أجمعت مواقف فلسطينية سياسية وتحليلية على أن إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية– تواصل المماطلة وافتعال الذرائع، رغم تسليم جثمان آخر أسير إسرائيلي لدى المقاومة، وذلك عبر محاولة ربط تنفيذ الاتفاق بقضية نزع سلاح المقاومة، في وقت يؤكد فيه الفلسطينيون التزامهم الكامل ببنود الاتفاق، وحقهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم، وضرورة إلزام الاحتلال بالانسحاب وفتح المعابر وإدخال المساعدات وإطلاق مسار الإعمار.
وأكد عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) حسام بدران أن الحركة ملتزمة بالتعامل مع مسألة السلاح الفلسطيني ضمن المحددات الوطنية والقوانين الدولية، مشددا على أن السلاح الفلسطيني حق طبيعي للدفاع عن النفس، ويدار داخليا وفق إرادة الشعب الفلسطيني، وليس استجابة لمطالب الاحتلال أو لضغوط خارجية.
وقال بدران، في مقابلة مع برنامج المسائية على الجزيرة مباشر، إن العثور على جثمان الأسير الإسرائيلي الأخير في غزة، الجندي "ران غفيلي"، يسقط كل ذرائع حكومة بنيامين نتنياهو لتعطيل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدا أن المقاومة أوفت بكامل التزاماتها، وسلمت جميع الأسرى الأحياء والجثامين وفق ما تم الاتفاق عليه مع الوسطاء والضامنين الدوليين.
وأشار إلى أن الاحتلال لا يزال يماطل في تنفيذ التزاماته، وعلى رأسها فتح معبر رفح في الاتجاهين، معتبرا أن استمرار التأخير يؤكد أن مسألة الجثامين لم تكن سوى ذريعة لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
وطالب بدران الوسطاء والضامنين ببذل مزيد من الجهود والضغط الجاد لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود الاتفاق، بما يشمل الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وبدء الإعمار.
وحذر بدران من محاولات نتنياهو ربط المرحلة الثانية، الخاصة بالإعمار والمساعدات، بمسألة نزع سلاح المقاومة، مؤكدا أن حماس ترفض أي شروط من شأنها تفريغ الاتفاق من مضمونه، وأن قضية السلاح شأن فلسطيني داخلي يقرره الفلسطينيون وحدهم. ولفت إلى أن المرحلة الثانية أكثر خطورة وأهمية، وتتطلب متابعة دقيقة مع الوسطاء لمنع أي التفاف على حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي ختام حديثه، شدد بدران على أن المقاومة ستواصل مراقبة سلوك الاحتلال خلال المرحلة الثانية كما فعلت في الأولى، وستبحث مع القوى الفلسطينية أفضل الخيارات للرد على أي محاولة مراوغة أو تعطيل، مؤكدا التزام الحركة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والدفاع عن نفسه.
من جهته، اعتبر الباحث والمحلل السياسي، المدير التنفيذي لمنظمة "أمريكيون من أجل العدالة في فلسطين"، أسامة أبو ارشيد، أن الذرائع الإسرائيلية لم تنته بتسليم الجثمان. مشيرا إلى أن نتنياهو انتقل مباشرة إلى قضية نزع سلاح المقاومة ليجعلها ذريعة مركزية جديدة لتعطيل الاتفاق.
وقال أبو ارشيد إن نتنياهو يطرح فتحا محدودا لمعبر رفح يقتصر على الأفراد، بما يعني عمليا استمرار تعطيل دخول المساعدات والبيوت المتنقلة، محذرا من أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدا بسبب الإصرار الإسرائيلي على تفريغ الاتفاق من مضمونه الإنساني والسياسي.
وأشار إلى أن الضغوط الأمريكية على إسرائيل ستستمر، لا سيما أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا تريد فشلا في غزة يرتبط باسمها، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة التزام نتنياهو الكامل بالاتفاق.
واعتبر أن خطة جاريد كوشنر تمثل، في جوهرها، مشروع تحكم بالسكان وتحويل غزة إلى "مناطق احتجاز إسمنتية" بلا حقوق سياسية، مع إبقاء فكرة التهجير قائمة تحت مسميات اقتصادية.
وأكد أبو ارشيد أن الواقع في غزة كارثي، وأن المشروع الوطني الفلسطيني يواجه تحديا مصيريا، محذرا من أن ما جرى في غزة قد يكون نموذجا لما قد تتعرض له دول أخرى، في ظل صمت دولي وغربي عن انتهاكات الاحتلال للقانون الدولي.
بدوره، شدد الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي على أن مركز النضال الوطني الفلسطيني سيبقى داخل فلسطين، مؤكدا أن المعركة الأساسية هي معركة البقاء على الأرض وإفشال مخططات التهجير، في حين يكمل دور الفلسطينيين في الخارج هذا الصمود عبر التضامن الدولي.
وأكد البرغوثي أن نتنياهو كان قادرا على الوصول إلى جثمان الأسير منذ أسابيع، لكنه تعمد المماطلة لأنه لا يريد الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، مشيرا إلى أن إسرائيل لم تلتزم أصلا ببنود المرحلة الأولى، وخرقت وقف إطلاق النار أكثر من 1300 مرة، مما أسفر عن استشهاد مئات الفلسطينيين.
وختم البرغوثي بالتأكيد على أن ما يسعى إليه نتنياهو، بدعم أمريكي، هو نزع حق الشعب الفلسطيني في النضال والمقاومة، محذرا من أن التنازل عن هذا الحق يعني القبول بالتهجير وإنهاء الوجود الفلسطيني، ومشددا على أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تكون متوازنة ولا تمس جوهر الحقوق الوطنية الفلسطينية.
المصدر:
الجزيرة