آخر الأخبار

أقدم 10 حضارات في التاريخ.. كيف انبثقت مدائن البشر متباعدة حول الأرض؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

وقف الفرعون المصري خوفو على هضبة الجيزة، نحو عام 2580 ق.م، يراقب صعود هرمه الأكبر حجرا فوق حجر، حتى بلغ نحو 147 مترا، وظل 38 قرنا أعلى ما بنته يد إنسان على وجه الأرض.

في تلك السنوات نفسها، وعلى الضفة المقابلة من الكوكب، كان مهندس قديم لا نعرف اسمه يرفع هرما آخر يقارب حجمه، في واد صحراوي قاحل على ساحل بيرو بالقرب من المحيط الهادئ.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
* list 2 of 2 تراجع الذائقة والأمانة الفكرية.. تحديات صناعة التأليف في زمن الذكاء الاصطناعي end of list

لم يسمع أي من الرجلين باسم الآخر قط؛ لم يجمع بينهما لسان، ولا طريق قافلة، ولا حتى حكاية مهاجر تتناقلها الأفواه، ومع ذلك التقيا -من حيث لا يدريان- عند المنعطف ذاته في عمر البشر، في اللحظة التي اخترع فيها الإنسان المدينة.

ظلت هذه المصادفة خارج حسابات الأكاديميين حتى ربيع 2001، حين نشرت عالمة الآثار الأمريكية روث شادي ورقة قصيرة في دورية "ساينس" الأمريكية، فأزاحت عن تاريخ الأمريكتين ألف عام دفعة واحدة، وأعادت طرح سؤال ما أقدم حضارات الأرض؟

وكلمة "الأقدم" معلقة بتعريف "الحضارة"، والتعريف نفسه ساحة معركة علمية لم تحسم بعد، فما الذي نسميه حضارة؟

كتب عالم الآثار الأسترالي فير غوردون تشايلد، في عام 1950، مقالته التأسيسية "الثورة الحضرية"، ووضع فيها عشرة معايير صارمة تفصل "المدنية الكاملة" عما قبلها من مجتمعات زراعية باكرة.

ما يميز الحضارة بحسبه هو مدن مكتظة، فائض غذائي يدار من مركز، أشغال عامة ضخمة، طبقات اجتماعية، كتابة، علوم حساب وفلك، فنون تمثيلية، تجارة بعيدة المدى، ومؤسسة سياسية تقوم على الإقامة لا على رابطة الدم.

أقر الباحثون لاحقا بجوهرية ثمانية منها، وبقيت الكتابة -عند معظم علماء الآثار- الحد الفاصل بين "الثقافة" و"الحضارة".

الحضارة نبتت في ست بؤر مستقلة على الأقل -العراق ومصر وإيران والسند والصين وبيرو- ولم يكن لإحداها خبر بالأخرى؛ عاش سومريو أوروك وبناؤو كارال أعمارهم دون أن يدري بعضهم بوجود بعض، ومع ذلك بنى كلاهما الأهرامات، وأدارا اقتصادا جماعيا، وعبدا آلهة سماوية. يبدو أن للمدنية صفة كامنة في الإنسان، تستيقظ حيثما توفرت الزراعة ووفرة الغذاء

ولهذا، لا يدخل موقع غوبكلي تبه التركي (نحو 9600 ق.م)، ولا تشاتال هويوك الأناضولية ( 7500 ق.م)، ولا عين غزال الأردنية، في خانة الحضارات بالمعنى الأكاديمي الدقيق؛ هي ثقافات سبقت الكتابة، ونحن في هذا العرض سنلتزم الموقف العلمي، ونستند لمصادر علمية وأيضا لتقارير سابقة منشورة بالجزيرة نت.

إعلان

غوبكلي تبه أقدم من أهرامات الجيزة بسبعة آلاف عام، لكنه موقع يخلو من الكتابة ومن الدولة ومن التخصص الحرفي العميق، وهذا تمييز جوهري؛ تجاهله يفتح الباب لادعاءات شعبية عن "حضارات سرية قبل التاريخ" لا يسندها دليل.

وعلى هدي هذه المعايير العلمية، نسير في القائمة الآتية من الأقدم إلى الأحدث، عابرين القارات، وتتوزع جغرافيا هذه الرحلة بين مسارين؛ حوض "الشرق الأدنى القديم" حيث تلاقحت الأفكار والسيوف (سومر، ومصر، وأكاد، وعيلام، وإيبلا، وكرمة)، والحضارات المعزولة نسبيا التي ابتكرت مدنيتها خلف أسوار الجغرافيا الطبيعية (السند، وكريت، والصين، وكارال):

سومر.. أم المدن ( 4100–1900 ق.م)

في السهل الفيضي بين دجلة والفرات، حيث يتمدد جنوب العراق نحو الخليج، انبثقت أوروك (الوركاء)، أول مدينة عرفها التاريخ.

مصدر الصورة صيانة وترميم في زقورة أور، وهي موقع سومري قديم مدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، في محافظة ذي قار بالعراق (رويترز)

رفع سكانها في "الفترة الأوروكية" ( 4100–2900 ق.م) أوائل الزقورات، وابتكروا نحو عام 3200 ق.م أول نظام كتابة في تاريخ البشرية، في صورته الأولى التي يسميها الباحثون "المسماري الأولي"، بحسب ما توثقه موسوعة بريتانيكا والمتحف البريطاني.

وتحفظ المتاحف الكبرى -ومنها متحف المتروبوليتان في نيويورك- آلاف الألواح الطينية من هذه الكتابة البكر. ومعظمها، على نحو يخيب الظن الرومانسي، لوائح حسابات معابد، وفواتير جعة، وقوائم توزيع خبز. ولدت الكتابة محاسبة قبل أن تصير شاعرة.

ثم ماذا اخترع السومريون؟ السؤال المعكوس أسهل، ماذا لم يخترعوا؟ العجلة الدوارة، والنظام الستيني (ذو الأساس 60) الذي ما زال يحكم دقائق ساعاتنا الـ 60 وزوايا الدائرة الـ 360، وأول المدارس (الإيدوبا)، وأقدم قانون مكتوب وصل إلينا ( قانون الملك أور نمو نحو 2100 ق.م)، وأول ملحمة أدبية (جلجامش).

وملحمة جلجامش حكاية تستحق الوقوف؛ إذ انتشل المنقب الآشوري هرمز رسام -وهو ابن الموصل- في عام 1853 آلاف الألواح من تل نينوى وأرسلها إلى المتحف البريطاني. وهناك، بعد سنوات، فك المستعرب جورج سميث رموز اللوح الحادي عشر منها. تلك المكتبة وحدها -مكتبة الملك آشوربانيبال- ضمت أكثر من 30 ألف لوح، ووصفت بأنها "أثمن مصدر للمواد التاريخية في العالم".

من مطلع ملحمة جلجامش: "اصعد سور أوروك وسر فوقه.. تفحص أسسه، واختبر شرفات الطوب.. أليست لبناته قد شويت في الأتون؟ أولم يضع الحكماء السبعة أساسه؟"

ابتلعت موجات سامية متعاقبة سومر ابتلاعا بطيئا، حتى ذابت لغة الجد الأول في الأكدية بحلول عام 1900 ق.م. لكنها بقيت قرونا لغة الطقس والعلم، كما بقيت اللاتينية في أوروبا القرون الوسطى.

مصر.. هبة النيل ( 3300–30 ق.م)

تنازع مصر سومر شرف الأقدمية بفارق ضئيل لا يحسمه إلا مزاج المؤرخ.

غير أن أحدا لا ينازعها شرفا آخر، شرف الدوام؛ فحين انطفأت سومر وذابت في غيرها، ظلت مصر حضارة واحدة متصلة قرابة ثلاثة آلاف عام، أطول من أي حضارة أخرى في هذه القائمة، تحرس لغتها وآلهتها وطريقة موتها وبعثها جيلا بعد جيل.

مصدر الصورة ظلت مصر حضارة واحدة متصلة قرابة ثلاثة آلاف عام (رويترز)

وبدأت القصة في الجنوب، عثر علماء آثار ألمان عام 1998 على لوحات عاجية في مقبرة الملك "العقرب الأول" -من الأسرة صفر، نحو 3320 ق.م- تحمل أقدم كتابة هيروغليفية مؤكدة.

إعلان

وكانت الهيروغليفية واحدة من أنظمة الكتابة القليلة في التاريخ التي اخترعت اختراعا مستقلا، لا اقتباسا عن جيران.

ومن أوائل الجمل الهيروغليفية الكاملة ختم الملك سث بريبسن من الأسرة الثانية (نحو 2660 ق.م)، يعلن فيه أن "سيد أمبوس وحد الأرضين" لابنه الملك.

من تعاليم بتاح حتب:

"لا يدخلنك الكبر بسبب علمك، واستشر الجاهل والعالم على السواء..

فما من أحد يبلغ الحدود القصوى للفن، وما من فنان يستوعب كل المهارة.

والقول الحكيم أكثر ندرة من حجر الأخضر (الزمرد)، لكنك قد تجده لدى الخادمات اللاتي يطحن الحبوب."

ثم جاءت اللحظة التي اختصرت مصر كلها في حجر، شرع خوفو نحو عام 2580 ق.م في رفع هرمه الأكبر، فنحت ونقل ورصف نحو 2.3 مليون كتلة حجرية ليبلغ البناء 147 مترا.

والأذهل من الحجم دقة تربك المهندس المعاصر، فالفارق بين أطول أضلاع القاعدة الأربعة وأقصرها لا يتجاوز أربعة سنتيمترات ونصف، وأوجه الهرم موجهة إلى الجهات الأصلية الأربع بدقة تكاد تطابق إبرة البوصلة، وظل هذا الهرم 38 قرنا أعلى بناء صنعه الإنسان، رقم قياسي لم يكسر إلا في أواخر القرون الوسطى الأوروبية.

ولم تكن عبقرية مصر في الحجر وحده، وضع المصريون تقويما شمسيا من 365 يوما هو الجد المباشر لتقويمنا، وكتبوا بردية إدوين سميث الجراحية التي تعالج نحو ثمان وأربعين إصابة جسدية بمنطق تشخيصي بارد يخلو من الرقى والتعاويذ، حتى ليذهل أطباء اليوم.

وبنوا فوق ذلك ديانة أخروية بالغة التفصيل عن الحساب والميزان والخلود، تسربت بعض ملامحها لاحقا إلى الفكر الديني في حوض المتوسط.

ومن مفارقات هذه الحضارة أن طريق العالم الحديث إليها مر عبر شاب فرنسي مهووس، فك جان فرانسوا شامبليون رموز حجر رشيد عام 1822، بعد عشرين عاما من الوسواس به، فأعاد للهيروغليفية صوتها بعد قرون من الصمت. ثم جاءت الصدفة الكبرى عام 1922، حين عثر هاوارد كارتر على مقبرة فرعون مغمور هو توت عنخ آمون، وقد وصلت إلى الحداثة بكامل كنوزها، في حظ لم يتكرر في تاريخ علم الآثار.

أما النهاية، فلم تكن صدمة سيف، بل ذبولا بطيئا متأخرا؛ إذ دخل الإسكندر عام 332 ق.م، ثم حكم البطالمة، حتى أسدلت كليوباترا السابعة الستار بانتحارها عام 30 ق.م. ثلاثة آلاف عام أغلقت بلسعة أفعى.

كارال.. حضارة بلا حرب ( 3000–1800 ق.م)

نشرت روث شادي مع باحثين آخرين عام 2001، ورقة محكمة في دورية "ساينس " قلبت تاريخ الأمريكتين رأسا على عقب.

أثبتت التواريخ الكربونية المعايرة أن العمارة الجماعية الضخمة والمستوطنات الحضرية والزراعة الريية ازدهرت في الأمريكتين بحلول عام 2627 ق.م، أي قبل حضارة الأولمك بنحو خمسة عشر قرنا على الأقل، وفي اللحظة التي كان فيها خوفو يخطط لهرمه.

مصدر الصورة أطلال كارال، إحدى أقدم مدن العالم، يعود تاريخها إلى أكثر من 5000 عام (شترستوك)

ووصفت هذه البيانات بأنها "تكاد لا تصدق"، لأنها أرجعت أقدم تاريخ لمركز حضري في الأمريكتين أكثر من ألف عام إلى الوراء.

تقع كارال على بعد ثلاثة وعشرين كيلومترا من ساحل المحيط الهادئ، فوق رقعة من العمارة الضخمة تمتد على خمسة وستين هكتارا، فيها ستة أهرامات أكبرها "الهرم الأعظم" بمساحة تقارب 150 في 110 أمتار وارتفاع يناهز 28 مترا، وأدرجت في قائمة اليونسكو عام 2009، وتنتمي إلى شبكة من ثمانية عشر موقعا كبيرا في وادي سوبي، أعلن عن آخرها -مدينة بنيكو- في عام 2024 فقط.

لكن الأعجب من قدمها هو حين فتش فريق هاس في بقاياها عن أثر للعنف، لم يعثر على شيء؛ فلا أسوار، ولا أسلحة، ولا جثث مشوهة، ولا مبان محروقة.

وفي خلاصة أبحاثهم التي نشروا تأريخها الكربوني في دورية "نيتشر" عام 2004، كتب علماء مختصون درسوا تلك الحضارة أنه "لا يوجد دليل على أي حرب من أي نوع أو على أي مستوى" في تلك الفترة؛ فالجثث المشوهة والمباني المحروقة وسائر علامات العنف غائبة، وأنماط الاستيطان غير دفاعية بالكامل. مجتمع معقد بنى الأهرامات وعاش ألف عام كاملة دون حرب موثقة. يكفي هذا وحده ليكسر واحدة من أعتى خرافات أنثروبولوجيا القرن التاسع عشر، تلك التي تجعل الحرب رحم المدنية.

إعلان

وعثر فريق شادي، في أبريل/نيسان 2002، في أحد مدرجات كارال على اثنين وثلاثين نايا مصنوعا من عظام البجع والكوندور، وسبعة وثلاثين بوقا من عظام الغزلان واللاما، يعود تأريخها إلى نحو عام 2170 ق.م. قالت شادي لمؤسسة سميثسونيان إن الموسيقى "لعبت دورا مهما في مجتمعهم". مجتمع بلا أسلحة، لكن بآلات ناي!.

أما الكتابة فلا أثر لها في كارال، وأكدت شادي في يوليو/تموز 2005 العثور على " كيبو" -وهو الحبل المعقود الذي اشتهر لاحقا عند الإنكا- في درج من سلم أحد الأهرامات، ووصفته بأنه أقدم كيبو معروف ودليل على نظام تواصل شفري سيعمر 4500 عام.

هل كانت كارال "تكتب"؟ السؤال مفتوح. والذي يثبت مكانتها حضارة كاملة، حتى مع غياب الكتابة بمعناها الصارم، أنها استوفت تسعة من معايير تشايلد العشرة، بحسب قراءة باحثين.

ثم جاء الزوال، ربط فريق شادي، في عام 2005، انهيار كارال نحو عام 1800 ق.م بـ"الجفاف العظيم" الكوكبي الذي ضرب الأرض نحو عام 2200 ق.م. نزح سكان كارال إلى مواقع داخلية، ورسموا على جدرانها مشاهد جوع وحبل وصاعقة. تأريخ بصري لكارثة مناخية.

عيلام/حمورابي.. الجارة المنسية ( 3200–540 ق.م)

شرق سومر، حيث يقع جنوب غرب إيران اليوم في إقليم خوزستان، نهضت حضارة معاصرة لها تماما، يتجاهلها السرد العام عادة.

مصدر الصورة مسلة النصر التي أقامها نرام سين ملك أكاد معروضة في اللوفر (مواقع التواصل)

شهدت الفترة "العيلامية" ( 3200–2700 ق.م) ميلاد ثاني نظام كتابة في التاريخ بعد المسمارية السومرية، اسمه "البروتو عيلامية".

وهو -حتى لحظة كتابة هذه السطور- لم يفك شفرته رغم العثور على آلاف الألواح في سوسا وتبه يحيى. والكتابة المفكوكة وحدها لا تصنع حضارة؛ كثيرا ما تنطق الألواح بأرقامها قبل أن تنطق بحروفها، تماما كما نطقت ألواح سومر الأولى بمحاسباتها.

ويذكر "قائمة ملوك سومر" -ذلك نص الذي وضع أقدم تأريخ مكتوب للملوك- أن أول حرب موثقة في التاريخ وقعت بين كيش العراقية وعيلام نحو عام 2700 ق.م. أول "حرب جيران" نعرفها كانت بين الفرس الأوائل والعراقيين الأوائل.

من ديباجة شريعة حمورابي: "أنا حمورابي.. الملك الفاضل، الذي دعاه الإله إنليل.. لأشيع العدل في الأرض، وأقضي على الخبيث والشرير، لكي لا يستعبد القوي الضعيف، ولكي أنير البلاد كالشمس"

أما أعجب ما تركته عيلام للعالم، فمسلة قانون حمورابي البازلتية التي يبلغ ارتفاعها 2.25 مترا، وتحمل أقدم تشريع بابلي شامل. لم تكتشف في بابل، بل في سوسا عاصمة عيلام، على يد بعثة فرنسية بقيادة جاك دو مورغان عام 1901. كان الملك العيلامي شوتروك ناخونتي قد سلبها من بابل عام 1158 ق.م غنيمة حرب، فأقامها في عاصمته. وهي اليوم تستقر في متحف اللوفر.

ابتلعت الإمبراطورية "الفارسية الأخمينية" عيلام بعد عام 539 ق.م، لكن موروثها صار جزءا من الهوية الفارسية، مثلما صار موروث سومر جزءا من الهوية البابلية.

وادي السند.. لغز المهندسين ( 3300–1300 ق.م)

على ضفاف نهر السند، في ما هو اليوم باكستان وشمال غرب الهند، نهضت أوسع الحضارات القديمة رقعة.

مصدر الصورة أطلال حضارة وادي السند وحمام موهنجو دارو الكبير (شترستوك)

تجاوزت مساحتها مليونا وربع المليون كيلومتر مربع، وقدر سكانها بين أربعة وستة ملايين نسمة، وامتد طورها الناضج من عام 2600 إلى 1900 ق.م، وكانت مدنها -هارابا وموهنجو دارو ودولاويرا ولوثال- أكثر مدن العالم القديم تنظيما وتخطيطا، بشوارع متعامدة وشبكة صرف صحي مغطاة وأوزان مقيسة بدقة.

في موهنجو دارو "حمام كبير" مبطن بالقار، ربما كان حماما طقسيا، وربما خزانا عاما للماء، لا أحد يجزم، لأن من يعرف الجواب هو نص هذه الحضارة، وهو نص ما زال صامتا.

نقشت "الكتابة السندية" على نحو أربعة آلاف قطعة، معظمها أختام حجرية، وتضم بين 400 و600 رمز. وأكثر من مئة محاولة لفكها منذ عشرينيات القرن الماضي باءت بالفشل، لغياب نص ثنائي اللغة من طراز حجر رشيد.

لكن الأختام السندية تكلمت بطريقة أخرى. وجد بعضها في سوسا وفي مواقع سومرية، يعود تاريخه إلى ما بين 2400 وعام 2100 ق.م. وتشير المصادر السومرية إلى أرض "ميلوها" -التي يطابقها معظم الباحثين بحضارة السند- بوصفها مصدر اللازورد والعقيق الأحمر والعاج، كانت العولمة العتيقة قائمة قبل العولمة الحديثة بأربعة آلاف عام.

ولماذا اختفت؟ بحسب دراسة لمعهد وودز هول لعلوم المحيطات صدرت عام 2012، أدى ضعف الرياح الموسمية الصيفية وجفاف نهر سرسفاتي بدءا من عام 1800 ق.م إلى تراجع زراعي كارثي. ولم تنته هذه الحضارة بصدمة غزو، بل بتحول هادئ، هجرة شرقية نحو السهل الغانجي، وتفكك للمدن الكبرى بلا حرب. ومرة أخرى يكشف العلم أن أمضى أسلحة الزوال ليس السيف، بل المناخ.

إيبلا.. مملكة الطين ( 3000–1600 ق.م)

في تل المرديخ، على بعد خمسة وخمسين كيلومترا جنوب حلب وجنوب إدلب، اكتشف عالم الآثار الإيطالي باولو ماتييه موقع إيبلا عام 1964. وبين عامي 1974 و1976 خرج من القصر الملكي أرشيف صادم، نحو سبعة عشر ألف لوح طيني -منها 1800 لوح كامل وأكثر من أربعة آلاف شذرة- يعود إلى ما بين 2500 و2250 ق.م تقريبا. كانت الألواح ساقطة على ترتيبها فوق الرفوف الخشبية المحترقة، كأنها تجمدت في لحظة سقوط المدينة.

إعلان

فتح هذا الأرشيف فصلا جديدا في فهم العالم السامي الغربي في الألف الثالث، إذ تعد الإيبلائية من أقدم اللغات السامية الموثقة.

وكان القصر يدير اقتصادا معقدا يصدر الصوف والمنسوجات إلى سومر، ما يعني أن شمال بلاد الشام -خلافا للسرديات التي تجعلها هامشا لبلاد الرافدين- كانت طرفا ندا في الاقتصاد المتوسطي القديم، ويقع الموقع في سهل شمال سوريا الخصيب، حيث زرع الشعير والقمح والزيتون والتين والعنب والرمان والكتان.

سقطت إيبلا أمام حملات نرام سين الأكادي ( 2254–2218 ق.م)، أو أمام الحوريين -والخلاف قائم- ثم أحرقت مرة، ثم مرة أخرى. وفي كل مرة كان أهلها يعودون حتى اندثرت.

أكاد.. الإمبراطورية الأولى ( 2334–2154 ق.م)

شمال سومر، رفع رجل مجهول الأصل سيفه ووحد بلاد الرافدين لأول مرة في التاريخ.

اسمه سرجون الأكادي، أي "الملك الحقيقي"، وتروي الأسطورة -المحفوظة لاحقا في مكتبة آشوربانيبال- أنه ابن غير شرعي لكاهنة، وضع رضيعا في سلة من بردي على نهر الفرات، فالتقطه بستاني ورباه.

نقش أكادي بارز في المتحف الوطني العراقي ببغداد (أسوشيتد برس)

وماذا أنجز هذا الملك؟ أول إمبراطورية متعددة الأعراق والألسن في تاريخ الكوكب، من الأناضول إلى الخليج، ومن المتوسط إلى إيران.

صارت الأكدية لسان الإدارة 15 قرنا تالية، ووضع سرجون نظام بريد ومخازن غلال ومسوحا للأراضي. ومن المفارقات أن عاصمته "أكاد" لم تكتشف أثريا حتى اليوم، رغم آلاف النصوص التي تذكرها، فهي العاصمة الشبح في تاريخ علم الآثار.

"غرفة القصر" التي يحرسها مخلوقان هجينان برأس بشري، يعرفان في اللغة الأكادية باسم "لاما" (غيتي)

ابنته إنخيدوانا، كاهنة الإله نانا في أور، هي أول مؤلفة يعرف التاريخ اسمها. ظلت قصائدها -ومنها "تمجيد إنانا"- تنسخ في مدارس الكتبة أكثر من ألف عام بعد موتها. أول قلم نسائي معروف بالاسم في تاريخ الأدب خرج من بلاد الرافدين، قبل صافو اليونانية بأكثر من خمسة عشر قرنا.

بلغت الإمبراطورية ذروتها في عهد حفيد سرجون، نرام سين ( 2254–2218 ق.م)، الذي زعم نفسه إلها حيا، وتلقب بـ"ملك الجهات الأربع". ويحتفظ متحف اللوفر بمسلته الجيرية الشهيرة (نحو 2250 ق.م)، يظهر فيها بخوذة قرون الآلهة، يطأ أعداءه ويصعد جبلا نحو السماء.

ثم انهارت الإمبراطورية عام 2154 ق.م، فكتب السومريون نصا سموه "لعنة أكاد"، حملوا فيه نرام سين الوزر لأنه دنس معبد إنليل. أما السبب العلمي فهو جفاف "4.2 كيلوسنة" (تؤكده اللبب الجليدية والترسبات)، وغزو قبائل الغوتيين، وتمرد المدن.

كرمة.. قلب أفريقيا الحضري ( 2500–1500 ق.م)

في النوبة العليا -شمال السودان اليوم- نهضت حضارة قائمة بذاتها، ودامت قرابة أربعة آلاف عام من الحضور النوبي المستقل.

عاصمتها كرمة، وقلبها معبدها الطيني المعروف بـ"الدفوفة الغربية". هذا البناء -بحسب وثائق ترشيح اليونسكو، استنادا إلى حفريات السويسري شارل بونيه بين عامي 1977 و2003- يبلغ نحو 50 في 25 مترا، ويرتفع 18 مترا في ثلاثة طوابق، وتصفه اليونسكو بأنه مثال بارز على العمارة الضخمة بالطوب اللبن في تاريخ أفريقيا القديم.

وما لا تقوله كتب المدارس عادة، أن كرمة سيطرت من عام 2450 حتى عام 1450 ق.م على وادي النيل بين الشلال الأول والشلال الرابع، على رقعة توازي مصر نفسها. وأنها بين عامي 1700 و1500 ق.م -حين كانت مصر منهكة تحت حكم الهكسوس- اقتنصت الفرصة، وتحالفت مع الهكسوس، وكادت تسحق الفراعنة من الجنوب. لم يكن الفرس الأخمينيون أول من حاصر مصر في تاريخها؛ سبقهم نوبيو كرمة بألف عام تقريبا.

أسقطها الفرعون تحوتمس الأول نحو عام 1500 ق.م، فضمت إلى الدولة المصرية الحديثة. لكن النوبيين عادوا للانتقام صبرا؛ ففي القرن الثامن قبل الميلاد، فتحت مملكة كوش النوبية -وريثة كرمة، بعاصمتها نپتا ثم مروي- مصر بكاملها، وحكمتها الأسرة الخامسة والعشرون الكوشية 60 عاما من طيبة.

ثم استمرت مملكة مروي حتى نحو القرن الرابع الميلادي، وطورت كتابتها الخاصة "المروية" التي لم تفك شفرتها بعد.

كريت.. حيث ولدت أوروبا ( 3000–1450 ق.م)

في جزيرة كريت اليونانية، ظهرت أول حضارة كاملة في أوروبا، سماها مكتشفها السير آرثر إيفانز "المينوية" نسبة إلى الملك الأسطوري مينوس. ظهرت القصور الأولى -كنوسوس وفيستوس وماليا وزاكروس- نحو عام 2000 ق.م، بحماماتها ذات التصريف الصحي، وجدارياتها المبهجة بألوانها. حضارة بحرية واثقة، يدل خلو قصورها من الأسوار على أنها كانت تثق بأسطولها وحده.

أطلال مدينة كنوسوس المينوية القديمة، التي أعيد بناؤها جزئيا، في جزيرة كريت (غيتي)

لم يفك أحد بعد شفرة الكتابة المينوية. الهيروغليفية الكريتية (نحو 2100–1700 ق.م) والخط الخطي "أ" (نحو 1850–1450 ق.م) ما زالا غامضين. ومع ذلك منح المينويون أوروبا الكتابة من طريق ملتوية، إذ اقتبس منهم اليونانيون الميسينيون "الخط الخطي ب"، الذي فك شفرته البريطاني مايكل فينتريس عام 1952 ليتبين أنه يونانية قديمة. اليونانية -لغة أفلاطون وأرسطو- ابنة كريت لا ابنة أثينا.

اشترى آرثر إيفانز موقع كنوسوس في عام 1900، فكشف قصرا أشبه بالتيه، تزينه لوحات جدارية ساحرة لسيدات كريتيات بثيابهن وأقراطهن، ولرياضة "القفز على الثور" الطقسية. سيدات في غاية الأناقة، رياضة شباب خطرة، آلهة أمومية، وغياب صريح للحرب.

وكانت نهايتها كارثية؛ إذ انفجر بركان ثيرا في سانتوريني نحو منتصف الألف الثاني ق.م -والتأريخ مختلف فيه بين 1628 ق.م بحسب الكربون، ومتزامنات مصرية تضعه نحو 1530 ق.م. وبحسب دراسة نشرتها دورية "ساينتيفيك ريبورتس" التابعة لمجلة "نيتشر" عام 2021، كان البركان من الفئة السابعة في مقياس الانفجار البركاني، أي من أعنف ما سجلته الأرض في عشرة آلاف عام، بكتلة صخرية مكافئة بين 78 و86 كيلومترا مكعبا.

أرسل أمواج تسونامي ورمادا على سواحل كريت. وجاءت الضربة القاضية عام 1450 ق.م، حين دمر الميسينيون -أو زلازل أخرى- ما تبقى من القصور، باستثناء كنوسوس.

عظام التنين.. الصين الأولى ( 1900–1046 ق.م)

في وادي النهر الأصفر بمقاطعة هينان، اكتشف موقع إرليتو عام 1959. يضع أحدث تأريخ كربوني عمره بين 1750 و1530 ق.م، ويرجعه أقدم تقدير إلى عام 1900 ق.م.

متحف موقع إرليتو لسلالة شيا ومتنزه موقع إرليتو الأثري (وكالة شينخوا للأنباء)

يميل علماء الآثار الصينيون إلى أن إرليتو عاصمة "أسرة شيا الأسطورية" -أولى الأسر في التقليد الصيني- رغم أن لا نصا معاصرا يثبت ذلك. وتظل شيا حتى اليوم على الحد الفاصل بين الأسطورة والحقيقة الأثرية، في واحد من أكبر الجدالات في علم الآثار الصيني المعاصر.

أما المؤكد أثريا فأسرة شانغ (نحو 1600–1046 ق.م). وقصة اكتشافها قد تكون أطرف ما في تاريخ هذا العلم؛ فقبل عام 1899، كان كثيرون يشكون في وجودها أصلا. ثم لاحظ العالم الصيني وانغ يي رونغ -وكان مريضا يبحث عن دواء- رموزا غريبة منقوشة على ما يبيعه الباعة بوصفه "عظام تنين" لخصائص علاجية مزعومة، وتبين أن هذه "العظام" أكتاف ثيران ودروع سلاحف، نقشت عليها أسئلة تكهن طرحها ملوك شانغ على آلهتهم.

هكذا، في عيادة طبيب وبمحض الصدفة، اكتشفت أقدم كتابة صينية. اقتفي أثرها إلى موقع يينخو قرب أنيانغ، فكانت "العظام العرافة" أصل كل كتابة صينية إلى يومنا، 3300 عام من الاستمرار في الحرف نفسه.

أنتج الشانغ أرقى صناعة برونزية في العالم القديم -قدور طقسية معقدة ما زال علماء المعادن يحاولون فهم تقنياتها- وأول تقويم قمري شمسي صيني، وأول جهاز بيروقراطي. وفتح الباحثون "حفرة" في شياوتون شمال أنيانغ عام 1936، فعثروا فيها على 17 ألف قطعة منقوشة دفعة واحدة، أكبر مخزون مكتوب يعثر عليه مرة واحدة في العالم القديم.

أسقطت أسرة تشو أسرة شانغ نحو عام 1046 ق.م في معركة موي، بحسب الرواية التقليدية، لكن الفاتحين ابتلعوا ثقافة شانغ -لغتها وكتابتها وفنها- فصارت أساس الحضارة الصينية للألفية التالية. والكتابة الصينية الحديثة تطور مباشر من عظام التنين تلك.

خيط "مديني" يربط القارات

ما الذي تتركه هذه الرحلة في يدنا؟

عدة دروس، أولها أن "الحضارة" لم تنبت في بقعة واحدة ثم تنتشر، كما ظن علماء وبحاثة القرن التاسع عشر، نبتت في ست بؤر مستقلة على الأقل -العراق ومصر وإيران والسند والصين والبيرو- ولم يكن لإحداها خبر بالأخرى؛ عاش سومريو أوروك وبناؤو كارال أعمارهم دون أن يدري بعضهم بوجود بعض، ومع ذلك بنى كلاهما الأهرامات، وأدارا اقتصادا جماعيا، وعبدا آلهة سماوية.

يبدو أن للمدنية صفة كامنة في الإنسان، تستيقظ حيثما توفرت الزراعة ووفرة الغذاء.

وأيضا أن الكتابة بنت المحاسبة لا الشعر؛ فأقدم الألواح فواتير وقوائم خبز ووصولات استلام، لا ملاحم، وجاء الأدب بعد قرون. هذه ضربة موجعة لكل سردية رومانسية عن نشأة الكلمة المكتوبة، لكنها صادقة. كتب الإنسان أولا ليحصي ما يملك، ثم كتب ليسلي نفسه.

وكذلك يبدو أن الحرب صنعت الإمبراطوريات وأسقطت المدن وأنهت السلالات الحاكمة، لكنها نادرا ما محت حضارة من الوجود محوا نهائيا؛ ذاك ما فعله الجفاف والبركان، فالمناخ هو القاتل الأكبر للحضارات الأولى، لا الجيوش، ولم تسقط الحضارات سيوف الغزاة وحدها، بل تقلبات كوكبنا الأرضي.

وثمة قائمة بحضارات كان يحق لها أن تكون هنا لو وسعنا العتبة قليلا، لكننا اكتفينا هنا بعشر حضارات فقط، وللزيادة كان يمكن أن نضيف الأولمك ( 1200–400 ق.م)، والميسينيين ( 1750–1050 ق.م)، والفينيقيين (نحو 1500 ق.م)، والآشوريين الجدد ( 911–609 ق.م)، والبابليين (من 1894 ق.م)، وسبأ والممالك العربية الجنوبية (نحو 1200 ق.م)، والفرس الأخمينيين ( 550 ق.م)، ولكن كلها أحدث من حضارة شانغ الصينية، وكلها تستحق صفحاتها الخاصة في تاريخ بدأ في موضعين متباعدين، ثم اتسع حتى شمل القارات.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار