في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- لأول مرة منذ عام 2011، يشهد إقليم النيل الأزرق في جنوب شرق السودان تهديدات كبيرة نتيجة تجمع قوات الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية- شمال، في المناطق الجنوبية والغربية للإقليم، القريبة من الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، تمهيدا لاحتمال شن هجمات عسكرية.
في هذا الإقليم -الذي ظل هادئا نسبيا- يسيطر الجيش على عاصمته مدينة الدمازين، وقد تمكن من منع سقوطها طوال فترة وجود الدعم السريع في المناطق الممتدة بين ولاية سنار وأطراف الإقليم، خلال انتشار هذه القوات في سنار والأجزاء الشمالية من النيل الأزرق خلال عام 2024.
بيد أن تطورات جديدة تقترب من تحويل الإقليم إلى منطقة عسكرية نشطة، حيث قصفت قوات الدعم السريع بالمسيرات الدمازين والروصيرص التي يوجد بها "سد الروصيرص". كما قصف الجيش السوداني بالمسيرات حشودا لقوات الحركة الشعبية والدعم السريع في منطقة بابوس معقل الحركة، حيث كانت تستعد لشن هجوم بري على منطقتي الكرمك والقيسان القريبتين من الحدود الأثيوبية.
وفي هذا التقرير، تعرض عليكم الجزيرة نت أبرز المعلومات المتعلقة بإقليم النيل الأزرق والصراع العسكري القائم فيه.
يتكون إقليم النيل الأزرق من محافظات قيسان، والكرمك، والروصيرص، والتضامن، وباو، وود الماحي، بالإضافة إلى العاصمة الدمازين. وتتركز الكثالافة السكانية فيها، وفي الروصيرص، والكرمك، وجبال الأنقسنا نظرا لقربها من مصادر المياه والأراضي الزراعية، ويضم كذلك خزان الروصيرص.
ويعتمد السكان على الزراعة والرعي وصيد الأسماك، والعمل في التعدين والنشاط الاقتصادي التقليدي.
يتميز الإقليم بموقعه الإستراتيجي، حيث يحده جنوب السودان وإثيوبيا وولاية سنار، ويمكن الوصول إليه عبر الشريط الحدودي إلى ولاية النيل الأبيض، كما تربطه طرق ب ولاية الجزيرة في وسط السودان، ويحتضن سد الروصيرص لتوليد الكهرباء، الذي يزود الشبكة القومية ويخدم المدن في وسط البلاد والخرطوم.
بعد طردها من ولاية سنار، حاولت الدعم السريع السيطرة على أجزاء من إقليم النيل الأزرق، حيث تسللت مجموعات صغيرة إلى منطقتي الدالي والمزموم، وصولا إلى محلية التضامن الحدودية مع جنوب السودان، لكنها اقتصرت على هجمات تكتيكية محدودة.
في المقابل، انتشرت في الإقليم قوات الحركة الشعبية- شمال بقيادة جوزيف توكا، التي تمكنت بعد اندلاع الحرب في يونيو/حزيران 2023 من الاستيلاء على عدة مناطق في محلية الكرمك جنوب الإقليم، بما في ذلك خور البودي، وديم منصور، وجرط غرب، ولا تزال هذه المناطق تحت سيطرتها حتى الآن.
بدأ التنسيق بين القوتين عقب انضمام الحركة الشعبية- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو إلى ميثاق تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) برئاسة قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو " حميدتي"، في فبراير/شباط الماضي.
وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شرعت القوتان في العمل المشترك، وسيطرتا على بعض المناطق الصغيرة في محلية باو، قبل أن تتقاربا في منطقة مغجة، حيث تم افتتاح مركز تدريب مشترك في إحدى مناطق المحلية.
كما كشفت مصادر رسمية سودانية للجزيرة نت -فضلت حجب هويتها- أن السلطات الإثيوبية تنسق عسكريا مع قوات الدعم السريع عبر قوى إقليمية داعمة لها، حيث تم الاتفاق على خطوط إمداد وبناء معسكرات تدريب وتجهيز مهابط للطائرات.
ورُصدت حركة إمداد لوصول مركبات قتالية ومنظومات مدفعية وأجهزة تشويش عبر مدينة أصوصا، عاصمة إقليم بني شنقول قمز في شمال غرب إثيوبيا المتاخم للنيل الأزرق، والتي تضم سد النهضة.
وأفادت المصادر بأن الإمدادات اللوجستية للمعسكر، الذي يضم "مرتزقة من جنوب السودان وإثيوبيا وكولومبيا"، تصل عبر ميناءَي بربرة الصومالي ومومباسا الكيني قبل نقلها إلى داخل إثيوبيا.
ورصدت السلطات السودانية خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي نشاط قيادات من الحركة الشعبية- شمال والدعم السريع في منطقة أصوصا، أبرزهم جوزيف توكا وعبيد أبوشوتال زعيم إثنية الهمج في النيل الأزرق، الذي انضم إلى الدعم السريع منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب.
ونشرت منصات قريبة من الجيش الأسبوع الماضي صورا لشاحنة محترقة قرب أصوصا، قالت إنها كانت تحمل أسلحة في طريقها إلى الحدود السودانية قبل أن تهاجمها مليشيا إثيوبية وتضرم فيها النار. كما استخدم التحالف الجديد طائرات مسيرة لاستهداف مدن الدمازين، والكرمك، والروصيرص، انطلاقا من مناطق يابوس، ومكلف، وبليلة.
دفعت القوات المسلحة السودانية بتعزيزات كبيرة ورفعت مستوى انتشارها على الحدود مع إثيوبيا، ضمن إجراءات لتعزيز الرقابة ومنع أي تهديد محتمل.
وتفقد رئيس أركان الجيش، محمد عثمان الحسين، مقر الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين، مؤكدا دعم القيادة العامة "للجهود الرامية لحسم التمرد وتثبيت الأمن في نطاق مسؤولية القوات بإقليم النيل الأزرق"، وأوضحت قيادة الفرقة الرابعة -في بيان- أن رئيس الأركان تلقى تقريرا عن الوضع الأمني والعملياتي من قائد الفرقة إسماعيل الطيب.
وفي تحرك عسكري يعد الأوسع منذ مطلع العام على الجبهة الشرقية، دفعت قيادة الجيش بقوة متحركة إلى ولاية النيل الأزرق ضمت مقاتلين من قوات "درع السودان" بقيادة أبو عاقلة كيكل، في خطوة تهدف إلى تأمين الحدود الشرقية وقطع ما وصفته مصادر عسكرية -طلبت حجب هويتها- للجزيرة نت بـ"شرايين الإمداد" الخارجية لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية- شمال. وانتشرت التعزيزات في مدينة الدمازين ومناطق قيسان والكرمك الحدودية.
نفذ سلاح الجو السوداني غارات على مواقع الحركة الشعبية- شمال في منطقة يابوس بولاية النيل الأزرق، الأحد الماضي، وقالت المصادر العسكرية للجزيرة نت إن الضربات أدت إلى تدمير مركبات قتالية وشاحنات وقود وأخرى تقل عناصر مقاتلة، ومقتل عشرات بينهم مرتزقة أجانب، بعد رصد تحركات لقوات يقودها جوزيف توكا وأبو شوتال كانت تستعد لشن هجمات على مناطق بالإقليم.
ونشرت منصات على مواقع التواصل الاجتماعي قائمة بأسماء أكثر من 40 مقاتلا قالت إنهم سقطوا في القصف، فيما ذكرت منصات قريبة من الجيش أن الضربات أسفرت عن تدمير عشرات المركبات ومقتل نحو 150 من قوات الحركة الشعبية والدعم السريع والمرتزقة.
في المقابل، أفادت الحركة في بيان بأن القصف الذي نفذه الجيش بطائرة مسيرة "أسفر عن مقتل 93 مدنيا وإصابة 32 آخرين، حيث كانوا في طريق عودتهم من سوق يابوس وحقول التعدين التقليدي متجهين إلى القرى المجاورة".
أوضحت مصادر حكومية للجزيرة نت أن التحالف يسعى إلى تنفيذ سياسة شد الأطراف، من خلال تشتيت جهود القوات السودانية التي تتركز عملياتها حاليا في إقليمي كردفان و دارفور بعد تحرير العاصمة الخرطوم ووسط البلاد.
وأفادت المصادر -التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها- بأن قوات الدعم السريع تدرك أن الجيش والقوات المساندة له يقتربون من تضييق الخناق عليها في غرب البلاد، وتسعى إلى إيقاف تقدمهم وجرهم من الغرب إلى الشرق لتخفيف الضغط عنها.
كما تهدف إلى تهديد ولايات وسط السودان مجددا عبر النيل الأزرق، لزعزعة الاستقرار وإرسال رسائل داخلية وخارجية بأنها لا تزال قادرة على العودة إلى المناطق التي اضطر الجيش للانسحاب منها في نهاية عام 2024 وبداية العام الماضي.
يرى الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر أن قوات الدعم السريع تسعى إلى فرض طوق عسكري يربط مواقع سيطرتها في جنوب كردفان وجنوب غرب الإقليم والمناطق الحدودية مع جنوب السودان، بالقوات المنتشرة في النيل الأزرق والشريط الحدودي مع إثيوبيا، ما يعني إقامة "هلال لوجستي" مكتمل من الشرق إلى الغرب.
وأضاف للجزيرة نت أن أي هجوم واسع في الجبهة الشرقية قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، مما سينعكس سلبا على الوضع الإنساني عبر زيادة معدلات النزوح الداخلي وتدفق اللاجئين إلى إثيوبيا.
وقال إن أديس أبابا ستتكبد خسائر نتيجة انتشار الفوضى والسلاح ووجود بيئة مواتية للمعارضين المسلحين، لكنها تواجه ضغوطا من قوى إقليمية لتمرير الدعم اللوجستي للتحالف العسكري السوداني عبر أراضيها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة