء نهاية لمسار بل بدايته الأكثر اختبارا، فقد كشف بسرعة أن تطبيع العلاقات لا يمر عبر الاتفاقات وحدها، بل عبر تفكيك البنى الأمنية والسياسية التي عطّلت الدولة في البلدين عقودا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا