آخر الأخبار

شركات مكبلة وأدوية مفقودة.. كيف تحول تقنين الدولار في تونس إلى معاناة يومية؟

شارك

تونس منذ أسابيع، بات عادل مواظبا على موعد يومي مع كرسيه الخشبي وطاولته الصغيرة في مقهى شعبي بحيه في تونس العاصمة. هنا يقضي معظم وقته بعد أن فقد عمله في مصنع مختص بصناعة قطع غيار السيارات.

ودفع غياب المواد الأولية المستوردة من الخارج، التي يعتمد عليها المصنع في الإنتاج، إلى تقليص نشاطه ثم الاستغناء عن عدد من العمال.

ويقول عادل للجزيرة نت، وهو يحتسي قهوته بصمت: "لم أكن أجلس هنا إلا في عطلة نهاية الأسبوع، أما الآن فأصبحت أيامي كلها متشابهة".

ورغم ثلاثة أشهر من البطالة، تبدو ملامح الانفراج حاضرة في حديث عادل، إذ يضيف: "حصلت على عمل جديد، وسأبدأ الأسبوع المقبل". وهذه المرة سيستفيد من خبرته السابقة ليعمل في توزيع قطع الغيار بين المحافظات التونسية.

لكن ما توفر لعادل لا يبدو متاحا لكثيرين غيره. ففي بلد تتجاوز فيه نسبة البطالة 15%، وفق أرقام المعهد الوطني للإحصاء، ما يزال العشرات من زملائه يبحثون عن مورد رزق جديد، وسط أزمة اقتصادية متواصلة وضغوط متزايدة على احتياطي البلاد من العملات الأجنبية.

وتواجه تونس منذ سنوات صعوبات متنامية في توفير النقد الأجنبي، نتيجة ارتفاع الواردات وتباطؤ النمو الاقتصادي وضعف الاستثمار، إلى جانب تراجع القدرة على توفير التمويل الخارجي.

مصدر الصورة تحتاج تونس للعملة الصعبة لتوريد حاجياتها وسداد القروض الخارجية (الجزيرة)

قيود على الواردات

أثار منشور أصدره البنك المركزي التونسي مؤخرا جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية، بعدما فرض قيودا صارمة على تمويل واردات عدد من المنتجات المصنفة "غير ذات أولوية".

وينص المنشور رقم 4 لسنة 2026، الصادر في 26 مارس/آذار الماضي، على منع البنوك من تقديم تسهيلات ائتمانية أو تمويلات لاستيراد قائمة من السلع، إلا إذا قام المستورد بتغطية كامل قيمة البضاعة نقدًا قبل بدء عملية التوريد.

إعلان

ويشمل القرار السيارات السياحية، والملابس والمنسوجات، ومنتجات غذائية مثل الأجبان والفواكه الاستوائية والفواكه الجافة والعسل والحلويات، إضافة إلى المشروبات الغازية والمياه المعدنية وبعض أنواع الأسماك والقشريات.

ويقول المركزي التونسي إن هذه الإجراءات تهدف إلى "ترشيد الواردات والحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي"، غير أن فاعلين اقتصاديين اعتبروا أن القرار يضع آلاف المؤسسات أمام صعوبات مالية حادة، خاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على التمويل البنكي لمواصلة نشاطها.

مصدر الصورة شهدت تونس بالسنوات الأخيرة انقطاع عدد من السلع الأساسية ومنها الخبر بسبب تأخر في الدفع أو غياب السيولة (الجزيرة)

بحث عن الدولار

داخل مقر شركة ناشئة تعمل في مجال التكنولوجيا، يتحدث مصطفى الرياحي عن الصعوبات اليومية التي تواجهها مؤسسته في توفير العملات الأجنبية.

ويقول الرياحي للجزيرة نت إن سقف التمويل المخصص للشركات التكنولوجية "لا يسمح فعليا بالتوسع أو المنافسة"، موضحا أن الدولة تمنحهم نحو 10 آلاف دينار سنويا ( 3 آلاف دولار)، وهو مبلغ يعتبره غير كاف لشراء المعدات التقنية أو تسويق المنتجات والخدمات الرقمية.

ويضيف: "نعمل في سوق مفتوح، لكن القيود المفروضة على النقد الأجنبي تجعل تطوير النشاط شبه مستحيل".

أدوية مفقودة

لا تقتصر تداعيات الأزمة على المصانع والشركات، بل تمتد إلى الصيدليات أيضًا. فخلال الأشهر الأخيرة تكررت على صفحات ومجموعات تونسية على الإنترنت منشورات لمواطنين يبحثون عن أدوية مفقودة، أو يطلبون المساعدة لجلبها من الخارج.

وتشير شهادات عدد من الصيادلة إلى فقدان عشرات الأصناف من الأدوية، بعضها مرتبط بأمراض مزمنة وخطيرة، فيما يتعلق النقص أساسا بالأدوية المستوردة التي تؤمنها الدولة عبر الصيدلية المركزية.

وفي هذا السياق، يقول رئيس نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة زبير قيقة للجزيرة نت إن تحميل مختبرات الأدوية الدولية مسؤولية فقدان الأدوية "طرح غير واقعي".

ويضيف: "المخابر (المختبرات) الدولية شركات ربحية تتعامل بمنطق واضح، تعطي المال فتأخذ الدواء"، مشددا على أن العلاقة معها ترتبط أساسا بتسديد المستحقات واحترام آجال الدفع.

كما شهدت الأسواق التونسية خلال الفترة الأخيرة نقصا في مواد أخرى مثل القهوة والسكر والزيت النباتي، وهو ما يربطه خبراء بتراجع عمليات التوريد والضغوط المتزايدة على احتياطي النقد الأجنبي.

مصدر الصورة عشرات الأدوية المستوردة فقدت من الصيدليات في تونس (الجزيرة)

احتياطي تحت الضغط

تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى ارتفاع عجز الميزان التجاري خلال الربع الأول من سنة 2026 إلى نحو 7.5 مليارات دينار (2.5 مليار دولار)، مقابل 7.2 مليارات (2.4 مليار دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة ارتفاع قيمة الواردات بنسبة 7.9%.

في المقابل، كشف تقرير للبنك المركزي التونسي حول الوضع النقدي والمالي حتى 30 أبريل/نيسان 2026 أن احتياطي البلاد من العملات الأجنبية بلغ 25.1 مليار دينار (8.6 مليارات دولار)، بما يغطي 104 أيام من الاستيراد.

ويرى خبراء اقتصاد أن تونس، باعتبارها بلدا محدود الموارد من النقد الأجنبي، تتجه نحو تشديد سياستها الحمائية للحفاظ على الاحتياطي من العملات الأجنبية.

إعلان

ويقول الخبير الاقتصادي سامي العرفاوي في تصريح للجزيرة نت إن الحذر في إدارة النقد الأجنبي "أصبح ضرورة في ظل الوضع الحالي"، لكنه يعتبر أن الاكتفاء بسياسة التشدد لا يمثل حلا طويل المدى.

ويضيف العرفاوي أن تجاوز الأزمة يتطلب "دفع الاستثمار والتصدير باعتبارهما المصدر الأهم لزيادة مداخيل الدولة من العملات الأجنبية"، محذرا من أن استمرار القيود دون إصلاحات اقتصادية أوسع قد يفاقم حالة الركود، ويحد من فرص النمو.

مصدر الصورة آخر إحصائيات المركزي التونسي تفيد بأن البلاد تتوفر على احتياطي من النقد الأجنبي يغطي كلفة 104 يوما من الاستيراد (رويترز)

موارد دخل تقليدية

وفي مواجهة هذا الضغط على احتياطي النقد الأجنبي، تراهن تونس على عدد من الموارد التقليدية لدعم خزائنها من العملات الأجنبية، وفي مقدمتها تحويلات التونسيين بالخارج، وعائدات القطاع السياحي.

وبحسب بيانات رسمية، بلغت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج نحو 2.9 مليار دينار (999 مليون دولار) خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، فيما سجلت عائدات السياحة نحو 1.8 مليار دينار (620 مليون دولار) في الفترة نفسها.

كما تعتمد تونس على صادرات بعض المنتجات الفلاحية، مثل زيت الزيتون والقوارص (الحمضيات)، إلى جانب صادرات الفوسفات، باعتبارها من أبرز مصادر تدفق النقد الأجنبي إلى البلاد.

وبين مقاهٍ امتلأت بعاطلين، وصيدليات يبحث زبائنها عن أدوية مفقودة، وشركات تكافح لتأمين الدولار، تبدو أزمة النقد الأجنبي في تونس أكثر من مجرد أرقام مالية أو إجراءات مصرفية. إنها أزمة تنعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية، في بلد يحاول الموازنة بين حماية احتياطاته النقدية والحفاظ على دوران عجلة اقتصاده، وسط مخاوف متزايدة من أن يدفع المواطن، الحلقة الأضعف، كلفة هذا التوازن الصعب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار