آخر الأخبار

جيش الرب وذاكرة الخطف.. الجنود الأطفال في أوغندا ما زالوا يعيشون مأساة الحرب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا تزال منطقة لوكودي، أقصى شمال أوغندا، تحتفظ بذاكرة واحدة من أكثر فصول النزاع دموية، حين لم تكن الضحية مدينة أو معسكرا عسكريا، بل الطفولة نفسها. فالحرب التي انسحبت من هذه المنطقة قبل سنوات، تركت وراءها جرحا مفتوحا يتمثل في آلاف الأطفال الذين جُندوا قسرا، وحُرموا من أبسط حقوقهم، ولا يزالون يدفعون ثمن تلك السنوات حتى اليوم.

هذه المدرسة، والقرى المحيطة بها -كما يشرح تقرير "قضية المنتصف" على الجزيرة- كانت في 19 مايو/أيار 2004 مسرحا لهجوم صادم نفذه متمردو "جيش الرب". في تلك الليلة، اُختطف 45 طفلا دفعة واحدة، في حادثة هزت أوغندا بأكملها، وبثت الرعب في نفوس الأهالي، وغيرت نمط الحياة في المنطقة إلى الأبد.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الليل وقتا للراحة. فقد انتشرت ظاهرة عرفت باسم "المتنقلين ليلا"، حيث كان الأطفال يقطعون مسافات طويلة في الظلام، هربا من خطر الخطف، لأن الوقوع في قبضة المتمردين كان يعني حياة من العنف والاستعباد.

يستعيد رجل سبعيني من سكان لوكودي تلك المرحلة قائلا "كانوا يأخذون الأطفال إلى الأحراش دون تمييز. الفتيات يُجبرن على الزواج، والأولاد يتحولون إلى خدم أو عبيد. بعضهم يعود بعد سنوات، لكنهم حين يرجعون لا يجدون أحدا في انتظارهم".

قتال وترحال وجوع

سنوات طويلة قضاها أولئك الأطفال في الغابات، بين القتال والترحال والجوع، وعندما عاد كثيرون منهم، وقد أثقلتهم التجربة والسنون، لم يجدوا الوطن الذي حلموا به. ويقول أحد العائدين "نشعر أننا غرباء في مجتمعنا، فالوصمة الاجتماعية دفعتنا للعيش بعيدا عن بيوتنا الأصلية، فقط لننجو من المشاكل".

ومن بين هذه القصص، تبرز مأساة ليلى آتونغ. التي كانت في الـ12 من عمرها حين اُختطفت، وأُجبرت لاحقا على الزواج من زعيم "جيش الرب" جوزيف كوني. وتنقلت معه بين غابات الكونغو وجنوب السودان، قبل أن تعود بعد سنوات ومعها 4 أطفال.

إعلان

اليوم، تقطع ليلى مسافات طويلة بحثا عن الماء، لكنها لا تزال تواجه رفضا مجتمعيا وإيذاء متكررا، وكأن الحرب لم تنتهِ بالنسبة لها بعد.

وعلى بعد مئات الكيلومترات، وفي تجربة مختلفة، تقدّم رواندا نموذجا آخر للتعامل مع ملف الجنود الأطفال. ففي مركز لإعادة التأهيل بمدينة موسانزي، تحكي امرأة جُندت وهي في الـ11 من عمرها، وتقترب اليوم من سن 40، عن بداية جديدة "استقبلونا هنا بترحاب، أما في الكونغو فكنا نعيش الجوع والحرب، لكن هنا يساعدوننا على ترك الماضي خلفنا، ويوفرون لنا احتياجاتنا، ويدربوننا على مهن مثل الخياطة".

أوراق ثبوتية

وتمنح الدولة الرواندية العائدين وأطفالهم الجنسية والأوراق الثبوتية، إلى جانب دعم مالي ومكان للعيش، في محاولة لإعادة دمجهم في المجتمع ومنحهم فرصة حياة مستقرة.

لكن المشهد في أوغندا يبدو أكثر تعقيدا، فتحت سقف متهالك، تعيش أم عادت قبل 8 سنوات بعد أكثر من عقدين قضتهما في الأدغال، همها الأكبر اليوم مستقبل ابنتها الكبرى، تقول "لا أستطيع استخراج بطاقة هوية لابنتي لأنها ولدت في الأدغال، ويطلبون معلومات عن والدها، الذي تزوجته قسرا وأنا طفلة، ولا أحد يعرف أصله".

هذه المعاناة، بحسب منظمات دولية، ليست حالات فردية. إذ يؤكد سليم عويس، المتحدث الإقليمي باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"، لـ"قضية المنتصف" أن ما تشهده أوغندا جزء من أزمة أوسع. فوفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الأطفال والنزاع المسلح لعام 2024، تم التحقق من تجنيد أكثر من 840 طفلا في النزاعات المسلحة، مع ترجيحات بأن تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير، بسبب صعوبة الوصول إلى الأطفال الذين لا يزالون داخل مناطق القتال.

سرقة الطفولة

ويحذر عويس من أن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على سرقة الطفولة، بل تمتد لتدمير مستقبل كامل، مشيرا إلى أن غالبية النزاعات، في المنطقة العربية وغيرها، شهدت تجنيد الأطفال.

وتشدد اليونيسيف، بحسب عويس، على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز حماية الأطفال في النزاعات، وضمان وصولهم إلى التعليم باعتباره تدخلا منقذا للحياة، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي.

فالأطفال العائدون، كما يوضح، يعانون من صدمات نفسية عميقة نتيجة ما شهدوه وما أجبروا على فعله، إلى جانب تحديات اجتماعية تتعلق بقدرة المجتمعات على تقبلهم من جديد. ولهذا، تعمل اليونيسيف مع الحكومات والمنظمات المحلية على إعداد المجتمعات نفسها لإعادة دمج هؤلاء الأطفال، ومنحهم فرصة حقيقية للعودة إلى الحياة.

وفي لوكودي يقف نصب تذكاري قرب المدرسة التي شهدت مأساة الخطف، والذي شيده الأهالي ليبقى شاهدا على الألم، ورسالة تحذير للمستقبل.

فالجنود الأطفال ليسوا مجرد ضحايا حربٍ مضت، بل اختبارا حقيقيا لقدرة العالم على كسر دائرة العنف. وإن لم تعالج هذه المأساة بجدية، فإن النزاعات ستواصل إنتاج أجيال جديدة، تكون نزعتها إلى الحرب أقوى من نزعتها إلى السلام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا