(CNN) -- قبل أن يُخلَّد اسمه بإطلاقه على واحدة من أكبر الحيوانات المفترسة التي عاشت على الأرض، كان غاري "غاس" ليكينغ، مربّي ماشية من ولاية داكوتا الجنوبية، يعتقد أنّ أرضه تُخفي أمرًا استثنائيًا.
تقع مزرعته ضمن تكوين "هيل كريك"، أحد أشهر المواقع الجيولوجية في العالم لاكتشاف حفريات ديناصور "تيرانوصور ريكس"، حيث عُثر عام 1902، على أحد أوائل هياكل هذا النوع.
في عام 2020، بيع هيكل "ستان"، وهو شبه مكتمل لـ"تيرانوصور ريكس" عُثر عليه قرب مزرعة ليكينغ، مقابل 31.8 مليون دولار، محققًا رقمًا قياسيًا آنذاك.
اليوم، يعود اسم مزرعة ليكينغ إلى الواجهة بعد اكتشاف هيكل جديد يحمل اسم "غاس" تكريمًا له، ومن المقرر عرضه في مزاد تنظمه دار "سوزبيز" للمزادات في مدينة نيويورك الأمريكية، حيث قد يصبح أغلى أحفورة تُباع في العالم.
لكن بيع "غاس" قد يُعيد إشعال الجدل حول ملكية الأحافير الخاصة، إذ رأى خبراء أن انتقال هذه الاكتشافات إلى أيدي أفراد قد يحرم العلم والجمهور من دراستها مستقبلًا.
بدأت قصة "غاس" عندما التقى ليكينغ بعالم الحفريات التجاري توماس هايتكامب، مؤسس شركة "ثيروبودا إكسبيديشنز"، الذي كان مهتمًا بموقع المزرعة داخل تكوين "هيل كريك".
وقال هايتكامب لـCNN: "كانت مزرعة ليكينغ محط اهتمامي بسبب موقعها داخل تكوين هيل كريك. وكان غاري مهتمًا دومًا بالأحافير والقطع الأثرية، وأعتقد أنه كان يدرك مدى غنى أرضه بالأحافير، وكان يؤمن بأنه سيُعثر يومًا ما على هيكل استثنائي".
اكتشف هايتكامب وفريقه هيكل "غاس" عام 2021، بعدما حدد ليكينغ موقعه التقريبي، لكنه توفي قبل اكتمال عملية التنقيب، ولم يرَ الاكتشاف بصورته النهائية.
بحسب "سوزبيز"، يبلغ طول "غاس" 11.6 مترًا وارتفاعه 3.8 أمتار، فيما يبلغ طول جمجمته نحو 1.37 متر. ويضم 183 عظمة متحجرة، ما يجعله مكتملًا بنسبة 61% من حيث عدد العظام، أو بين 75% و80% من حيث الكتلة، ليصبح أحد أكبر هياكل "تيرانوصور ريكس" المكتشفة وأكثرها اكتمالًا.
قالت دار "سوزبيز" للمزادات إن "غاس" أحد أكثر هياكل "تيرانوصور ريكس" اكتمالًا، لكنه أقل من "ستان" الذي تبلغ نسبة اكتماله نحو 70% من حيث عدد العظام، وهيكل "سو" وهو أول أحفورة لديناصور بيعت في مزاد عام 1997، وتبلغ نسبة اكتماله نحو 90%.
وأضافت أن "غاس" يحمل آثار عضات وكسور التأمت خلال حياة الديناصور، ما قد يزيد من قيمته العلمية.
رغم ذلك، لم تُنشر أي دراسة علمية عن "غاس"، خاصة أن غالبية الباحثين يرفضون دراسة أحافير مملوكة للقطاع الخاص. وقال هايتكامب إن عددًا من الباحثين اطلعوا على الهيكل بشكل غير رسمي، لكن بيعه، وهو أمر قانوني خاصة أنه اكتُشف في أرض خاصة، يعيد الجدل حول مزادات الأحافير واحتمال اختفاء هياكل "تيرانوصور ريكس" من المجال العام.
وقال ستيوارت سوميدا، وهو أستاذ علم الأحياء في جامعة ولاية كاليفورنيا الأمريكية ورئيس جمعية علم حفريات الفقاريات: "إذا انتقلت هذه الأحفورة إلى ملكية شخص خاص، فقد لا يراها الجمهور مرة أخرى".
وأضاف أن بعض الأحافير الخاصة تتم إعارتها إلى المتاحف، بينما تختفي أخرى ضمن مجموعات شخصية، موضحًا أنها "لن تخضع أيضًا لدراسة علمية سليمة، إذ لا توجد مجلة علمية مرموقة ستنشر بحثًا يستند إلى أحفورة ليست محفوظة ضمن مقتنيات متاحة للجمهور".
تُلزم الجمعية أعضاءها بدراسة الأحافير الموجودة في مجموعات يمكن للباحثين الوصول إليها، لضمان إمكانية فحص العينات ذاتها مستقبلًا.
وقال هايتكامب إن فريقه أمضى عامًا في البحث داخل مزرعة ليكينغ قبل العثور على "غاس" عام 2021 في وادٍ صغير لم تكن تظهر فيه صخور أساسية، ما أدى إلى تأخر اكتشافه.
وأضاف: "كان واضحًا منذ اللحظة الأولى أن البقايا المتحجرة تعود إلى ديناصور (تيرانوصور ريكس)، وهذا دائمًا ما يكون اكتشافًا مثيرًا".
بدأ هايتكامب مسيرته في توثيق الأحافير لدى دار مزادات "بونهامز" في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، قبل تأسيس شركة "ثيروبودا إكسبيديشنز" في عام 2012. ونقّب فريقه عن "غاس" خلال ثلاثة مواسم بين عامي 2021 و2023، إذ لم يتمكن من العمل سوى خمسة أشهر سنويًا بسبب تجمد الأرض.
وقال: "حفرنا يدويًا مساحة نحو 650 مترًا مربعًا لجمع البقايا، وكانت الصدوع الطبيعية وكثرة العظام من أبرز التحديات التقنية".
خضع الهيكل بعد التنقيب لأعمال مخبرية لتنظيف العظام واستكمال الأجزاء المفقودة، قبل تثبيته في وضعية مفترس على دعامة فولاذية خاصة.
يحتفظ "غاس" بنحو 82% من عظام جمجمته الأصلية، ويضم أجزاء نادرة مثل حوض كامل وقدمين. وتقدّر "سوزبيز" قيمته بنحو 30 مليون دولار، لكن الرقم قد يرتفع بعد بيع هيكل "أبيكس" من نوع "ستيغوصور" عام 2024 مقابل 44.6 مليون دولار.
ويأتي "غاس" مع "حقوق ملكية كاملة"، إذ لا يحتوي على أجزاء من هياكل أخرى. وقالت كاساندرا هاتون، نائب رئيس "سوزبيز"، إن معظم هياكل "تيرانوصور ريكس" المعروضة في المتاحف تعتمد على نسخ من هيكل "ستان"، بينما لا يحتوي "غاس" على أي أجزاء منه، ما قد يسمح لمالكه بإنتاج نسخ متماثلة مستقبلًا.
وأقرت هاتون بعدم إمكانية إجراء دراسة علمية رسمية على "غاس"، لكنها قالت إن التنقيب التجاري يساهم في اكتشاف أحافير قد تضيع من دون هذا التمويل. وأضافت: "إذا لم تُستخرج هذه الأحافير، فإنها ستضيع".
في المقابل، رأى عالم الحفريات ديفيد هون أن المؤسسات العامة يمكنها القيام بهذه المهمة إذا تعاون معها مالكو الأراضي، مشيرًا إلى أن ملايين الدولارات قد تكون كافية لاكتشاف هياكل مشابهة بتكلفة أقل.
ينتقد خبراء بيع الهياكل المهمة لمشترين خاصين، حيث أكدّ هؤلاء أن الأحافير لا تصبح عينات علمية حقيقية إلا عندما تكون محفوظة في المتاحف ومتاحة للباحثين.
وقالت جمعية علم حفريات الفقاريات (SVP) إن إعارة هيكل "أبيكس" لا تضمن وصول الباحثين إليه بشكل دائم، ولا تُعوض النماذج الرقمية ثلاثية البعد عن دراسة الأحفورة الأصلية.
أوضح ستيف بروساته، وهو أستاذ علم الحفريات في جامعة إدنبرة: "لا يمكن للعلم المفتوح الاعتماد على أشخاص أثرياء يقررون من يمكنه دراسة أحفورة ومن لا يمكنه ذلك".
وأشار إلى أن المتاحف لا تستطيع منافسة مزادات تصل قيمتها إلى 30 مليون دولار أو أكثر، لافتًا إلى أن بعض المبيعات الخاصة لهياكل "تيرانوصور ريكس" تجاوزت 50 مليون دولار.
وأوضحت كريستي كاري روجرز، نائب رئيس الجمعية، أن الجدل حول مزادات الأحافير لا يتعلق بالملكية فقط، بل بالحفاظ على سجلات فريدة من تاريخ الأرض، مؤكدة أن فقدان الوصول إلى هذه العينات يعني فقدان معلومات لا يمكن استعادتها.
وأضافت: "الأحافير ذات الأهمية العلمية هي سجلات غير قابلة للتجدد. وكل عينة تمثل معلومات لا يمكن استعادتها إذا فُقدت أو أصبح الوصول إليها مستحيلًا".
وأكدت ضرورة حفظ هذه العينات في مؤسسات تضمن إتاحتها للباحثين والجمهور، لحماية علم اليوم والحفاظ على فرص الأجيال المقبلة من العلماء.
المصدر:
سي ان ان