آخر الأخبار

الشهقة الأخيرة.. حسن القطراوي يكتب التاريخ السري للألم من قلب "محرقة" غزة

شارك

تتفرد "الشهقة الأخيرة"، وهي مجموعة قصصية من حرب غزة للكاتب والأديب حسن القطراوي بكونها صادرة من قلب تجربة الحرب في غزة، حيث عاش الكاتب مأساة الصراع بكل ألوانها وقسوتها.

حول القطراوي هذه التجربة المباشرة إلى عمل أدبي يتجاوز المتعة الجمالية، ليصبح نافذة مكثفة على التجربة الإنسانية في أقسى لحظاتها وأكثرها هشاشة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلمي
* list 2 of 2 لماذا انتصر المسلسل على الفيلم؟ end of list

ولا تكتفي المجموعة بسرد واقع مثقل بالمعاناة، بل تعمل على تفكيكه وإعادة تركيبه سرديا، لتسلط الضوء على الإنسان قبل الحدث، وعلى النبض اليومي قبل الصورة النمطية، ما يمنحها أهمية خاصة بوصفها نتاجا مباشرا لشهادة حية متوازنة بين البعد الفني والبعد الواقعي.

يرتكز البناء السردي في "الشهقة الأخيرة" على الإنسان بوصفه جوهر الحكاية ومحورها الأساسي

الإنسان في قلب السرد

"المجاعة تتوحّش أكثر، لا شيء في السوق يمكن شراؤه، وإن وجد فإن صديقي لا يقوى على ثمنه، ينظر إلى أبنائه بعيون دامعة وأجسادهم تذوب أمامه كما يذوب الثلج، وفي ليلة استشرى فيها الجوع رأى القفص الصدري لابنه الصغير بارزا ويمكنه عد فقراته بالواحدة، حينها جن جنونه، وأقسم أن يذهب إلى أماكن المساعدات التي أعلن عنها جيش الاحتلال".

إنها فقرة في قصة "المصيدة"، إحدى قصص المجموعة، يرسم الكاتب من خلالها صورة إنسانية قاسية لتجربة الجوع واليأس في غزة، حين يصبح الإنسان أمام خيار مستحيل بين النجاة أو الموت جوعا.

مصدر الصورة ‎⁨القطراوي بين أنقاض ما خلّفته الحرب، ممسكًا بكتاب كأنّه يتمسّك بآخر خيوط المعنى وسط الخراب (الجزيرة)⁩

ويركز النص على التفاصيل اليومية الدقيقة التي تعكس المعاناة العميقة والخوف الدائم، ليحوّل اللحظة الفردية إلى شهادة حية على الواقع الصعب، مؤكدا هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد، وصراع البقاء الذي يختبر حدود الصبر والصمود.

في قصة "السبت الأسود" يوثق الكاتب مجزرة النصيرات بوصفها شهادة حية من قلب الإبادة

ويقول القطراوي للجزيرة نت: "يرتكز البناء السردي في "الشهقة الأخيرة" على الإنسان بوصفه جوهر الحكاية ومحورها الأساسي. القصص تركز على تفاصيل الحياة اليومية في ظل ظروف بالغة الصعوبة، حيث يصبح الألم تجربة مشتركة، والخوف رفيقا دائما، والصبر فعلا يوميا لا بطولة استثنائية. تظهر الشخصيات في لحظات ضعفها وقوتها معا، دون تزويق أو ادعاء، ما يمنح النصوص صدقا إنسانيا عميقا".

إعلان

ويضيف: "تبرز الروابط الاجتماعية والتفاعلات الإنسانية بوصفها خطوط نجاة في عالم متصدع، فالعائلة والجيرة والعلاقات البسيطة تتحول إلى مصادر دعم ومقاومة صامتة، تؤكد أن الإنسان قادر على التشبث بالحياة رغم كل شيء."

القاص الفلسطيني زياد خداش: المجموعة شهادة أدبية نابضة تنحاز للإنسان العادي، لتكشف هشاشته وقوته معا في مواجهة الموت

شهادة من قلب الإبادة

في قصة "السبت الأسود" يوثق الكاتب مجزرة النصيرات بوصفها شهادة حية من قلب الإبادة، حيث يصف ما جرى بعد ساعات من القصف، حين بدا الزمن ممتدا كألم متواصل.

يكشف النص عن صدمة المواطن التي تجاوزت حدود الوصف، ويضع القارئ أمام حجم الاستهداف الشمولي، مؤكدا أن ما حدث لم يكن مجرد حادث عسكري، بل جريمة جماعية تركت أثرا عميقا في الوعي الإنساني، وصارت جزءا من ذاكرة لا تُمحى.

وتعكس "المجموعة القصصية" الأثر النفسي العميق للأحداث على شخصياتها، كاشفة عن القلق واضطراب الشعور بالأمان، والخوف من المستقبل في سلوكياتهم اليومية، حيث يصبح التردد سمة، والانتظار عبئا ثقيلا.

كما ترصد العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، فتظهر المعاناة كظاهرة جماعية تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، إما بتعميق التضامن أو بإنتاج أشكال جديدة من الصمت والانكفاء.

مصدر الصورة ‎⁨القطراوي: الكتابة أداة لفهم ما تبقّى من الحياة وسط الدمار حين تختلط خطوات الإنسان بثقل الفقد (الجزيرة)⁩

وفي هذا السياق يصف القاص الفلسطيني زياد خداش في حديثه للجزيرة نت: المجموعة بأنها "شهادة أدبية نابضة من قلب الروح، تنحاز للإنسان العادي، لتكشف هشاشته وقوته معا في مواجهة الموت والحصار والفقد".

ويضيف: "التفاصيل الصغيرة تتحول إلى ذاكرة مقاومة، وإلى نصوص توثق الألم بوصفه تجربة معيشة، وتمزج بين واقعية قاسية وحس إنساني رفيع. إنه أدب يلتقط الحياة وهي تُنتزع من بين أنياب الفناء، ويمنح الضحايا صوتهم الأخير في مواجهة الصمت".

هذه القصص جزء من مشهد أكبر، إذ تجمع بين أصوات وتجارب متعددة تشكّل مقاطع من حكايات مؤلمة كثيرة يستحيل أن يحتويها كتاب واحد

اللغة، هوية وفعل مقاومة

تُبرز قصص القطراوي الحضور الواضح للهوية الفلسطينية من خلال استدعاء القيم والعادات والتقاليد، ليس كعناصر فولكلورية، بل كمكوّنات حية تشكّل الشخصيات ونمط حياتها. والبيئة المحلية تظهر بتفاصيلها اليومية لتؤكد أن الهوية ليست شعارا، بل ممارسة معيشية تتجدد رغم المحاولات المستمرة للطمس والتهميش.

ويصبح التمسك بالثقافة والذاكرة الجمعية شكلا من أشكال المقاومة، حيث يتحول الحفاظ على العادات واللغة والعلاقات الاجتماعية إلى تأكيد على الوجود والاستمرار.

وفي هذا الجانب يقول الروائي الفلسطيني سعيد أبو غزة للجزيرة نت: "القصص في مجموعة القطراوي تفتح أفقا لغويا حارا في المشهد السردي الفلسطيني. لغته ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل قلب اللقطة القصصية، تلتقط ألم الغزي بهدوء عميق بعيدا عن اللطم أو استجداء العاطفة. هذا النوع من الكتابة يراهن على الصدق الفني ويمنح القارئ مواجهة مباشرة للألم الإنساني، حيث تصبح اللغة فعل مقاومة وجمال في آن واحد".

فيما ترى الشاعرة هند جودة في حديثها للجزيرة نت أن هذه القصص جزء من مشهد أكبر، إذ تجمع بين أصوات وتجارب متعددة تشكّل مقاطع من حكايات مؤلمة كثيرة يستحيل أن يحتويها كتاب واحد. ويقدّمها الكاتب بوصفه شاهدا على التجربة، يكتب بوعي، مستندا إلى السرد كوسيلة لتوثيق ما جرى وحفظه في الذاكرة، وكفعل شخصي لمواجهة الفقد واستيعاب أثره.

مصدر الصورة الشاعرة الفلسطينية هند جودة (الجزيرة)

تمثل المجموعة سردية ناضجة، تجمع بين العمق الإنساني، والتحليل النفسي والاجتماعي، والوعي بالهوية، والاشتغال الفني، والبعد التوثيقي

الذاكرة في مواجهة النسيان

تمنح "الشهقة الأخيرة" القصة القصيرة بعدا توثيقيا واضحا، إذ تعكس الوقائع اليومية والأحداث السياسية والتاريخية ضمن إطار سردي إنساني، لا تُقدَّم الوقائع بوصفها تسجيلا جافا، بل تُعاد صياغتها أدبيا، بما يحفظ أثرها الإنساني ويمنحها قابلية للبقاء في الذاكرة.

إعلان

بهذا المعنى، تؤدي المجموعة وظيفة مزدوجة: أدبية من جهة، وشهادة حية من جهة أخرى، حيث يتحول السرد إلى وثيقة وجدانية تربط الأدب بالواقع المعيشي، وتمنح الصوت لمن غالبا ما يُحرمون من الحق في الكلام.

هذا ما يؤكده الكاتب والروائي أحمد عيسى للجزيرة نت قائلا: "يروي الكاتب حكايات الموت والحياة في غزة ضمن إطار سردي إنساني متنوّع الأساليب، يتنقّل فيه بين الراوي العليم والمتكلم والمخاطب، كاسرا الجدار الرابع، ومحوّلا الوقائع اليومية والسياسية إلى شهادات حية على الكارثة، لا تُقدَّم بشكل سردي مباشر، بل كذاكرة أدبية نابضة، عبر استعادة النهايات الفردية والوجع الإنساني بتقنية أقرب إلى الفلاش باك والتقطيع السينمائي".

ويوضح أن السرد الأدبي في قصصه تحوّل إلى وثيقة حية تحفظ أثر التجربة وتمنح الصوت لمن غُيّبوا قسرا، ليؤدي النص وظيفة مزدوجة: كتابة أدبية، وحفظ لجزء من الذاكرة في مواجهة النسيان.

تمثل هذه المجموعة القصصية سردية ناضجة، تجمع بين العمق الإنساني، والتحليل النفسي والاجتماعي، والوعي بالهوية، والاشتغال الفني، والبعد التوثيقي. كما تؤكد أن الأدب، في لحظات القهر، ليس ترفا ثقافيا، بل ضرورة إنسانية، ووسيلة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان. وبذلك، تفرض هذه المجموعة حضورها بوصفها شهادة أدبية صادقة، وصوتا إنسانيا يستحق الإصغاء".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار