آخر الأخبار

زين العابدين بن علي.. الديكتاتور الذي ابتلع زواجه جمهوريتين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في قصر قرطاج بالعاصمة التونسية، وفي ليلة الثالث عشر من يناير/كانون الثاني 2011، كان الهواء داخل المكتب الرئاسي ثقيلا ومشبعا برائحة الخوف لأول مرة منذ وقت طويل. فقد سكن ذلك الخوف شوارع البلد لعقود، لكنه الآن اقتحم القصر مع هتافات التونسيين ليحاصر الرئيس الجالس خلف المكتب الفخم، زين العابدين بن علي.

بدا الرجل الذي حكم تونس بقبضة حديدية لثلاثة وعشرين عاما في تلك الليلة أكبر كثيرا من عمره، وأضأل كثيرا من صوره المعلّقة في الشوارع وفي كل إدارة حكومية ومخفر شرطة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "المجاهد الأكبر" الذي ظن أن باريس أقرب إليه من مكة
* list 2 of 2 راشد الغنوشي.. سيرة زعيم إسلامي عالمي في دولة وطنية end of list

وقف بن علي ببدلته الداكنة وربطة عنقه التي اختيرت له بعناية لتوحي بالرصانة والاستقرار، وشعره المصبوغ بالسواد الذي أبرز شحوب وجهه بدلا من أن يخفيه، متوجها للكاميرا، وعيناه اللتان اعتادتا قراءة التقارير الأمنية ببرود تتحركان بقلق باحثتان عن مخرج في عدسة الكاميرا من أمامه.

لم يكن خطاب بن علي في تلك الليلة شبيها بخطاباته التي ألقاها على مدار سنوات. هذه المرة كانت الكلمات تخرج من فمه متعثرة، مغطاة بنبرة انكسار لم يعتد عليها التونسيون. وللمرة الأولى ربما، تخلى بن علي عن اللغة العربية الفصحى التي كان يقرأها بجمود متعالٍ، بلسان الشارع التونسي الذي ظن أنه دجّنه للأبد.

"أنا فهمتكم.. نعم فهمتكم.. فهمت الجميع.. البطال والمحتاج والسياسي" خرجت عبارته، التي صارت مَثَلا، مبحوحة في صورة اعتراف متأخر. وفي بضع دقائق يائسة، حاول الرئيس أن يخلع بزة الجنرال ليظهر كأب ديمقراطي للشعب الذي ضاق به ذرعا. وعد بن علي بوقف إطلاق الرصاص، وبإطلاق حرية الإعلام، وبعدم الترشح للرئاسة مجددا. لكن التقارير التي كانت تصله كانت تؤكد الحقيقة المرعبة، وهي أن كلماته لم تعد تُجدي نفعا، وأن الشارع لم يعد يسمع بعد أن تهاوى جدار الخوف والصمت الذي بنته الدولة لعقود.

في تلك اللحظة لم يكن زين العابدين بن علي يخاطب شعبه بقدر ما كان يحاور شبحه، شبح المنقذ الذي صدّقه في 1987، وشبح الطاغية الذي انتهى إليه في 2011. كانت لحظة مهيبة فعلا، إذ كيف تحول ذلك الضابط الشاب، المنضبط والصامت، ابن الدولة البورقيبية، إلى ذلك الشيخ السبعيني المعزول الذي يتوسل شعبه للبقاء؟ وكيف آلت دولة التحديث التي تغنى بها الأوروبيون والغرب إلى ذلك النظام الجمهوري العائلي الذي تآكل من الداخل حتى الثورة؟

إعلان

إن الحكاية التي نحن بصددها ليست قصة كتلة واحدة صلبة، بل هي فسيفساء متشابكة لرجل أمن صنعته الأجهزة، ورئيس وعد بالديمقراطية في بداياته ثم غرق في بحر الاستبداد. فقد كان في عيون محبيه -القلائل- منقذا انتشل تونس من فوضى الثمانينيات، وأمام شعبه طاغية أفسد الحياة السياسية قبل أن تلفظه الشوارع الغاضبة. وتُمثِّل قصته حالة فريدة، حيث امتد حكمه لأكثر من عقدين، جاعلا الدولة قوية على السطح، بينما كانت بنيتها الداخلية تزداد هشاشة يوما بعد يوم.

لفهم هذه اللحظة، ولتفكيك شفرة هذا السقوط المدوي، علينا أن نرجع بالذاكرة إلى الوراء، وأن نغادر قصر قرطاج المحاصر إلى المدينة الساحلية الهادئة حمام سوسة، وتحديدا إلى عام 1936.

مصدر الصورة لم يكن خطاب بن علي في في ليلة 13 يناير/كانون الثاني 2011 شبيها بخطاباته التي ألقاها على مدار سنوات (الجزيرة)

بذور الوطنية والانضباط

في الثالث من سبتمبر/أيلول 1936، وفي المدينة التاريخية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وُلد زين العابدين بن علي. نشأ الطفل في كنف أسرة متوسطة الحال، فلم يكن لأفراد أسرته جاه أو نفوذ إلا ما تجنيه أيديهم من كدٍّ وعمل. لم يكن لأحد أن يتخيل، ولا حتى أكثر المتفائلين، أن هذا الطفل سيغدو يوما سيد قصر قرطاج والحاكم المطلق للبلاد الواقعة حينها تحت الاحتلال الفرنسي.

لكن ملامح شخصية بن علي كانت تتشكل ببطء وثبات في ذلك الفضاء الذي تختلط فيه أحلام الطبقة الوسطى برغبة جامحة في صعود السلم الاجتماعي. ففي سنوات شبابه الأولى، لم يُظهر زين العابدين شغفا كبيرا بالفكر المنظّر أو الثقافة والأدب، بل كان ميله واضحا نحو الانضباط والالتزام العسكري.

تقول الروايات عن تلك الفترة إنه التحق بثانوية سوسة، وهناك بدأ أول احتكاكاته بالسلطة والنظام، حيث يُروى أنه طُرد منها وسُجن بسبب نشاطه في المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. كانت هذه التجربة المبكرة بمنزلة إشارة أولى إلى الطريق الذي سيسلكه؛ طريق يتجه بعيدا عن مقاعد الدراسة التقليدية، ومباشرة نحو عالم الجندية والصرامة.

وجد بن علي ضالّته في المؤسسة العسكرية. فهناك، اكتشف المكان الذي يُقدِّر صمته المبالغ. وهناك ترسخت لديه قناعة سترافقه طيلة حياته، مفادها أن الطريق الوحيد للتقدم يمر حصرا عبر النظام السياسي، وعبر امتلاك القوة وتوزيعها حسب المصلحة والهوى.

كانت النقلة النوعية في حياته حين سافر في رحلة إلى فرنسا للتعليم والتدريب. وفي مدارس الاستخبارات الفرنسية، تعلم بن علي الفنون العسكرية التقليدية. عاد بن علي من فرنسا إلى تونس رجلا مزودا بخبرة أمنية استخباراتية رفيعة. كان توقيت عودته مثاليا، إذ كانت الدولة الوطنية الناشئة بقيادة الحبيب بورقيبة تبحث عن رجال أوفياء، أو "تكنوقراط" أمنيين قادرين على بناء أجهزة صلبة لضبط البلاد وحماية النظام.

انخرط بن علي في دوائر الدولة، وبدأ نجمه يصعد ببطء لكن بثبات داخل الأجهزة الأمنية المعقدة. لم يكن مستعجلا، بل كان يتحرك بحذر شديد. كُلِّف بمهام استخباراتية حساسة تتطلب كتمان الأسرار، ثم تولى رئاسة الأمن العسكري، وهو منصب وضعه في قلب المؤسسة الأقوى.

إعلان

في هذه الفترة، لم تقتصر مسيرته على الداخل التونسي، بل عُيّن سفيرا في بولندا لعدة سنوات. كانت تلك التجربة الدبلوماسية في دولة شيوعية (آنذاك) فرصة ذهبية زادت من احتكاكه بالعالم الخارجي. لقد منحته تلك السنوات القدرة على التحرك بهدوء بعيدا عن الأضواء الكاشفة، وعلّمته درسا إستراتيجيا سيصبح جزءا من حمضه النووي السياسي؛ المكث والانتظار الطويل.

حمل بن علي معه دوما ذلك المزيج الغامض من الصمت والانضباط، وكأنه كان طوال تلك السنوات يُعِدُّ نفسه لموعد أكبر يلوح في الأفق. لقد تشكلت في تلك المرحلة الملامح الأولية للرئيس القادم، فهو ابن شرعي لمدرسة الأمن، الذي يرى أن الحكم ليس ساحة للخطابة والشعارات البورقيبية، بل باعتباره غرفة عمليات تُدار بالتقارير والمعلومات.

في سوسة، حيث الجذور، وفي أروقة الاستخبارات حيث التنشئة والترقي، كان بن علي يراكم القوة منتظرا اللحظة التاريخية التي ستُناديه للخروج من الظل إلى دائرة الضوء الساطعة، ليرتدي معطف الدولة.

مصدر الصورة بن علي الشاب بصفته ضابطا عسكريا في تونس عام 1961 (الصحافة التونسية)

ليلة القبض على "المجاهد الأكبر"

بحلول خريف 1987، كان قصر قرطاج، ذلك الصرح الأبيض المُطل على البحر، يعيش حالة من الوجوم والترقب. كان القصر يشبه قمة جبال الأوليمب، وكان بورقيبة يشبه إلها إغريقيا عجوزا ذا تاريخ عريق يصارع الشيخوخة ويؤخر المستقبل، وتحول إلى ظل زعيم خلف الجدران المزخرفة، وكانت القرارات تصدر منه مرتبكة، والتعليمات متناقضة.

وكان المقربون منه، من وزراء ومستشارين وأقارب، يتنازعون النفوذ على أنقاض النظام المترهل. ولم يكن الوضع في الشارع أفضل منه في القصر، فقد كانت المعارضة مشتتة بين يسار غير موحد، ونقابات تبحث عن موطئ قدم في السياسة، لكن الخطر الأكبر الذي كان يؤرق أجهزة الدولة الأمنية هو صعود حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقا).

كانت المواجهة بين نظام بورقيبة والإسلاميين قد وصلت إلى مرحلة كسر العظم، فقبل رحيله رأى بورقيبة الشباب التونسي والطبقات الوسطى التي استثمر في تعليمها الغربي وإبعادها عن تراثها الزيتوني، رآها تنجذب للخطاب الديني، وهو ما خلق لديه ولدى حاشيته حالة مقلقة من انعدام اليقين والخوف من المستقبل. في تلك اللحظة بدت الدولة التونسية كسفينة بلا ربان، مهددة بالغرق في أي لحظة، وعلى دفّتها رجال يتصارعون بلا وجهة سوى إرث مَن كان يسمّى "المجاهد الأكبر".

في هذا الفراغ المخيف، بدأت الأنظار تتجه نحو الرجل الصامت في وزارة الداخلية. أحد المتصارعين، لكنه يبدو ببدلته العسكرية وخلفيته الأمنية الصارمة حلا عقلانيا لأزمة الحكم. لم يكن الرجل يمتلك كاريزما بورقيبة، ولا أيديولوجيا عميقة، وليس من عائلة طموحة للسلطة، وأنسباؤه من البسطاء، وهو في كل ذلك بارد وقادر على ضبط الإسلاميين الصاعدين بقوة في تهديد واضح لمشروع الدولة البورقيبية.

كانت المعادلة بالنسبة لبن علي واضحة، الدولة تحتاج إلى استعادة هيبتها، والحكم يحتاج إلى مَن يمسك به، حتى لو كان الثمن هو الديمقراطية التي لم تنشأ بعد.

ولم يكن قرار بن علي تونسيا خالصا، ففي هذه اللحظة كان المشهد الإقليمي والدولي يضغط بقوة نحو التغيير. الجزائر، الجارة الكبرى، تقف على حافة انفجار سياسي واقتصادي سيقودها للعشرية السوداء، وليبيا القذافي تُصدِّر خطابات مقلقة لا لتونس وحدها، بل للمنطقة بأكملها، ومصر تواجه عنف جماعات مسلحة وتُصدِّر فزاعة "الإسلاميين" للعالم.

كان العالم يراقب أيضا، ولم تكن باريس والعواصم الغربية تريد ديمقراطية بقدر ما أرادت استقرارا يمنع صعود الإسلاميين إلى الضفة الشمالية من المتوسط. كان بورقيبة قد انتهى بالنسبة للجميع في الداخل والخارج، وكان البديل إسلاميا فتيا مرعبا، وهنا برز بن علي بصفته رجل المرحلة البراغماتي القادر على احتواء الإسلاميين، والحفاظ على توجه البوصلة التونسية نحو أوروبا، وضمان المصالح الغربية.

مصدر الصورة الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بن علي بورقيبة (يمين) يصافح رئيس وزرائه زين العابدين بن علي عام 1986 (الفرنسية)

وفي الساعات الأولى من فجر السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، تحركت الآلة الأمنية بدقة متناهية. بلا دبابات تجوب الشوارع أو حشود ثورية، نفذ بن علي عملية جراحية دقيقة بمبضع رجل الأمن. استدعى بن علي، الوزير الأول (رئيس الوزراء) ووزير الداخلية، مجموعة من الأطباء لإثبات "العجز الصحي الدائم" للرئيس بورقيبة.

إعلان

إذا كان ثمة رصاصة أُطلقت تلك الليلة فهي تلك الورقة الطبية. وبموجب الفصل 57 من الدستور التونسي، فُعِّلت مادة شغور منصب الرئيس، مما أتاح لزين العابدين تولي الرئاسة بشكل قانوني ودستوري، ولو ظاهريا على الأقل.

وبينما كان بورقيبة نائما في قصره، غير مدرك أن زمانه قد ولى، كان بن علي قد سيطر على مفاصل الدولة ومبنى الإذاعة والتلفزيون، والوزارات السيادية، واستيقظ ومعه تونس على عهد جديد.

مع بزوغ شمس السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، انطلق صوت زين العابدين بن علي عبر الإذاعة الوطنية يقرأ بيانه الأول. كان صوتا مختلفا عن نبرة بورقيبة المتعالية، فقد كان هادئا، ومطمئنا حين قال للتونسيين ما كانوا يتوقون لسماعه: "لا مجال للرئاسة مدى الحياة"، و"لا ظلم بعد اليوم"، وتعهد بفتح صفحة جديدة من التعددية السياسية واحترام القانون. كان الخطاب مدروسا بذكاء شديد، فقد خاطب توق الناس للحرية، وخوفهم من الفوضى في آنٍ واحد.

سرت في الشارع التونسي موجة عارمة من الارتياح والتفاؤل. الصحف كتبت عن "الربيع الديمقراطي"، والنخب السياسية، حتى المعارضة منها، تنفست الصعداء. لقد بدا أن بن علي قد أنقذ البلاد فعلا من شيخوخة النظام ومن المجهول.

وهكذا، نجح الانقلاب الأبيض. لم تُرق قطرة دم واحدة، وتم العزل في هدوء تام. حصل بن علي في تلك اللحظة على شرعية مزدوجة؛ داخلية بوصفه مخلصا من عهد بورقيبة المتداعي، وأخرى خارجية بوصفه ضامنا للاستقرار وحارسا للبوابة الجنوبية لأوروبا.

لكن كما سيكشف التاريخ لاحقا، كانت تلك الشرعية بشقَّيْها هشة للغاية، أو بالأحرى كانت عبارة عن تفويض مشروط. فقد أراد التونسيون الإصلاح والديمقراطية، وقبله الغرب على شرط الأمن. وبين هذين الشرطين المتناقضين، سيبدأ بن علي في نسج خيوط حكمه الطويل، الذي سيبدأ بوعود وردية، وينتهي بقبضة حديدية لم يتوقعها أحد صبيحة ذلك اليوم الخريفي في نوفمبر/تشرين الثاني.

لقد طُويت صفحة "المجاهد الأكبر"، وفُتحت صفحة جديدة، ستكون أكثر سوادا وقلقا من كل ما توقعه التونسيون.

سنوات الخديعة والعقد الاجتماعي الجديد

بعد انقشاع غبار ليلة السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، عاشت تونس ما يمكن وصفه بشهر عسل سياسي بدا لوهلة وكأنه لن ينتهي أبدا. في تلك الأشهر الأولى، كان زين العابدين بن علي يتحرك على رقعة شطرنج، يُعيد ترتيب القطع ليوحي للجميع بأن اللعبة قد تغيرت جذريا.

فُتحت أبواب السجون التي أوصدها بورقيبة، وخرج منها مئات المعارضين السياسيين من مختلف التيارات، وعادت الصحف الحزبية للظهور على أكشاك الجرائد، وبدأت النقابات تتنفس هواء نقيا، وساد شعور عام بأن نوفمبر الجديد يحمل في طياته بذور ديمقراطية حقيقية. حتى الإسلاميون، الذين كانوا العدو اللدود للنظام السابق، دُعوا إلى طاولات الحوار، وعُقدت لقاءات سرية وعلنية مع رجال القصر الجديد، مما أوحى بقرب تحقيق مصالحة تاريخية بين الدولة والمجتمع.

لكن كان هناك واقع آخر يتشكل خلف هذه الواجهة المشرقة. فبن علي، القادم من دهاليز المخابرات، لم يكن رجل ديمقراطية أو مؤمنا بالتعددية. كان الرجل يراقب الأبواب والنوافذ بمهارة، لا ليدخل النور والهواء، بل ليعرف من أين تأتي الريح، ليسدها ويستريح! كان "الانفتاح" بالنسبة له تكتيكا لتثبيت أركان حكمه الجديد حين أمل الجميع في أن يكون إستراتيجية لبناء دولة الحريات.

لكن لم يطل أمد "الربيع"، وجاءت انتخابات عام 1989 لتكون لحظة الحقيقة الفاصلة. شاركت حركة النهضة في الانتخابات بقوائم مستقلة، وكانت المفاجأة التي زلزلت أركان القصر، وكل قصر في المنطقة، أن الإسلاميين يحظون بدعم شعبي. حصدت النهضة دعما شعبيا واسعا تجاوز كل التوقعات، خاصة في الأحياء الشعبية والمدن الكبرى.

في تلك الليلة رأى بن علي في صناديق الاقتراع تهديدا وجوديا لنظامه. ولم يكن وحده مَن شعر بالخطر، فالدوائر الغربية الداعمة له، وفرنسا تحديدا، فزعة من فكرة البديل الإسلامي على الضفة الجنوبية للمتوسط.

هنا، سقط القناع، وانتقلت لغة الحوار إلى الحديد والنار. أُطلقت حملات اعتقال واسعة لم تشهد تونس مثيلا لها، ونُصبت المحاكمات، واستقبلت السجون والمعتقلات الآلاف، وفُتحت بوابات المنافي لمَن يستطيع الهرب.

برر النظام هذه الردة العنيفة بشعار "حماية الدولة من الظلامية". وبمباركة دولية سلبية طويت صفحة الانفتاح نهائيا، ودخلت البلاد في نفق التسعينيات المظلم، حيث أصبح الأمن هو الصوت الوحيد المسموح به في المجال العام.

مصدر الصورة صورة عام 1989 تظهر عبد الفتاح مورو يرتدي العمامة وهو أحد مؤسسي حركة النهضة التي بدأت باسم "الجماعة الإسلامية" ثم "الاتجاه الإسلامي" (غيتي)

لم يكتفِ نظام بن علي بإعادة صياغة شرعيته في لغة "الإنقاذ"، بل عمل منذ مطلع التسعينيات على ترسيخ نموذج سلطوي تنموي يقوم على معادلة دقيقة مفادها أن الخبز مقابل الصمت، وأن الأمن والاستقرار مقابل التنمية النسبية.

إعلان

ثم كان أن تحوّلت هذه الصيغة، مع الوقت، إلى ما يمكن تسميته بـ"العقد غير المعلن" بين السلطة والمجتمع، وهو عقدٌ يقوم على تبادل واضح للولاءات: الدولة تؤمّن الأمن والحدّ الأدنى من الرفاه الاجتماعي، والمجتمع يُقدِّم، في المقابل، الولاء السياسي ويُسلِّم بسيطرة الدولة على المجال العام.

في هذا الإطار، أعاد النظام تعريف مفهوم المواطنة، فلم تعد المواطنة تُقاس بالحقوق السياسية أو بالمشاركة في القرار العام، بل بمدى الانخراط في مشروع الدولة التنموية. فالمواطن الصالح هو مَن يُسهم في الإنتاج ويحترم الاستقرار ولا يتحدى رموز السلطة.

أما المجال العام، فقد أُعيدت هندسته ليكون مساحة انضباط لا جدل سياسي. حتى المنظمات المدنية والنقابات، التي تمتعت بهوامش حركة في السبعينيات والثمانينيات، وُضعت تحت رقابة صارمة عبر القوانين والإجراءات الإدارية والتمويل الانتقائي.

وقد وجد هذا النموذج جذوره في النظرية السلطوية الحديثة التي تَعتبر أن شرعية الأنظمة في العالم الثالث لا تستند بالضرورة إلى التعددية السياسية، بل إلى قدرتها على تحقيق النمو وضمان الأمن. تبنى بن علي هذا المنطق بمهارة، فبينما كان يُضيّق على الحريات السياسية، كان يفتح المجال أمام الإصلاح الاقتصادي وتوسيع الطبقة الوسطى، وهو ما منح النظام صورة "الدولة الناجحة" في عيون شركائه الغربيين.

وقد وصف الباحث الفرنسي جون فرانسوا بايار هذه الظاهرة بـ"السياسة كاقتصاد للولاء"، أي إن النظام يستثمر في الاستقرار لتكريس الولاء للدولة-الحزب، وليس للمجتمع.

لم يكن هذا "العقد السلطوي الاجتماعي" نتاج فرض قسري فقط، بل أيضا نتيجة توافق ضمني بين فئات اجتماعية رأت في الاستقرار شرطا للحفاظ على مكتسباتها، خصوصا في ظلّ الذاكرة الجماعية التي ما زالت تستحضر الفوضى الإقليمية في محيط تونس. هكذا أصبحت الطاعة السياسية مشروطة بالرفاه، بينما تحوّل الأمن إلى "سلعة سياسية" يوزعها النظام وفق معيارَيْ الولاء والثقة.

لكنّ المفارقة هي أن هذا العقد الذي صنع قوة النظام كان أيضا بذرة هشاشته. فحين اهتزّ الاقتصاد وتراجعت فرص العمل وتعمّق الشعور بالتفاوت، انكشفت هشاشة التوازن القائم. ومع انكشافه، انهار الإطار النفسي الذي كان يحفظ شرعية الدولة في نظر مواطنيها.

هكذا يمكن القول إنّ العقد الذي بدأ "ضمانا للاستقرار" انتهى إلى أداةٍ لتآكل شرعية السلطة، حين لم يعد قادرا لا على الوفاء بوعده التنموي، ولا على تجديد رمزيّته السياسية. أما ما زاد الطين بلّة، وسرّع من تهاوي رمزيّة رئيس تونس الأسبق، فكان غلوّ فساد عائلته، زوجته ليلى وأصهاره، ودائرة المقربّين منهما.

مصدر الصورة بن علي عمل منذ مطلع التسعينيات على ترسيخ نموذج سلطوي تنموي يقوم على معادلة مفادها أن الخبز مقابل الصمت وأمن والاستقرار مقابل التنمية النسبية (الفرنسية)

الزواج من ليلى والطلاق من الشعب

في خضم هذه التحولات السياسية والاقتصادية، كان هناك زلزال آخر يضرب قلب حياة بن علي الشخصية، زلزال ستكون ارتداداته مدمرة للدولة برُمّتها. كان بن علي متزوجا من نعيمة الكافي، ابنة الجنرال محمد الكافي، وهي سيدة تنتمي إلى الوسط العسكري، وكانت تُمثِّل "الشرعية التقليدية" لعلاقته بالمؤسسة العسكرية. لكن الرئيس وقع في غرام امرأة أخرى، قادمة من عالم مختلف تماما.

دخلت ليلى الطرابلسي، الشابة الطموح المنحدرة من أسرة شعبية متواضعة، حياة الرئيس وقلبتها رأسا على عقب. الناس يتزوجون، لكن زواجها كان انقلابا سياسيا "ناعما" لكنه كامل الأركان.

بمجرد دخول ليلى إلى قصر قرطاج بوصفها سيدة أولى، بدأت عملية "تطهير" واسعة. مثّلت هذه الزيجة بالنسبة لبن علي فرصة لإعادة تشكيل دائرة الثقة والحكم، إذ أزاح رفاقه القدامى، الذين رافقوه في انقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، من المؤسسة العسكرية والأمنية، وأحلّ محلهم نخبا مالية مرتبطة بعائلة ليلى الطرابلسي وأصهارها، مما حوّل السلطة إلى نظام محسوبية مركّب ينهل من منطق القرابة أكثر مما يستند إلى الكفاءة أو الولاء الوطني.

تحوَّل القصر من مركز لإدارة الدولة إلى فضاء عائلي مغلق، بدأت "الطرابلسية" في التمدد كالسرطان في جسد الاقتصاد التونسي، لا صفقة تمر دون موافقتهم، لا مشروع ينجح دون شراكتهم. والبنوك، العقارات، الإعلام، الطيران، كل شيء أصبح مستباحا أمام نهم العائلة.

أما على الصعيد الشعبي، فقد مثَّلت تلك الزيجة رمزا فجًّا لانفصال الحاكم عن مجتمعه، إذ رأى التونسيون في صعود ليلى الطرابلسي وأشقائها تجسيدا لطبقة جديدة من الأثرياء الجدد الذين جمعوا بين السلطة والمال، ونهبوا مقدّرات الدولة باسم القرب من القصر.

ومع انكشاف فضائح التملّك غير المشروع، والصفقات الاحتكارية، وتدخّل عائلة الطرابلسي في القضاء والإدارة والإعلام، بدأ الغضب الشعبي يتراكم في شكل ساخط خافت، سرعان ما تحوّل إلى نقمة رمزية على "العائلة الحاكمة"، قبل أن يتبلور في الشارع شعار الثورة الأشهر "ارحل" أو "ديقاج"، الذي لم يكن موجَّها إلى بن علي وحده، بل إلى المنظومة العائلية التي احتكرت ونهبت مقدّرات الدولة والمجتمع.

الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يدلي بصوته بجوار زوجته ليلى في 28 مايو/أيار 2000 في مركز اقتراع بتونس (الفرنسية)

هكذا، لم يكن زواج بن علي من ليلى مجرد حدث اجتماعي أو عاطفي، بل كان حدثا سياسيا تأسيسيا، أعاد توزيع مراكز القوة، وأفقد النظام توازنه الداخلي وشرعيته الأخلاقية. لقد أدخل الزواج السياسة التونسية في طور "الخصوصية العائلية للسلطة"، فانهار الفصل بين العام والخاص، وارتبط مصير الدولة بمصير عائلة، فكان السقوط في نهاية المطاف نتيجة طبيعية لزواج غير متكافئ بين السلطة والثراء الفاسد.

من الزاوية السوسيولوجية، مَثَّل زواج زين العابدين بن علي من ليلى الطرابلسي نقطة تماسٍّ بين مستويين متناقضين في البنية الطبقية التونسية. فمن جهة، كانت النخبة الأمنية والبيروقراطية التي صعد منها بن علي ترى في الانضباط والتدرّج الوظيفي مصدرا للشرعية الاجتماعية، ومن جهة أخرى، جاءت من خلفية شعبية متواضعة ووسط محدود التعليم والدخل، لكنها استطاعت، بفضل الزواج، تجاوز الحواجز الطبقية وفرض حضورها في قلب السلطة.

أثار هذا التحوّل ارتباكا في الوعي الجمعي التونسي، إذ لم يقرأ كثيرون صعودها بوصفه انتصارا للطبقات المهمّشة، بل باعتباره تسلُّقا انتهازيا عبر قنوات المحسوبية والزواج، الأمر الذي عمّق الإحساس بانهيار منظومة القيم التي كان يُفترض أن تحكم الدولة الحديثة.

تجسدت صورة ليلى الطرابلسي في المخيال الشعبي بوصفها رمزا للنفوذ المتغطرس، ولـ"النظام الموازي" الذي يحكم من وراء الستار. وتحوّلت سيرتها إلى مادة ساخرة في النكت الشعبية والمرويات اليومية بشكل يعكس انتقال الغضب الاجتماعي من مجرّد رفض سياسي إلى احتجاج ثقافي ضد منظومة السلطة ذاتها. كانت السخرية الشعبية شكلا من أشكال المقاومة الرمزية، عبّرت من خلالها الطبقات المجتمعية المتوسطة والدنيا عن رفضها لاحتكار الثروة والجاه من قِبَل عائلة واحدة.

ومع الوقت، صارت "الطرابلسية" مفردة مرادفة للنهب والتسلّط، وعبارة تختزل انهيار الأخلاق السياسية في تونس ما قبل الثورة.

كما أسهمت وسائل الإعلام البديلة -مع بروز الإنترنت في العقد الأول من الألفية- في تضخيم صورة ليلى بوصفها واجهة للغطرسة السياسية والتّرف المفرط، خاصة بعد تسرّب صور لحفلاتها وقصورها ومجوهراتها، مقابل تفاقم مظاهر الفقر في الداخل التونسي. فكان هذا التناقض الصارخ بين "تونس ليلى" و"تونس الشعب" شرارة في تشكيل وعي احتجاجي جمعي، تغذّى من رمزية الاستبداد العائلي.

وهكذا، مع نهاية التسعينيات، كانت تونس قد تغيرت تماما. الوعود الديمقراطية دُفنت تحت القبضة الشُّرَطية، والاقتصاد أصبح مزرعة خاصة للعائلة الحاكمة، وبن علي أحكم قبضته على كل شيء، غير مدرك أنه بفساد عائلته كان يحفر قبر نظامه بيده. ليكون زواج زين العابدين بن علي من ليلى الطرابلسي هو الزواج الذي في بدايته ابتلع جمهورية بورقيبة، وفي نهايته ابتلع جمهورية بن علي نفسها.

متظاهر تونسي يرفع رسالة لليلى بن علي كرمز علي فساد النظام بعد صدور مذكرة توقيف دولية بحق بن علي وزوجته عام 2011 (الفرنسية)

جمهورية الخوف وصمت ما قبل العاصفة

مع إسدال الستار على التسعينيات، كانت تونس تستعد لدخول ألفية جديدة، وكان بن علي يستعد لإعادة تعريف نفسه ونظامه. جاءت انتخابات عام 1999 لتكون الحدث الفاصل الذي أزال آخر ورقة توت عن جسد "الديمقراطية الناشئة".

في مشهد سريالي أعاد إلى الأذهان صور الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية زمن الحرب الباردة، أُعلنت النتائج: بن علي يفوز بنسبة 99.4% من الأصوات. كان بن علي يقول للداخل والخارج: "أنا الدولة، والدولة أنا".

بهذه النسبة، أعلن النظام موت السياسة في تونس. لم يعد هناك مكان للمنافسة، ولا حتى الشكلية منها. تبع ذلك تعديلات دستورية "مفصّلة على المقاس"، ألغت الحد الأقصى للولايات الرئاسية، وفتحت الباب لترشح بن علي إلى ما لا نهاية.

لقد نكث "المنقذ" بأهم وعد قطعه فجر السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1987: "لا رئاسة مدى الحياة". وشيئا فشيئا، تحولت الجمهورية التونسية من دولة مؤسسات مفترضة إلى "جمهورية شخصية"، تدور كواكبها ونجومها في فلك بن علي وزوجته، بينما تحول البرلمان والأحزاب الكرتونية المرخصة إلى مجرد "ديكور" ضروري لالتقاط الصور التذكارية مع الوفود الأجنبية.

وإذا كان القصر هو الرأس، فقد كانت وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة هي "القلب النابض" للنظام. في هذا العقد، تضخم الجهاز الأمني بشكل سرطاني حتى ابتلع المجال العام والخاص.

تحولت البلاد إلى "جمهورية أمنية" بامتياز. انتشر آلاف المخبرين وعناصر "البوليس السياسي" بملابسهم المدنية في كل مكان. كانوا يجلسون في المقاهي يسترقون السمع للأحاديث الجانبية، يقفون أمام بوابات الجامعات يرصدون حركات الطلاب، ويتغلغلون داخل النقابات والجمعيات.

لم يعد الخوف شعورا عابرا يظهر عند ارتكاب خطأ، بل صار "نمط حياة" يوميا للتونسيين. أصبح المواطن يخشى من جاره، وزميله في العمل، وحتى من سائق التاكسي. ساد الصمت، فالكل متهم حتى تثبت براءته بالولاء.

كانت الأداة الأكثر رعبا في يد النظام هي "البطاقة عدد 3″ (السجل العدلي) أو ما يُعرف بـ"البطاقة عدد 2" في السجلات الأمنية، هذه الورقة كفيلة بتدمير مستقبل أي شاب؛ فمجرد "ملاحظة أمنية" صغيرة تعني الحرمان من الوظيفة العمومية، والمنع من السفر، وحتى عرقلة الدراسة.

لقد أدار بن علي البلاد كما يدير ضابط مخابرات ملفا أمنيا، محوِّلا المواطنة من حق إلى منحة تُعطى للمطيع وتُحجب عن المشاغب. وعلى الضفة الأخرى من هذا المشهد القاتم، كانت الآلة الدعائية للنظام، مدعومة بتقارير المؤسسات المالية الدولية، تروج لقصة نجاح باهرة.

وفي واشنطن وبروكسل وباريس، كان يُنظر إلى تونس باعتبارها تلميذا نموذجيا للرأسمالية ونموذج التحديث الغربي، فقد كان الاقتصاد يحقق نسب نمو مستقرة، أما الفنادق في الحمامات وسوسة وجربة فكانت تغص بالسياح الأوروبيين الباحثين عن الشمس والرمل بأسعار رخيصة. الاستثمارات الأجنبية تتدفق على المناطق الصناعية الساحلية، وصورة الطبقة الوسطى المزدهرة تتصدر المشهد.

لكن هذه "المعجزة" كانت تخفي وراءها حقيقة جغرافية وطبقية مؤلمة. كانت الثروة والتنمية تتركز بشكل فاحش في الشريط الساحلي والعاصمة، بينما تُركت تونس الغالبة، في الغرب والجنوب والوسط، لتغرق في النسيان. ففي مدن مثل القصرين وسيدي بوزيد وقفصة، كان الزمن يبدو متوقفا. الفقر ينهش العائلات، والبنية التحتية متهالكة.

أما الأخطر، فكان جيش المعطلين عن العمل من آلاف الشباب الذين صدّقوا وعود "دولة التعليم"، وتخرجوا في الجامعات بشهادات عليا، ليجدوا أنفسهم يقفون في طوابير البطالة الطويلة. لم يكن الاقتصاد قادرا على استيعابهم، وكانت المحسوبية هي البوابة الوحيدة للوظيفة.

متظاهرون أحدهم يحمل رغيف خبز يهتفون بشعارات تضامنا مع سكان سيدي بوزيد 2010 (الفرنسية)

كان هذا "الانشطار" يقسم البلاد إلى نصفين؛ الأول يلمع تحت أضواء السياحة والاستهلاك، ونصف يغلي في الظل، يراكم الغضب والحقد على دولة تنظر إليه فقط حين تريد جباية الضرائب أو قمع الاحتجاجات.

في هذا العقد أيضا، وصل نفوذ الرئيس وعائلته إلى ذروته الفاحشة. لم يعودوا يكتفون بالعمولات والسمسرة، بل انتقلوا إلى مرحلة "الاستحواذ المباشر".

أصبحت قصصهم مادة دسمة للمواقع الإلكترونية المحجوبة وللهمس في المجالس. هذا صهر يستولي على شركة طيران، وذاك يضع يده على وكالات توريد السيارات، وتلك تبني المدارس الدولية الخاصة وتغلق المدارس المنافسة.

تحولت الدولة في نظر العائلة إلى غنيمة حرب. القوانين تُفصَّل على مقاس مصالحهم، والديوانة (الجمارك) تعمل لخدمة بضائعهم، والقضاء يغض الطرف عن تجاوزاتهم.

وقبل الانفجار الكبير بعامين، وتحديدا في 2008، أرسلت الأرض إشارات تحذيرية لم يلتقطها النظام بغروره. في منطقة "الحوض المنجمي" بقفصة، انتفض السكان الجوعى ضد الفساد في شركات الفسفاط. كانت احتجاجات "الرديف" صرخة مدوية في وجه التهميش.

واجهها النظام كعادته بالرصاص، والسجن، والتعتيم الإعلامي الكامل. لقد فعل ما يفعله الديكتاتوريون حين نجح أمنيا في إخمادها، وظن أنه انتصر. لكنه لم يدرك أن ما حدث في الحوض المنجمي كان "بروفة" لما سيحدث لاحقا على مستوى الوطن كله. كان الجمر يشتعل تحت الرماد، وكان النظام مشغولا بالاحتفال بذكرى 7 نوفمبر/تشرين الثاني، وبجمع الثروات، وبترتيب سيناريوهات التوريث المحتملة، غافلا عن حقيقة أن ساعته الرملية قد قاربت على النفاد.

هكذا، ودّعت تونس العقد الأول من الألفية وهي تقف على حافة الهاوية. كان كل شيء جاهزا للحظة الانفجار. كل ما كان ينقص هو عود ثقاب واحد، وكان القدر يخبئ هذا العود في جيب بائع خضار متجول اسمه محمد البوعزيزي في مدينة نائية اسمها سيدي بوزيد.

وكقطع دومينو تتساقط بسرعة؛ لم يكن بن علي يدرك حينها أن شرارة البوعزيزي هي اللحظة التي سقط معها مُلكه إلى غير رجعة. واللحظة التي كانت نهايتها رجل يصرخ في شوارع تونس "بن علي هرب".

متظاهرون يحملون صورة محمد بوعزيزي وعلم تونس أمام القصر الحكومي عام 2011 (الفرنسية)

شتاء الغضب.. ورحلة اللاعودة

كان شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2010 باردا كعادته في المرتفعات الغربية لتونس، لكنه كان يحمل في طياته حرارةً ستُذيب جليد الخوف المتراكم منذ عقود. في مدينة سيدي بوزيد، تلك البقعة الجغرافية التي سقطت من حسابات الدولة لعقود، حدث ما لم يكن في الحسبان.

لم يكن الانفجار الذي هزَّ المدينة مجرد رد فعل عاطفي عابر، ولم يكن وليد لحظته فقط، بل كان نتاجا لتراكم طويل من الأزمات والشروخ المتنامية بين الدولة والمجتمع. كان صرخةً مدويةً ضد الفقر، والبطالة، والإقصاء، وضد دولة فقدت مصداقيتها تماما في أعين مواطنيها.

بدأت القصة باحتجاجات بدت في البادية محدودة، احتجاجا على "الحقرة" (الإهانة) والإفقار الاجتماعي. ظن النظام، بغطرسته المعتادة، أنها مجرد سحابة صيف أخرى ستنقشع ببعض الغاز المسيل للدموع والوعود الكاذبة، كما حدث في الحوض المنجمي قبل عامين. لكن هذه المرة، كانت الكيمياء مختلفة والثورة حتمية. سرعة انتشار الغضب وعفويته كشفت عن عمق الهوة السحيقة التي باتت تفصل بين الساكن في قصر قرطاج وبين الجموع الهادرة في الشوارع.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل القصرين وتالة ثم تزحف نحو العاصمة، واجه النظام حقيقة مرعبة، وهي أن أدوات السيطرة القديمة لم تعد تُجدي نفعا. هنا، ظهر الشرخ القاتل داخل الأجهزة الصلبة للدولة.

الشرطة، التي كانت لسنوات طويلة الذراع الطويلة والبطانة الغليظة للنظام، وجدت نفسها في مواجهة مستحيلة مع طوفان بشري. بدأ التردد يدب في أوصالها، وانخفضت فعالية عملياتها القمعية بشكل ملحوظ. كان هذا التردد وانخفاض الكفاءة في جانب منه انعكاسا لصراع داخلي بين الولاء لنظام يترنح، وربما لدى البعض الخوف من التورط في مذابح قد لا يغفرها التاريخ.

متظاهر تونسي خلال اشتباكات مع قوات الأمن قرب سيدي بوزيد في 10 يناير/كانون الثاني (الفرنسية)

أما الضربة القاصمة فجاءت من المؤسسة العسكرية. الجيش التونسي، الذي ظل لعقود بعيدا عن دهاليز السياسة المباشرة، اتخذ موقفا حاسما بالحياد. كان موقفا مدروسا بعناية، إذ أدرك الجنرالات عدم جدوى الدخول في مواجهة مفتوحة مع الشعب لحماية رئيس انتهت صلاحيته، مفضلين الحفاظ على صورة المؤسسة العسكرية ناصعة في الذاكرة الوطنية. حينها، أدرك بن علي أن الجدار الذي استند إليه طويلا قد تهاوى.

داخل أسوار القصر، كان بن علي يعيش ساعاته الأخيرة في عزلة خانقة. لم يتصدع الجدار الداخلي فحسب، بل إن الحلفاء في الخارج بدؤوا ينفضّون من حوله. ففرنسا، الحليف التاريخي والإستراتيجي للنخبة التونسية، كانت تراقب المشهد بحذر شديد، وبدأت تمارس ضغوطا دبلوماسية ناعمة لإقناعه بأن وقته قد انتهى. أما في الجوار الإقليمي، فقد وقفت الجزائر وليبيا والمغرب موقف المتفرج الصامت، مما عمّق شعور الرئيس بالوحدة والعزلة.

حتى واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي، التي طالما تغاضيت عن تجاوزات بن علي مقابل الأمن والاستقرار، أرسلوا إشارات واضحة تشجع على تسوية سريعة لتجنب الفراغ الأمني الذي قد يهدد مصالحهم. أدرك بن علي أن العالم قد تخلى عنه، وأن ورقة محاربة الإرهاب والفوضى التي طالما لوّح بها لم تعد تشتري له الوقت.

وفي يوم الجمعة، 14 يناير/كانون الثاني 2011، تسارعت الأحداث بشكل دراماتيكي. كان الشارع يغلي بشعار "ديقاج" (ارحل)، والتقارير الأمنية تؤكد أن السيطرة قد فُقدت تماما.

تضافرت العوامل الداخلية والخارجية لتسريع رحيل بن علي بشكل غير متوقّع، إذ لم يكن الانهيار نتيجة غضب شعبي عابر فحسب، بل كان انعكاسا لمزيج معقّد من تآكل الشرعية وضعف الدعم الشعبي وشرخ الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى العزلة الدبلوماسية. أما الاختيار النهائي للفرار فقد جاء بوصفه خيارا إستراتيجيا لتفادي مواجهة دامية، وهو ما يُظهر أن سقوطه كان محسوبا، رغم تسارعه ودراميته.

صعد الرئيس وزوجته الطائرة، تاركين وراءهم القصر الذي كان رمزا للقوة المطلقة، ليصبح في لحظات بناية خاوية تنتظر مَن يملأها. لقد غادر بن علي تونس على عجل، في مشهد سريالي أنهى ثلاثة وعشرين عاما من الحكم الفردي في بضع ساعات.

ومع سقوط بن علي بتلك السرعة المفاجئة، وانكشاف هشاشة النظام أمام الضغوط الداخلية والخارجية، أصبح من الضروري إعادة قراءة تجربة حكمه التي لا يجب التوقف فيها عند الزاوية الشخصية الفردية وحسب، بل يجب أيضا قراءتها من منظور أثرها المستدام على المجتمع والدولة.

فالانقلاب الأبيض والتسارع المفاجئ في انهيار السلطة لم يفضيا إلى فراغ سياسي مجرّد فحسب، بل ألقيا الضوء أيضا على التحديات البنيوية التي تراكمت لعقود، وعلى إرث نفسي وسياسي ترك بصماته في وعي التونسيين وعلاقاتهم مع السلطة.

الإرث ومخاض الانتقال العسير

مع سقوط نظام بن علي، دخلت تونس مرحلة انتقالية دقيقة، حيث واجهت البلاد تحدّيا مزدوجا تَمثَّل في إعادة بناء المؤسسات السياسية، ومواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي أثقلت كاهل الشعب لعقود. كان الانتقال إعادة هندسة كاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتجربة جديدة في التوازن بين الحرية والاستقرار، وبين الفعل الداخلي والتأثير الخارجي.

في الداخل، سرعان ما بدأت الأحزاب السياسية الجديدة في ملء الفراغ السياسي، إذ سرعان ما أصبح حزب النهضة، الذي كان ممنوعا سياسيا لعقود، قوة مركزية مستفيدا من خبرته التنظيمية وعلاقاته المجتمعية العميقة.

في المقابل، برزت أحزاب ليبرالية وعلمانية، مثل المؤتمر من أجل الجمهورية والتيار الديمقراطي، لتُوازِن النفوذ الدّيني، وتُقدِّم خيارا إصلاحيا يرتكز على الحقوق المدنية والاقتصاد الحر. حمل هذا التنوّع الجديد معه، رغم إثرائه للمشهد السياسي، تحديات كبيرة تتعلق بالقدرة على التوافق وتجنّب الانقسامات الحادة، وهو ما برز بوضوح في المفاوضات حول مضامين الدستور والانتخابات التكميلية.

على مستوى الأجهزة الأمنية، واجهت تونس تحدّيا مركبا تمثّل في إعادة تأهيل الشرطة والجيش، اللذين تضرّرا من سياسات القمع السابقة وفقدا جزءا من مصداقيتيهما. كان لشرائح من الجهاز الأمني دور إيجابي في دعم الانتقال من خلال التعاون مع الحكومة الانتقالية لتأمين الاستحقاقات الانتخابية، لكن مخاوف التسييس أو التدّخلات الأجنبية ظلّت حاضرة ومؤثّرة في طبيعة القرارات وتوقيت التحركات الأمنية.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد لعبت القوى الكبرى دورا مزدوجا. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعما الانتقال الديمقراطي، وقدّما مساعدات فنية ومالية لتقوية المؤسسات الجديدة، في حين سعى بعض الفاعلين الإقليميين لتوجيه المسار السياسي بما يتوافق مع مصالحهم الإستراتيجية، خاصة في مواجهة صعود الإسلام السياسي، أو لضمان استقرار اقتصادي يسمح بمواصلة التعاون مع تونس.

وقد شكّل هذا التوازن الدقيق بين الدعم الخارجي والمطالبة بالاستقلالية الوطنية تحديا كبيرا للحكومة الانتقالية، وجعل أي قرار سياسي بحاجة إلى قراءة دقيقة لتداعياته الإقليمية والدولية.

كانت التحديات الاقتصادية والاجتماعية محور الصراع الثاني في عملية الانتقال. فالنّسب المرتفعة للبطالة، خصوصا بين الشباب من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا، وانعدام الثقة في المؤسسات المالية، فضلا عن الضغط المتزايد على قطاع الخدمات الأساسية، أجبرت الحكومة المؤقّتة على تبنّي سياسات إصلاحية عاجلة، لكنها محدودة التأثير، وهذا ما أدّى إلى استمرار الاحتجاجات المحلية التي شكَّلت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على الاستقرار دون العودة إلى نهج القمع الواسع.

في هذا السياق، يمكن القول، بإيجاز شديد، إن تجربة الانتقال التونسي كانت بمنزلة اختبار متعدّد الأبعاد، فقد كانت اختبارا للقدرة الداخلية على الحكم الديمقراطي، واختبارا للقدرة على إدارة الضغط الخارجي، واختبارا لإمكانية التوفيق بين مطالب الشعب الطامح للحرية والكرامة ومتطلّبات استقرار الدولة.

وقد أظهرت الأحداث المبكّرة أن النجاح في هذه المرحلة يعتمد على مرونة الأحزاب ونضج القيادات وفعالية المؤسسات، مع فهم عميق لدور القوى الدولية والإقليمية في رسم ملامح المرحلة القادمة.

الآن، ونحن نغلق الصفحة الأخيرة من هذه الحكاية، كيف سيكتب التاريخ اسم زين العابدين بن علي؟ إنه إرث معقد لرجل عاش وحكم بوجوه متعددة، فهو العسكري الذي ارتدى معطف الدولة ليحميها، لكنه خنقها بيديه، وهو التحديثي الذي بنى الطرقات والفنادق ورفع أرقام النمو الاقتصادي، لكنه في الوقت ذاته أفقر الناس وأسس دولة بوليسية تفتقر إلى أبسط معايير العدالة والمساءلة.

لقد ترك بن علي خلفه دولة قوية في ظاهرها، لكنها هشة في باطنها، مؤسساتها نخرها الفساد وثقافة الولاء الشخصي والعائلي. كما ترك جرحا نفسيا عميقا في الذاكرة التونسية، حيث ترسخت ثقافة الخوف والشك لسنوات طويلة قبل أن تكسرها الثورة.

قصة بن علي ليست مجرد سيرة ذاتية لحاكم مستبد، بل هي درس تاريخي بليغ قدّمته تونس للعالم عن تكوين الديكتاتور ثم الإطاحة به. درس يقول إن الاستقرار الذي لا يحرسه العدل هو استقرار زائف، وألا شيء يمكن أن يُعوِّض الشرعية التي يمنحها الشعب.

سقط بن علي، لكن ظلال حقبته لا تزال ممتدة، فالتحديات التي تواجه تونس اليوم، من بناء ديمقراطية حقيقية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، هي في جوهرها محاولات مستمرة للتخلص من إرث تلك السنوات الطويلة، وللاشتباك مع السؤال الذي طرحته الثورة ولا يزال التونسيون يدندنون حوله: كيف نبني دولة قوية دون أن تكون تحت سيطرة حاكم مستبد؟ نتمنى أن نجد الإجابة في تونس.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا