لم تكن رحلتي من واشنطن إلى لوس أنجلوس مجرد مهمة صحفية، بل كانت تجربة إنسانية كاملة حملتني من مناخ العاصمة السياسي البارد إلى دفء مدينة تشبه فسيفساء من الثقافات والثراء والتناقضات.
ست ساعات في الجو كنت أرتّب فيها أسئلتي، وأفكّر في الوجوه التي سأقابلها، وأحاول أن أتخيّل ملامح مدينة سمعت عنها كثيرا ولم أرها وجها لوجه من قبل.
هبطنا في بيفرلي هيلز، المدينة المفتوحة على الحكايات. نزلنا أنا وزميلي مروان من الطائرة حاملين حقائبنا المليئة بمعدات التصوير والإضاءة، وخرجنا إلى الشمس. هواء دافئ، وسماء صافية تشعرك أن كل شيء ممكن.
في الطريق من المطار، كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الشوارع الواسعة، السيارات الفارهة، البنايات، والأحياء التي تفيض بيوتها بثراء باذخ.
كان من المقرر أن يتم التصوير خلال أربعة أيام. أولى محطاتنا كانت في طهرانجلوس، – الاسم غير الرسمي لحي لوس أنجلوس غالبية سكانه من الإيرانيين. دخلت متجرا صغيرا، فبادرتني صاحبة المحل بالأسئلة: “من أين أنا؟ وماذا أفعل في لوس أنجلوس؟. خلال دقائق، وجدت نفسي أشرح لها عن الفيلم الوثائقي الذي نعده عن اليهود الإيرانيين في المدينة، وعن رحلتي، وعن عملي. وفي النهاية، قالت لي: “هنا كلنا غرباء، لكننا نتعلّم أن نكون عائلة”. خرجت وأنا أفكر بجملتها التي اختصرت المدينة.
يتميّز طهرانجلوس بخصوصية لافتة، إذ تغيب عنه سلاسل المتاجر الأميركية المعروفة التي نراها في معظم الولايات، لتحل محلها محال بقالة صغيرة، بمنتجات إيرانية الأصل. وتسمع أصوات لغة مألوفة في الشارع. تمرّ بأم وابنتها تختاران الخضار المعروضة أمام الدكان، في مشهد يومي بسيط، لكنه يعيد إلى الذاكرة صورا لا يفهم عمقها إلا من عاشها أو رآها من قبل في مدينته.
شعرت فجأة أنني في بيروت، قلت لنفسي، هذه ليست لوس أنجلوس فقط، هذه قطعة من الشرق مزروعة هنا، الطريقة التي ينادي فيها البائع الزبائن، الأسئلة السريعة، والضحكة التي تأتي قبل الحساب، كل ذلك ذكّرني بلبنان، في الشكل، والروح أيضا.
قد يبدو سردي هذا رومانسيا إلى حد ما، وربما يحمل قدراً من الانفعال، لكنني أعتقد أن أي زائر لهذه المدينة وهذه الأحياء سيخرج بانطباع مشابه. ما أحاول نقله هنا هو خلاصة مشاهدات تركت أثرا واضحا في نفسي، إلى درجة أنني شاركت الزملاء بها مرارا، لأن تأثيرها كان استثنائياً مقارنة برحلات عمل أخرى اعتدت أن أمرّ بها بقدر أكبر من الحياد.
في أول لقاء لي مع أشخاص من الجالية الإيرانية، لم أشعر أنني في مقابلة عمل. جلست، شربنا القهوة، وتحوّل الحديث بسرعة إلى حكايات شخصية، من أين جاؤوا، متى غادروا إيران، من بقي هناك، ومن رحل. شعرت أنني لا أطرح أسئلة فقط، بل أفتح أبواب ذاكرة. في لحظات كثيرة، كنت أنسى الكاميرا نهائياً وأصغي باهتمام شخصي لا كصحفية فقط. ذكرتني بيوت الإيرانيين الذين التقيتهم في لوس أنجلوس كثيرا ببيوتنا الشرقية. في كل مرة أدخل بيتًا للتصوير، يواهني نفس الإصرار على الضيافة: قهوة، شاي، طعام، وحديث ودي طويل قبل بدء التصوير. كنت أشعر أنني ضيفة فعلا، لا صحفية في مهمة فقط. هذا الكرم، وهذه الحميمية، جعلا المسافة بيننا أقصر، وجعلاني أشعر أنني قريبة منهم رغم اختلاف الخلفيات.
الإيرانيون الذين التقيتهم كانوا قريبين مني في التفاصيل الصغيرة، الإصرار على الضيافة، السؤال عن العائلة، محاولة خلق علاقة قبل العمل، حتى عمدة المدينة، شارونا نازاريان، أصرت على أن أتذوّق قطعة من الحلوى الإيرانية “كز كرماني” وأن أحتسي فنجان قهوة. قالت لمساعدتها، بابتسامة لا تخلو من الحزم: “حتى لو قالوا إنهم لا يريدون القهوة، عليكِ أن تُصرّي. نحن شرقيون، وهكذا نُعبّر عن الضيافة”.
كنت أقول في داخلي، هؤلاء يشبهوننا أكثر مما نعتقد، في كل مرة أخرج من بيت أو لقاء، كنت أشعر أنني أترك خلفي قصة، لا مجرد مقابلة.
حتى القيادة في لوس أنجلوس أصبحت جزءا من القصة. طرق سريعة، مسافات طويلة، ساعات أقضيها خلف المقود، لنتنقل من منطقة إلى أخرى. في تلك اللحظات، كنت أفكر كثيرا بالناس الذين التقيتهم، بالقصص التي سمعتها، وبنفسي أيضا. كنت أشعر أن كل طريق هو مساحة للتفكير، وكأن المدينة تمنحك الوقت لتراجع نفسك، بينما تسرق منك الوقت في نفس اللحظة.
في طريق آخر، وأنا أقود على طريق سريع طويل، رافقتني أغنية لسيد درويش، “أهو ده اللي صار”. مررنا بجانب لوحة ضخمة لهوليوود، وضحكت في داخلي… سيد درويش في هوليوود؟ كان المشهد سرياليا. شعرت أنني أحمل عالمي معي، أينما ذهبت، وأن هذه الرحلة ليست انتقالا في المكان وحسب، إنما مواجهة بين ذاكرتي وهذا المكان.
من أكثر اللحظات تأثيرًا في الرحلة كان لقائي الأول بحاخام يهودي، وزيارتي الأولى لكنيس يهودي. لم تكن تجربة عادية بالنسبة لي. دخلت المكان بفضول، واحترام، وبشيء من الرهبة أيضًا. شعرت أنني لا أزور مكانًا جديدا فقط، بل أدخل إلى تاريخ طويل، وإلى ذاكرة جماعية مليئة بالألم، والبقاء، وإعادة بناء الذات. كانت لحظة جعلتني أفكر كم أن العمل الصحفي يمكن أن يفتح لنا أبوابًا على عوالم لم نكن لندخلها لولا الكاميرا.
في كل هذه التفاصيل، كنت أكتشف شيئًا عن نفسي أيضًا. كنت أشعر أنني أتحرك بين عالمين، أحمل الشرق في قلبي، وأمشي في شوارع الغرب. لوس أنجلوس لم تكن بالنسبة لي مجرد موقع تصوير. كانت مرآة، ومكان اختبار، ومساحة جعلتني أرى الغربة بشكل مختلف: إنها شبكة من الناس الذين قرروا أن يصنعوا بيتا، حتى وهم بعيدون عن بيوتهم الأولى.
عدت من هذه الرحلة وأنا أعرف أنني لم أجمع فقط لقطات. جمعت وجوهًا، وجُمَلًا، وطرقات، وأصواتًا، ومشاهد ستبقى معي طويلًا. كانت رحلة إلى مدينة الحلم، لكنها كانت أيضًا رحلة إلى حكايات الناس… وإلى حكاية تشبهني أكثر مما توقعت.
رحلة عمل، نعم، لكنها أيضًا رحلة شخصية، في معنى الانتماء، وفي كيف يمكن للإنسان أن يكون بعيدًا… من دون أن يشعر أنه وحيد.
المصدر:
الحرة