ارتبطت آلام الرقبة لدى موظفي المكاتب بالجلوس لساعات طويلة أمام الحاسوب أو باتخاذ وضعيات جسدية خاطئة أثناء العمل، إلا أن دراسة حديثة كشفت أن أسباب لا ترتبط فقط بعوامل جسدية، بل يمكن أن تكون نتيجة قلة النوم، والتوتر النفسي، وارتفاع ضغط العمل، إلى جانب ظروف تنظيمية داخل بيئة العمل .
وأظهرت الدراسة، التي اعتمدت على تقنيات الذكاء الاصطناعي ، القدرة على التنبؤ بخطر تعرض الموظفين للإصابات والاضطرابات العضلية الهيكلية في مناطق محددة من الجسم، من خلال تحليل مجموعة واسعة من العوامل الجسدية والنفسية والمهنية.
وأجرى الدراسة باحثون في الصحة وعلوم البيانات من جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا، حيث ركزوا على اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي المرتبطة بالعمل، والتي تُعد من أبرز مشكلات الصحة المهنية، خصوصًا بين العاملين في المكاتب الذين يقضون ساعات طويلة في وضعية جلوس ثابتة أمام أجهزة الكمبيوتر.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، طالب الدكتوراه مهرداد حساني من كلية الصحة العامة والعمل الاجتماعي في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا، إن نتائج البحث أظهرت أن مناطق مختلفة من الجسم تتأثر بمجموعات مختلفة من عوامل الخطر، ما يعني أن الوقاية من هذه المشكلات تتطلب تدخلات مخصصة لكل منطقة وحالة، بدلًا من اعتماد حلول عامة تناسب جميع الموظفين.
وأوضح حساني أن العديد من الدراسات السابقة أشارت إلى انتشار مشاكل الرقبة والكتفين والجزء العلوي والسفلي من الظهر بين موظفي المكاتب، لكنها غالبًا لم تشمل جميع عوامل الخطر المحتملة، كما اعتمدت على حسابات خطية تقليدية لتقدير احتمالية الإصابة.
وخلال الدراسة، حلل الباحثون بيانات اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي المرتبطة بالعمل لدى 810 موظفين مكتبيين، بالاعتماد على أربع مجموعات بيانات متاحة للعامة.
واستخدم الفريق البحثي ستة نماذج مختلفة من نماذج التعلم الآلي بهدف تحديد النموذج الأكثر قدرة على التنبؤ بخطر الإصابة في تسع مناطق مختلفة من الجسم.
وشملت عملية التحليل عوامل متعددة، من بينها العوامل النفسية والاجتماعية، والعوامل المرتبطة ببيئة العمل والوضعيات الجسدية، إضافة إلى العوامل التنظيمية داخل المؤسسات، وذلك انطلاقًا من أن إصابات العمل لا تنتج فقط عن الجهد البدني أو طريقة الجلوس، بل تتأثر أيضًا بالظروف النفسية والمهنية المحيطة بالموظف.
وأظهرت النتائج أن عوامل الخطر تتفاعل بطرق معقدة، وأن الجلوس لفترات طويلة دون أخذ فترات راحة منتظمة، إلى جانب وضعية الجسم السيئة أثناء العمل، يُعدان من أكثر العوامل شيوعًا المرتبطة باضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي.
لكن الدراسة كشفت أيضًا أن العوامل النفسية والاجتماعية تلعب دورًا في ظهور بعض الآلام، حيث ارتبط التوتر الناتج عن العمل، وارتفاع حجم المهام، وضعف القدرة على التحكم في طبيعة الوظيفة، وعدم وضوح الأدوار المهنية، وغياب الدعم الاجتماعي في مكان العمل، بزيادة خطر الإصابة بآلام الرقبة وأسفل الظهر.
اعتمد الباحثون على إعداد ملفات مخاطر خاصة بكل منطقة من مناطق الجسم، حيث تبين أن العوامل الفردية والجسدية والنفسية والاجتماعية تساهم بدرجات متفاوتة في تحديد احتمالية الإصابة.
وقال حساني إن مؤشر كتلة الجسم، والطول والوزن، والعمر، وعدد ساعات النوم، والخبرة المهنية، ظهرت ضمن أكثر 20% من العوامل تأثيرًا في توقع خطر الإصابة.
وأشار إلى أن ساعات النوم احتلت أهمية كبيرة خصوصًا في ما يتعلق بمشاكل أسفل الظهر والوركين والرقبة، موضحًا أن هذا العامل نادرًا ما يُدرج ضمن نماذج تقييم بيئة العمل التقليدية، رغم أن الأدلة العلمية المتزايدة تشير إلى أن قلة النوم قد تؤثر على قدرة الأنسجة على التعافي وتزيد من حساسية الجسم تجاه الألم.
كما أظهرت الدراسة أن طول العامل كان له تأثير واضح على خطر الإصابة في مناطق مثل الرسغين، والجزء العلوي من الظهر، والركبتين، والرقبة، وهو ما يؤكد أهمية تصميم أماكن العمل بما يتناسب مع اختلاف أبعاد أجسام الموظفين، من خلال توفير مكاتب قابلة للتعديل أو مكاتب تسمح بالعمل أثناء الجلوس والوقوف.
بيّنت الدراسة أن بعض العوامل مثل المتطلبات العاطفية للعمل، والشعور بأهمية الوظيفة، والدعم الاجتماعي من الزملاء والمشرفين، لم تكن من أبرز العوامل المؤثرة في معظم مناطق الجسم، لكنها ظهرت بدرجة تأثير متوسطة عند تحليل مشاكل الجزء العلوي من الظهر والكتفين.
وأشار إلى أن نتائج البحث تدعم تطوير أساليب جديدة للوقاية من اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي في أماكن العمل، عبر اعتماد حلول أكثر تخصيصًا تراعي الجوانب الجسدية والنفسية والتنظيمية، بدلًا من التركيز فقط على تعديل وضعية الجلوس أو تحسين تصميم المكتب.
المصدر:
يورو نيوز