في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد تداعيات اضطراب الملاحة في الخليج ومضيق هرمز مقتصرة على شحنات النفط، إذ امتدت إلى صناعة السيارات العالمية عبر 3 مسارات متداخلة: ارتفاع كلفة الطاقة لتشغيل المصانع، وتعقد نقل المركبات ومكوناتها، وصعود أسعار المواد الأولية والقطع الإلكترونية.
وبينما تلجأ الشركات إلى المخزونات ومسارات شحن بديلة وموردين جدد، يظل المستهلك أمام احتمال ارتفاع أسعار السيارات أو طول فترات تسليمها، إذا استمر الاضطراب لفترة طويلة.
وتعتمد صناعة السيارات على سلسلة إمداد دولية مترابطة؛ فالمعادن والرقائق والبطاريات والقطع الإلكترونية قد تنتقل بين عدة دول قبل وصولها إلى مصنع التجميع، ثم تشحن المركبات النهائية إلى أسواق بعيدة.
لذلك لا يقتصر أثر اضطراب الممرات البحرية على السيارات المصدرة إلى الشرق الأوسط، بل يطال كلفة الإنتاج في مصانع آسيا وأوروبا، مع ارتفاع أسعار الوقود والتأمين والنقل وتأخر وصول المكونات. وتشير الشاشة التفاعلية المصاحبة للنافذة إلى أن نحو ربع تجارة الحاويات العالمية يتأثر باضطراب الملاحة في المنطقة.
وفي اليابان، التي أنتجت نحو 8.5 ملايين سيارة عام 2025، تضاعف تأثير الأزمة على القطاع بين ارتفاع كلفة الطاقة وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وقال مراسل الجزيرة في طوكيو فادي سلامة إن اليابان تستورد نحو 95% من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز، ما يرفع أعباء تشغيل مصانع السيارات مع صعود كلفة المشتقات النفطية والكهرباء.
وأضاف أن شركات السيارات اليابانية تواجه أيضا صعوبات في إيصال مركباتها إلى أسواق الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن شركة تويوتا قالت إن صادراتها إلى المنطقة تراجعت بنحو 35%.
وتبحث الشركات، وفقا للمراسل، عن بدائل تشمل الاستفادة من مخزونات موجودة في أوروبا وتركيا وآسيا الوسطى، وتعزيز الإنتاج في مصانع أقرب إلى الأسواق المستهدفة، إلى جانب محاولة إيجاد مسارات شحن تتجاوز المناطق المتأثرة.
ورغم أن انخفاض سعر صرف الين يمنح السيارات اليابانية ميزة تنافسية نسبية في الأسواق الخارجية، فإنه لا يلغي عبء كلفة الطاقة والشحن، ولا يعالج صعوبة الوصول إلى الأسواق.
وفي ألمانيا، أكبر منتج للسيارات في أوروبا بإنتاج تجاوز 4 ملايين سيارة عام 2025، لا يرتبط تأثير اضطراب هرمز بحجم واردات الطاقة القادمة عبر المضيق وحده، بل بارتفاع كلفة الطاقة والمكونات في الأسواق العالمية.
ونقل مراسل الجزيرة في برلين أيمن الزبير عن دراسة شملت 116 شركة في قطاع السيارات أن 46% منها تأثرت بالأزمة، فيما قالت 65% إن ارتفاع أسعار الطاقة يفرض ضغوطا على أعمالها، وأشارت 64% إلى ارتفاع أسعار المكونات.
وتأتي هذه الضغوط في وقت يواجه فيه قطاع السيارات الألماني تحديات سابقة، منها ارتفاع كلفة الإنتاج والمنافسة مع الشركات الصينية والأمريكية، فضلا عن التحول المكلف نحو السيارات الكهربائية.
وقال المراسل إن إنتاج قطاع السيارات في ألمانيا تراجع 2% في الربع الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مشيرا إلى أن المخزونات ساعدت الشركات حتى الآن في تجنب توقف واسع للإنتاج، لكن استمرار الأزمة لأشهر قد يفاقم الضغوط على المصانع والعمالة.
كما بلغت صادرات ألمانيا من السيارات نحو 1.6 مليون مركبة خلال النصف الأول من عام 2026، ما يجعل أي تعطل طويل الأمد في الإمدادات أو النقل عاملا مؤثرا في الإنتاج والتصدير معا.
لا يعني اضطراب الملاحة بالضرورة ارتفاعا فوريا في أسعار جميع السيارات، إذ قد يحد المخزون المتوافر لدى الوكلاء والعقود المبرمة مسبقا من الأثر في المدى القصير.
لكن الضغوط قد تظهر أولا في كلفة الشحن وقطع الغيار وفترات التسليم، قبل أن ينتقل جزء منها إلى السعر النهائي، ولا سيما إذا طال أمد الاضطراب.
ولا يتعلق الخطر بالسيارات الجاهزة وحدها، إذ تواجه الشركات صعوبة في تأمين المواد الأولية والمكونات اللازمة للتصنيع. حيث واجهت شركات ألمانية، بينها فولكس فاغن وبي إم دبليو، مشكلات لوجستية مرتبطة بنقص الرقائق والقطع الإلكترونية الواردة من آسيا، إلى جانب ارتفاع كلفة الغاز لتشغيل المصانع.
كما تعتمد مصانع السيارات الآسيوية على منطقة الخليج لتأمين أكثر من ثلثي احتياجاتها من الألمنيوم، وهو عنصر أساسي في صناعة المركبات التقليدية والكهربائية.
وقال أستاذ الاقتصاد ومدير مركز أبحاث السيارات فرديناند دودنهوفر إن ارتفاع كلفة الألمنيوم والنحاس والليثيوم، إلى جانب مكونات أخرى، يضغط على صناعة السيارات ويهدد بتعقيد الأسواق واختلال توازنها.
وأضاف أن الأسابيع الستة إلى الثمانية المقبلة ستكون مهمة لتحديد مدى اتساع الأزمة، داعيا إلى خفض التصعيد لتجنب اضطرابات أطول في سلاسل التوريد.
المخزونات تؤجل الأزمة ولا تلغيها
منحت المخزونات وترتيبات التوريد السابقة شركات السيارات هامشا محدودا لامتصاص الصدمة، ولذلك لم يتحول الاضطراب حتى الآن إلى توقف شامل في خطوط الإنتاج.
لكن هذه الحماية تبقى مؤقتة؛ إذ إن استمرار المصانع يعتمد على وصول مستمر للرقائق والقطع والمعادن والطاقة. وكلما طال تعطل النقل، تحولت المشكلة من ارتفاع كلفة يمكن للشركات احتواؤها جزئيا إلى احتمال تأخر الإنتاج أو خفض الطاقة التشغيلية.
ويرى دودنهوفر أن البدائل المتاحة تشمل البحث عن موردين جدد وتنويع مصادر الإمداد، إلى جانب التكيف مع ارتفاع تكاليف الطاقة، لكنه أشار إلى أن حل هذه المشكلة لا يبدو متاحا على الفور.
بالنسبة إلى المستهلك، لا يعني اضطراب الملاحة ارتفاعا فوريا في أسعار جميع السيارات، لكنه يرفع احتمالات إضافة رسوم مرتبطة بالنقل والوقود، أو إطالة فترات التسليم، ولا سيما في الأسواق التي تعتمد على المركبات المستوردة.
وارتفع متوسط أسعار السيارات الجديدة بنسبة 8.4%، وفقا لمؤسسة "كيلي بلو بوك" (Kelley Blue Book)، مع انتقال جزء من تكاليف الشحن إلى السعر النهائي للمركبات.
وتراجع حجم شحنات السيارات الآسيوية المتجهة إلى أسواق الشرق الأوسط بنسبة 90%، وفق اتحاد مصنعي السيارات الآسيويين، في مؤشر على حجم الصعوبات التي تواجهها الشركات للوصول إلى السوق الإقليمية.
غير أن مدى انعكاس الكلفة على المشترين يظل مرتبطا بمدة الأزمة، وبقدرة الشركات على امتصاص جزء من الزيادة من هوامش أرباحها، أو تمريرها إلى الوكلاء ثم المستهلكين.
تلجأ شركات السيارات إلى طرق بديلة لتجنب المسارات المتأثرة، بما في ذلك النقل البري عبر آسيا الوسطى أو إعادة توجيه الشحن بحرا عبر مسارات أطول، لكن هذه الخيارات تزيد الكلفة والوقت.
وقد ارتفعت كلفة الشحن البري عبر آسيا الوسطى بنسبة 150%، وفقا لمنتدى النقل واللوجستيات لآسيا الوسطى. ويعني ذلك أن تغيير الطريق قد يوفر قدرا أكبر من الأمان واستمرارية الإمداد، لكنه لا يمثل حلا مستداما اقتصاديا إذا استمر الاضطراب.
وتبقى مدة تعطل الملاحة العامل الحاسم في تحديد حجم الأثر. فإذا عادت طرق الشحن إلى العمل بصورة مستقرة خلال فترة قصيرة، قد تتمكن الشركات من احتواء الزيادة عبر المخزونات والمسارات البديلة.
أما إذا امتدت الأزمة لأشهر، فقد تنتقل آثارها بصورة أوسع من كلفة الإنتاج والنقل إلى الأسعار وخيارات المستهلكين والإنتاج والوظائف في قطاع عالمي لا يزال يتعافى من صدمات سلاسل الإمداد السابقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة