ليست هذه المرة الأولى التي يربط فيها المستشار الألماني فريدريش ميرتس بين العنف ضد النساء والهجرة. ففي الخريف الماضي على سبيل المثال أثار غضب الكثيرين بتصريحه حول "مشاكل مستمرة في المشهد الحضري" والتي ربطها بالهجرة. وعندما سُئل عما كان يقصده أجاب ميرتس: "اسألوا بناتكم".
والآن أثارت قضية الممثلة كولين فرنانديز جدلا حول العنف الرقمي ضد النساء وصل إلى البرلمان الاتحادي (البوندستاغ)، حيث تتهم فرنانديز زوجها السابق كريستيان أولمن بنشر صور مزيفة لها على الإنترنت.
وفي هذا السياق أعرب المستشار عن أسفه إزاء "تفجر العنف" في الفضاء الواقعي والرقمي على حد سواء. وقال إنه "علينا أيضا أن نذكر أن جزءا كبيرا من هذا العنف يأتي من أوساط المهاجرين إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية". وقد أثارت هذه التصريحات مرة أخرى الكثير من الانتقادات لميرتس. هل يستند المستشار في تصريحاته في البوندستاغ إلى حقائق وأرقام؟
الادعاء: "نشهد تصاعدا حادا للعنف في مجتمعنا سواء في الفضاء الواقعي أو الرقمي"، هكذا أجاب المستشار الألماني في الجلسة العامة ردًا على سؤال حول خططه لمكافحة العنف الجنسي ضد النساء لا سيما على الإنترنت.
تُظهر أحدث البيانات المتاحة من المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية بالفعل اتجاها تصاعديا في جرائم العنف التي "تُرتكب في الغالب ضد النساء أو تؤثر بشكل أساسي على النساء" وتصنف هذه الجرائم من قبل السلطات الاتحادية أيضا على أنها "جرائم محددة".
على سبيل المثال يمكن ملاحظة ارتفاع كبير في الجرائم الجنسية. ارتفع عدد المشتبه بهم في هذه الجرائم من 29424 في عام 2020 إلى 37881 في عام 2024 أي بنسبة 28,7 في المائة. وبالمثل لوحظ في عام 2024 ارتفاع مضطرد في عدد المشتبه بهم في مجالات العنف المنزلي (بزيادة 12,8 في المائة عن عام 2020) وكذلك الاتجار بالبشر لأغراض الاستغلال الجنسي (بزيادة 8,4 في المائة عن عام 2020).
صحيح أن جرائم القتل شهدت انخفاضا بنسبة 8,4 في المائة في عام 2024 مقارنة بالعام السابق. لكن على مدى خمس سنوات ظل عدد المشتبه بهم ثابتا حيث تراوح بين 746 في عام 2021 و853 في عام 2023.
لكن يمكن ملاحظة اتجاه تصاعدي أكثر وضوحا في العنف الرقمي على الإنترنت. في عام 2024 تم تسجيل 14130 مشتبها بهم بزيادة قدرها 122,1 في المائة مقارنة بأرقام عام 2020. ومع ذلك لم يتم تسجيل البيانات المتعلقة بـ "الاعتداءات على الأعضاء التناسلية من خلال التقاط الصور" بشكل منفصل إلا منذ عام 2021 ولكن حتى بدونها تبلغ نسبة الزيادة 110,8 في المائة.
ومع ذلك يجب تفسير أرقام مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية بحذر، لأن هناك عدة عوامل يمكن أن تشوه تصور حجم العنف ضد النساء . أحد هذه العوامل هو أنه يتم تسجيل الحالات التي تصل إلى علم الشرطة أو النيابة العامة فقط.
"تستند إحصاءات مكتب التحقيقات الجنائية الألماني إلى عدد البلاغات. لذا هناك عدد هائل من الحالات غير المبلغ عنها"، تؤكد خبيرة الإحصاء كاتارينا شولر ردا على استفسار من DW قسم التحقق. "هناك ملاجئ للنساء أو منظمات أخرى يمكن أن تكون المعلومات الإضافية التي تقدمها ذات قيمة"، حسب عضو مجلس إدارة الجمعية الألمانية للإحصاء.
وهناك جانب آخر يتمثل في ما يُعرف بـ"رد الفعل العكسي" الذي يمكن ملاحظته كرد فعل مضاد للتقدم المجتمعي في مجال المساواة بين الجنسين. ويشير مكتب الشرطة الجنائية الألماني بنفسه إلى أن عمليات التغيير المجتمعي والمواقف المرتبطة بها تجاه العنف المنزلي قد أدت إلى زيادة عدد البلاغات عن مثل هذه الحالات مقارنةً بالفترات السابقة.
وتقول الباحثة في علم الجريمة وعلم الاجتماع سوزان كارشتيدت في مقابلة مع DW: "لقد ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن العنف يتراجع عندما تحصل النساء على المساواة". "من الواضح أن هذا ليس هو الحال، كما تظهر الدراسات التي أجريت في الدول الاسكندنافية التي تعتبر مجتمعات متساوية للغاية. ومع ذلك يمكن الافتراض بأن وضع المساواة أي المساواة بين النساء والرجال قد يعرضهن لمخاطر أكبر".
وحسب كارستيدت فإن التحسينات الاقتصادية والاجتماعية التي تمكّن النساء من ترك العلاقات التي لا يشعرن فيها بالراحة قد تكون سببا محتملا لرد الفعل المعاكس من جانب الشركاء الذكور.
ويظهر رد الفعل أيضا على الإنترنت على سبيل المثال في شكل "المطاردة الإلكترونية" وغيرها من الجرائم التي تُرتكب عبر الشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية والتطبيقات المتخصصة والذكاء الاصطناعي. ويشير مكتب التحقيقات الجنائية الألماني إلى أن 61,2 في المائة من ضحايا العنف الرقمي هم من الإناث.
الادعاء: جاء الجزء الثاني من تصريح ميرتس حرفيا كما يلي: "وعلينا أيضاً أن نذكر أن جزءا كبيرا من هذا العنف يأتي من أوساط المهاجرين إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية". لكن هل هذا صحيح؟
تصريح المستشار الألماني عام ولا يحدد ما المقصود بـ"جزء كبير" وما المقصود بـ"المهاجرين". الحقيقة هي: يظهر غير الألمان في الإحصاءات الجنائية الرسمية للشرطة مقارنة بنسبتهم من إجمالي السكان بشكل غير متناسب كمتهمين في جرائم العنف القائم على الفئة الاجتماعية. وقد راجع فريق "التحقق من المعلومات والحقائق" التابع لـ DW تقرير المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي (جنس الضحية) لعام 2024: وبحسب هذا التقرير تبلغ نسبة غير الألمان من إجمالي السكان في ألمانيا 14,5 في المائة لكن 35,6 في المائة من المشتبه بهم في الجرائم الجنسية هم من غير الألمان و23,8 في المائة في جرائم العنف الرقمي و34,1 في المائة في جرائم القتل.
ومع ذلك فإن الأرقام لا تعكس الصورة الكاملة، كما أوضحت خبيرة الإحصاء كاتارينا شولر في حوارها مع DW: "تشمل إحصاءات الشرطة للجريمة، المشتبه بهم وليس الجناة المدانين". وقد يؤدي ذلك إلى تشويه الصورة من بين أمور أخرى. لأنه من الممكن أن يتم الإبلاغ عن المشتبه بهم الذين يُعتقد أن لديهم خلفية مهاجرة بشكل أكثر تكرارا من أولئك الذين ليس لديهم مثل هذه الخلفية. ويؤكد استطلاع نيدرزاكسن 2022 الذي أجراه معهد أبحاث علم الجريمة في نيدرزاكسن هذا الأمر بالنسبة للمراهقين على سبيل المثال.
بالإضافة إلى ذلك فإنها تعكس ما يُعرف بـ"الحالات المبلغ عنها" أي الحالات التي تم الإبلاغ عنها وتسجيلها فقط. ومن المرجح أن تكون "الحالات غير المبلغ عنها" أكبر بعدة أضعاف وقد تختلف فيها نسبة الجناة الألمان إلى غير الألمان. وحسب دراسة «LeSubiA» حول الحالات غير المبلغ عنها التي نُشرت في فبراير/ شباط تقل معدلات الإبلاغ عن معظم أشكال العنف عن 10 في المائة.
وهناك تشوهات أو عقبات مهمة أخرى تقلل بشكل كبير من الانطباع بأن غير الألمان يرتكبون جرائم في مجال العنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبة أكبر من المتوسط.
ألمانيا، برلين 2026 ، مظاهرة ضد العنف الجنسي الرقمي عند بوابة براندنبورغصورة من: Christian Ender/IMAGOهكذا يكتب المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية: "بغض النظر عن الأصل، فإن معدل الجريمة بين الشباب والرجال أعلى بكثير من المتوسط. وهذا يعني: إن أي مجموعة سكانية تضم نسبة أعلى من الرجال والشباب، كما هو الحال مع السكان غير الألمان، من المتوقع أن يكون معدل الجريمة أعلى لمجرد هذا السبب".
كما تؤكد عالمة الجريمة كاترين كارستيدت، أن الشباب هم الأكثر ارتكابا للعنف في جميع أنحاء العالم: "إذا أخذنا ذلك في الاعتبار يتضح بالمقارنة أن حجم جرائم العنف متطابق نسبيا".
عند تفسير توزيع المشتبه بهم يجب أيضا وفقا لمكتب الشرطة الجنائية الاتحادي مراعاة أن ارتفاع معدل الجريمة بين غير الألمان أمر معقول أيضا لأن الأشخاص من أصول مهاجرة يميلون إلى التأثر بشكل أكبر بعوامل خطر معينة: "وتشمل هذه العوامل إلى جانب الظروف المعيشية المكانية والاقتصادية غير المواتية الضغوط النفسية وتجارب العنف الشخصية في مرحلة الطفولة وكذلك المواقف الإيجابية تجاه العنف".
باختصار، الإحصاءات الجنائية للشرطة لا تصلح إلا بشكل محدود لاستخلاص استنتاجات حول واقع العنف القائم على النوع الاجتماعي في ألمانيا، كما أن ميرتس لا يقدم أي أدلة تدعم فرضيته. وتقول شولر: "البيانات المتوفرة لدينا قليلة جدا، ولذلك يجب أن نتوخى الحذر الشديد في تفسيرها".
وتعتبر أن تصريح فريدريش ميرتس بصيغته العامة "إشكالي إحصائيا وملتبس": "يجب أن يقوم التحليل السليم بإجراء مقارنات معدلة حسب العمر والجنس والبنية الاجتماعية".
أعده للعربية: م.أ.م
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW