ألبرتا- يواجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في الآونة الأخيرة ضغوطا سياسية وتجارية متزايدة، بعد خطابه في منتدى دافوس.
وتأتي هذه الضغوط تارة من الولايات المتحدة الجارة، ومن داخل كندا تارة أخرى، بسبب صراحته الدبلوماسية ونهجه الذي يُركز على تعزيز استقلال البلاد وموقفها الإستراتيجي.
وأثارت تصريحات كارني المباشرة وخطواته تساؤلات كبيرة في الأوساط المحلية والمعارضة: هل يقود إستراتيجيته نحو استقلال اقتصادي أقوى؟ أم تتسبب مصارحته في مشاكل فورية لكندا وعزلة سياسية أمام إدارة ترمب؟ أم أنها على العكس ستعزز مكانة كندا الإستراتيجية على المدى الطويل؟
وانتقد الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال الكندي، جولدي هايدر، إستراتيجية كارني في إدارة العلاقات التجارية مع أمريكا، محذّرا من أن خطابه في دافوس لم يحظَ بدعم واسع من حلفاء كندا، بل دفع بعضهم للابتعاد.
وقال هايدر في مقابلة مع فايننشال بوست "يشبه الأمر أن الجميع يقول: قل أنت ذلك، لكنني لن أدعمك. هذا موقف سيئ لكندا"، مشيرا إلى أن دولا أخرى "قرأت الرسالة" وزارت البيت الأبيض وتعهّدت باستثمارات كبيرة في الاقتصاد الأمريكي، مما فتح لها صفقات تجارية بتعريفات أقل.
ونوّه إلى أن بعض المديرين التنفيذيين الكنديين أبدوا قلقهم من إمكانية أن تبرم أمريكا صفقة منفصلة مع المكسيك، حيث اتخذت الرئيسة كلوديا شينباوم نهجا أقل مواجهة علنية مع ترمب، إذ يقولون "عندما تذهب إلى واشنطن، ما تسمعه منهم هو أن المكسيك تحرز تقدما جيدا في المحادثات مع الولايات المتحدة".
وفي السياق، قالت السفيرة الكندية المنتهية ولايتها في أمريكا، كيرستن هيلمان إن "فقدان الثقة" بين الكنديين تجاه علاقة بلادهم بواشنطن لن يكون سهلا إصلاحه، معتقدة أن العلاقة بين البلدين قد تغيّرت ولن تعود إلى ما كانت عليه، على الأقل لفترة طويلة جدا، إن لم يكن للأبد، وفق ما نشرته شبكة غلوبال نيوز الكندية.
وعن التحديات التي يواجهها كارني في تعزيز استقلال كندا، رأى أستاذ التاريخ والاقتصاد السياسي في جامعة بريتش كولومبيا، هشام صفي الدين، أن التحدي الأول يكمن في الجغرافيا؛ إذ تمتد الحدود البرية مع أمريكا إلى أكثر من 8 آلاف كيلومتر جنوبا.
إضافة للحدود في الشمال الغربي مع ألاسكا، قبالة غرينلاند التي هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالاستحواذ عليها، فضلا عن التنافس مع روسيا في القطب الشمالي، وفصلها عن باقي أوروبا وشرق آسيا بآلاف الكيلومترات البحرية.
وأضاف صفي الدين للجزيرة نت "إذا ما أضفنا أن أمريكا هي الشريك الاقتصادي الأكبر لكندا، أدركنا صعوبة -ولا أقول استحالة- حماية كندا من أي مطامع توسعية أمريكية، وفك التبعية الاقتصادية لها".
واستبعد صفي الدين أن تكون صراحة كارني الدبلوماسية سببا مباشرا في أية خسائر اقتصادية، فهو يردّ على تصعيد ترمب، وهو براغماتي ومستعد للتسوية والمساومة في حال بادر الأخير إلى ذلك، وأي خسائر ستعتمد على نيات ترمب وقدرة كندا على التفاوض ولعب أوراقها جيدا.
وحول التحديات الداخلية، أوضح أن بعض الأصوات الانفصالية قد ترتفع هنا وهناك، لكنّ الانفصال ليس أمرا سهلا أو "نزهة" دون دعم أمريكي مباشر.
وأضاف أن كارني كسب ثقة الكنديين بفضل خطابه الموزون وفهمه العميق للعبة التوازنات السياسية، ويساعده في ذلك وجود سياسيين محافظين مثل حاكم مقاطعة أونتاريو دوغ فورد، الذين يلجؤون إلى لهجة تصعيدية ضد ترمب عند الحاجة. وبالتالي، فإن معارضة سياسات ترمب تتجاوز الاصطفاف الحزبي الداخلي.
وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، قد كشفت مؤخرا أن مسؤولين في إدارة ترمب، عقدوا لقاءات سرية مع قادة "مشروع ازدهار ألبرتا" (المقاطعة الكندية الغنية بالنفط) الأمر الذي أثار قلقا متزايدا في أوتاوا بشأن احتمال تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للبلد.
من جهته، قدّم الخبير الاقتصادي الدكتور زياد الغزالي، رؤية مغايرة لسابقه، قائلا "أي خطاب سياسي غير محسوب قد يُترجم فورا لضغط تجاري أو إجراءات حمائية، لا سيما مع اقتراب موعد مراجعة اتفاقية التجارة الحرة، التي تمنح إدارة ترمب أدوات ابتزاز قانونية وسياسية قوية؛ فهي تتعامل بمنطق المؤسسات، بل غالبا بمنطق الصفقات وردود الفعل".
وأضاف الغزالي للجزيرة نت: أن الاعتماد البنيوي لكندا على الاقتصاد الأمريكي يعتبر أبرز التحديات، إذ يرتبط قطاع الوظائف عمليا بالمزاج السياسي في أمريكا، إلى جانب الانقسام الداخلي الحاد؛ فبعض الأقاليم ترى بأي تصعيد مع واشنطن مغامرة غير مسؤولة، بينما تطالب أقاليم أخرى بموقف سيادي أكثر صلابة.
ورأى أن على كارني اتباع خطاب لا يحمل تحديا مباشرا يؤدي إلى خسائر اقتصادية سريعة، وذلك أفضل من الصراحة الدبلوماسية الموجهة أساسا للرأي العام الداخلي، فهو محكوم بالسير على حبل مشدود بين تلبية تطلعات الرأي العام الوطني ومتطلبات الواقعية الاقتصادية القاسية.
وأمام هذه القراءات والتحليلات، وفي ظل تصاعد التوترات الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وزيادة حديث الانفصال في بعض المقاطعات، وعدم وجود خيارات كثيرة أمام كندا، اقترح الغزالي على حكومة كارني:
أما الأكاديمي هشام صفي الدين، فقد حثّ رئيس الوزراء كارني على توسيع الشراكات الاقتصادية لكندا بشكل تدريجي، مع تجنب إغضاب أمريكا قدر الإمكان، والحفاظ على الاستقرار النقدي والاقتصادي الداخلي لمنع حكومته من فقدان ثقة الجمهور، "وهذه كلها تحديات صعبة" حسب قوله.
بدوره، رأى الأستاذ المشارك في كلية العمل الاجتماعي بجامعة كالغاري، الدكتور يحيى اللهيب، أن كندا لا تعاني من مشكلة استقلالية تستدعي تعزيز استقلالها، بل يسعى كارني لمواجهة السياسات المحلية من خلال استمالة الكنديين عبر خطابات ترفع سقف التحدي أمام ترمب.
ويظهر هذا النهج بوضوح في إستراتيجية حشر زعيم حزب المحافظين، بيار بوالييفر، وإحراجه بقضية الضغوط الأمريكية، مما يعكس محاولة لتعزيز الموقف الوطني.
وذهب اللهيب في حديثه للجزيرة نت، إلى أن أسلوب كارني لا يشير إلى صراحة دبلوماسية، بل يهدف لإعداد الأرضية لموقف صلب، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المتوقعة هذا العام. حيث يمتلك كارني، كاقتصادي أولا وسياسي ثانيا، الأهلية والخبرة اللازمة لمناقشة اتفاقية التجارة الحرة، إذ يمنحه تاريخه الاقتصادي ثقة الكنديين في التفاوض على اتفاقية جديدة تؤسس لعلاقات ندّية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة