في عام 1944، ظهر لأول مرة مصطلح قادة الرأي كما ورد في كتاب "اختيار الشعب" الذي أعدَّه بول لازارسفيلد وبرنار بيرلسون وهيربرت غودي، وتمَّ تعريفه حينها بـ"شخص يُمارِس تأثيرا كبيرا على محيطه".
في تلك الحقبة، كان هدف الباحثين الثلاثة دراسة المصادر والوسائل التي تؤثر في قرارات التصويت لدى الأميركيين خلال الانتخابات الرئاسية، وتوقعوا أن تكون الاختيارات الانتخابية متأثرة مباشرة بوسائل الإعلام، مثل الراديو أو الصحف، لكن النتائج بينت أن التأثير الأكبر كان يُمَارَس من قِبَل بعض الأفراد في المحيط القريب، مثل الأصدقاء والعائلة والزملاء في العمل، وهؤلاء هم الذين وُصِفُوا بـ"قادة الرأي".
ودون الخوض في تفاصيل الدراسة التي أُنْجِزَت في سياق الانتخابات الأميركية لحظتها، فقد ظهرت محدودية القدرة التفسيرية لما يُعرَف بنظرية "الحقنة تحت الجلد" التي كانت تفترض تأثيرا مباشرا وسريعا لوسائل الإعلام، وعوضًا عنها تبنَّت نتائج الدراسة ما سُمِّي بـ"نظرية التأثيرات المحدودة"، والتي نَسَّبَت من قوة تأثير الإعلام وأبرزت أن التأثيرات الاجتماعية كان لها الأثر الأكبر؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن الأفراد غالبًا ما يُغيِّرون رأيهم، سواء بتأثير من المقرَّبين منهم، أو من أشخاص يرجعون لهم بغية اتخاذ القرار، وهؤلاء يُسَمَّون بـ"قادة الرأي".
لقد فتحت هذه الدراسة الباب لكمٍّ هائل من الأبحاث التي تلتها ضمن دراسات تأثير وسائل الإعلام؛ إذ سينتقل المصطلح إلى حقل العلوم السياسية عام 1955 مع إدخال نموذج التأثير الشخصي المعروف بـ"نموذج الخطوتين" (Two-Step Flow) الذي اقترحه إلياهو كاتز وبول لازارسفيلد. وسيأخذ حينها مصطلح "قائد الرأي" مفهوم الوسيط الذي يقوم بدور التفسير والتأويل للرسائل الإعلامية للجمهور النهائي، ومن ثم يستمد دوره أهمية بالغة في إعطاء الرسالة الإعلامية شكلها النهائي الذي ستُفْهَم به من قِبَل الجمهور.
وخلصت نتائج دراسة كاتز ولازارسفيلد إلى أن التأثيرات الشخصية تؤدي دورا حاسما، وانتهت إلى أن عملية التأثير تتم على مرحلتين؛ إذ يقوم "قائد الرأي" بتلقي الرسالة وإعادة صياغتها قبل أن يَنْقُلَها إلى محيطه الذي يُشكِّل الهدف النهائي. لذلك يكون هؤلاء القادة أشبه بوسطاء بين المعلومة والمتلقي، فهم يُفسِّرونها ويُؤَوِّلُونها ويُقدِّمون رأيهم الذي عادة ما يكون له تأثير في طريقة تفاعل الآخرين مع هذه المعلومات.
ووفق هذه الدراسات، تبيَّن أن قادة الرأي يُظْهِرون انخراطًا قويّا في المواضيع السياسية، وهم أقلُّ تَأثرا بوسائل الإعلام من غيرهم، أي إن هؤلاء القادة يعملون وسطاء للمعلومة، يُشاركون آراءهم مع غير القادة داخل دوائرهم الاجتماعية.
لكن هذه الرؤية تعرَّضت للنقد من أبحاث ركزت على أن المتلقين ليسوا سلبيين دائما. ومن ثم اقترحت نموذجا مُكَمّلا هو نموذج "التفاعلات المتعددة" الذي طوَّره كلٌّ من جون مايرز وتوماس روبرتسون عام 1988.
وفي هذه الدراسة لاحظ الباحثان أن "قائد الرأي" يتعرَّض للمعلومة تماما مثل بقية المستهلكين، ومن ثم سلَّطا الضوء على ضرورة اعتماد إستراتيجية اتصال تستهدف القادة والمستهلكين معًا؛ لأن المعلومة لا تمر في اتجاه واحد، بل عبر حلقة مزدوجة من الفهم والتحليل والمشاركة داخل الشبكة التي تضم "قائد الرأي" والآخرين في سياق عملية تفاعلية مستمرة.
سيتطور مفهوم قادة الرأي، وسيستقطب باحثين سيتعمقون في دراسة الخصائص المميزة لهؤلاء القادة. لكن هذه الدراسات ستعرف تراجعا بعدما وصلت حدَّ الإشباع -كما يبدو- خلال عقدي الثمانينات والتسعينات.
وعلى إثر ظهور الإنترنت وما رافقه من تطور إستراتيجيات التسويق الرقمي والسياسي، خلال المرحلة التي تلت عام 2000، عاد المفهوم لاكتساب أهمية جديدة عبر دراسات متعددة، مثل الدراسة التي أنجزها كريم ستامبولي وإيريك بريونيس بالنظر إلى الدور الذي يؤديه هؤلاء القادة في الترويج للمنتجات التي يتم تسويقها إلكترونيًّا.
وفي كتاب "المؤثرون الرقميون: من هم؟ وكيف يؤثرون؟" الذي يُعَد موضوعَ هذه القراءة، تُلاحظ الباحثة فاطمة الزهراء خوياعمي أن معظم هذه الدراسات اعتمدت التعريفات التقليدية لقائد الرأي، أو في أحسن الأحوال قامت بتكييف المقاييس التقليدية لتُناسِب الإطار الرقمي قبل أن تظهر دراسات تدعو إلى التمييز بين قيادة الرأي التقليدية غير المتصلة بالشبكة، وقيادة الرأي الرقمية المتصلة بالشبكة؛ إذ أظهرت هذه الدراسات أن قادة الرأي داخل المجتمعات الافتراضية يتميزون بخلفيات تختلف عن تلك التي لدى القادة التقليديين.
ويُمثِّل هذا الكتاب إحدى المحاولات الأكاديمية الجادة التي درست هذا المفهوم من ناحية تحديد خصائص قادة الرأي وكيفية اشتغالهم.
وعلى هذا المستوى تتسم الدراسة بأهمية بالغة بالنظر إلى أن مفهوم "قادة الرأي" وإن لم يكن حديثا، فإن التحولات التواصلية الهائلة التي ارتبطت بظهور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الأدبيات المتراكمة بشأنه غير قادرة على تقديم إجابات كافية للأسئلة التي يطرحها التعامل مع الفضاء الرقمي.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن في موضوعه فحسب، وإنما أيضا في مسار كاتبته، فاطمة الزهراء خوياعمي، التي تخصَّصت في التسويق الرقمي، وكتبت بشكل منفرد، أو بالاشتراك مع باحثين آخرين، مقالات علمية حول دور المؤثرين في عملية التسويق الرقمي، وتأثير الذكاء الصناعي في الإعلام والاتصال، وتوَّجت عملها البحثي بمناقشة أطروحة الدكتوراه، عام 2022 في جامعة القاضي عياض بمراكش، التي شكَّلت المادة الأساسية لهذا الكتاب ولمقالات أخرى جاءت بعده.
أما موضوع الدراسة، فلا يبدو أن ثمة حاجة للتأكيد على أهميته، فالعالم الرقمي لم يَعُد مجرد واقع افتراضي مواز للواقع الحقيقي، بل إن الحدود بين العالمين تكاد تنتفي مع انتقال الجزء الأكبر من الممارسات الحياتية الواقعية إلى العالم الرقمي إما باعتباره بديلًا أو مكملًا (التواصل، السياسة، الاقتصاد، التجارة..).
لتبرير اختيار موضوع الدراسة أوردت الباحثة في هذا السياق أرقامًا وإحصاءات دالة استنادا إلى التقرير الرقمي 2020 الذي يرصد تطور العالم الرقمي عالميًّا، والذي تمَّ إنجازه بشراكة بين منصة إدارة مواقع التواصل الاجتماعي "هووت سويت" (Hootsuite) و"وي آر سوشل" (We Are Social).
ويؤكد هذا التقرير أن عالم الإنترنت ما زال يشهد نموا سريعا؛ إذ إن 4.66 مليارات شخص يستخدمون الإنترنت (أي 60% من مجموع سكان العالم مقابل 42% عام 2015)، وهناك 4.14 مليارات شخص نشط على الشبكات الاجتماعية (أي 60% مقابل 28% عام 2015). ولم تَعُد هذه الوسائط تُسْتَخْدَم فقط في الإعلام أو التجارة، بل أصبحت بيئة يتفاعل فيها الناس، ويتواصلون عبرها، ويؤثر بعضهم في بعض على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم الجغرافية.
ووفقًا للإحصاءات ذاتها، فإن 52% من مستخدمي "فيسبوك" يستعملون هذه المنصة أكثر من مرة في اليوم، مقارنة بـ34% على "يوتيوب" و31% على "إنستغرام".
ولعل هذه المعطيات تكون شجعت أصحاب الشركات على استخدام هذه الأدوات ضمن إستراتيجيات تسويقية تعتمد على الشبكات الاجتماعية. لكن لضمان فاعلية هذه الإستراتيجيات، بات من الضروري الاعتماد على الأشخاص المناسبين، أي أولئك الذين يملكون قوة تأثير اجتماعية فعلية، والذين يتوقف عليهم نجاح أو فشل هذه الإستراتيجيات، وهؤلاء هم من يُسمَّون اليوم بقادة الرأي الرقميين (Digital Opinion Leaders).
والواقع أن الاعتماد على هؤلاء المؤثرين لم يَعُد خيارا يمكن التغاضي عنه في ظل قدرتهم على الوصول والتأثير في جمهور واسع يُقدر بالملايين بل وبعشرات الملايين في بعض الحالات. وهذا يحيلنا مباشرة إلى موضوع هذه الدراسة وأهدافها.
تُمثِّل فكرة الكتاب امتدادًا لدراسات "قادة الرأي"، لكن هذه المرة في الزمن الرقمي، وفي سياق الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي أدى إلى ظهور جيل جديد من قادة الرأي الرقميين، أو المؤثرين الإلكترونيين، الذين يمتلكون قدرة على التأثير من خلال حضورهم على الإنترنت.
ولعل أهم ما يُميِّز هذا الكتاب/الدراسة هو الوضوح التام لإشكالية الدراسة والأسئلة التي تجيب عنها، والأهداف التي تتوخى تحقيقها؛ إذ منذ البداية تعلن الباحثة فاطمة الزهراء خوياعمي أن دراستها تهدف إلى رسم بروفايل نموذجي لقادة الرأي الرقميين على الشبكات الاجتماعية، وفهم خصائصهم الأكثر تأثيرًا في تفاعل المستهلك، والتحقُّق مما إذا كانت خصائص قادة الرأي التقليديين تختلف عن خصائص قادة الرأي الرقميين.
وانطلاقًا من هذه الأهداف، صاغت الباحثة أسئلة بحثية رئيسية:
وللإجابة على هذه الأسئلة، تنطلق الباحثة من فرضيتين رئيسيتين، هما: بروفايل قادة الرأي الرقميين يختلف في خصائصه عن بروفايل قادة الرأي التقليديين. ثمة خصائص مشتركة بين القادة الرقميين بغضِّ النظر عن المنصة الاجتماعية التي ينشطون عليها أو نوع المنتج الذي يُقدِّمونه للمستهلك.
في سياق تحليل أبعاد الدراسة اعتمدت الباحثة خوياعمي مقاربة متعددة المناهج، أو منهجية مختلطة تستند لأدوات منهجية كمية وأخرى كيفية. وبشكل أكثر تفصيلًا استندت الباحثة إلى:
ويتسم الإطار النظري لهذه الدراسة بالوضوح ارتباطا بطبيعة الإشكالية والأسئلة المطروحة؛ إذ لم يكن صعبا على الباحثة أن تُحدّد التصور النظري الذي ستُبْنى عليه الدراسة والمتمثل أساسا في مراجعة أدبيات دراسات "قادة الرأي" التي ظهرت منذ أربعينات القرن الماضي ضمن دراسات تأثير وسائل الإعلام، وأيضا ما أنتجه البحث العلمي خلال العقود الثلاثة الماضية في ارتباط بظهور الإنترنت وانتشاره وتحوُّله إلى "فضاء عام" بديل.
وعلى هذا المستوى أوردت الكاتبة دراسات كثيرة وعميقة تُظهِر اطلاعا واسعا على ما سبق من الأدبيات، مع تركيز خاص على الدراسات التي اهتمت بـ"قادة الرأي" على شبكة الإنترنت أو من يُسَمَّون بـ"المؤثرين".
وتؤكد الخلاصات التي استقتها الباحثة من الدراسات السابقة أنه لحد اللحظة لا توجد خصائص مميزة لقادة الرأي الرقميين بالنظر إلى أن الدراسات الحالية غالبا ما تركز على منتج واحد فقط على شبكة اجتماعية واحدة فقط في كل بحث، بينما أظهرت دراسات أخرى أن قيادة الرأي الرقمي لا تزال غير مستقرة من حيث النمذجة النظرية.
كما تنقل الباحثة خوياعمي ضمن الخلاصات السابقة أن بعض الدراسات اعتمدت على التدفق ذي الخطوتين (Two-step-flow) في تحليل قيادة الرأي رقميًّا، بينما اهتمت معظم الأبحاث بشبكة التفاعلات المتعددة (النموذج البديل)؛ إذ تصل المعلومة إلى عدد كبير من أعضاء المجموعة ويكون التفاعل أكبر.
وتنقل في هذا السياق خلاصات دراسة شاومي وو، وجيك هوفمان، ووينتر ماسون، ودنكان واتس الذين لاحظوا أن شبكة "تويتر" سابقًا (إكس حاليا)، تعمل وفقًا لنموذج "التدفق ذي الخطوتين"؛ إذ يقوم قادة الرأي بدور كبير في ترشيح المعلومات والأخبار والمعطيات التي سيتم تداولها فيما بعد، بل ويقومون بدور كبير في شرح وتأويل وتفسير هذه المعطيات. ورغم ذلك، يرى باحثون آخرون أن التأثير الشخصي لقادة الرأي لا يعدو أن يكون شكلًا من أشكال العدوى الاجتماعية؛ حيث ينبع التغيير الاجتماعي من أفراد يسهل التأثير عليهم ويؤثرون هم بدورهم في أفراد آخرين يَسْهُل التأثير عليهم أيضا.
وفي نفس السياق تعود الباحثة إلى مراجعة الأدبيات الخاصة التي بحثت في نطاق تأثير قادة الرأي حيث تطورت 3 مقاربات:
لكن هذا التباين والاختلاف في السمات التي تميز "قادة الرأي" لم يَحُلْ دون تحديد الدراسات السابقة لمجموعة من الخصائص العامة التي يشترك فيها معظم قادة الرأي ويلخصها الكتاب في ما يلي:
قيادة الرأي ظاهرة متعددة الأبعاد
لا ترتكز قيادة الرأي على سمة واحدة أو بُعد محدد، بل تتشكل من تفاعل معقّد بين عدة عناصر، وهذه الأبعاد لا تُوجد فطريًا، بل تُبنى تدريجيًا في سياقٍ اجتماعي أو استهلاكي محدد، وهي:
تميز الدراسات التي أوردتها الباحثة بوضوح بين نوعين من القيادة:
تُشير الباحثة إلى أن الارتباط الدائم بفئة المنتج هو المحدد الأهم في تَشَكُّل قيادة الرأي. فالقيادة لا تظهر فقط بسبب المعرفة أو القدرة على التأثير، بل لأن الشخص لديه دافع دائم للمشاركة والاكتشاف والتفاعل مع موضوع أو منتج معين.
وعلى الرغم من تغير الوسائط وأشكال الاتصال، مثل الانتقال من العلاقات المباشرة إلى المجتمعات الافتراضية، تؤكد الدراسة أن البنية النفسية والسلوكية لقائد الرأي لم تتغير، بل إن ما تغيَّر هو السياق أو القناة وليس الجوهر. ولا تزال المصداقية والخبرة تُشكِّل أساس القيادة.
وانطلاقًا من الدراسات السابقة ترى الكاتبة أن الحاجة إلى قادة الرأي تزداد في السياق الرقمي كلما كان المنتج معقدًا أو غامضًا، وأن دور قادة الرأي يتسم عادة بالتفاعل مع وسائل الإعلام أكثر مما يفعل غيرهم؛ ما يُنمِّي خبراتهم ويزيد قابليتهم للابتكار. كما أن الدراسات التي اعتمدت عليها الباحثة انتهت إلى أن الجاذبية الجسدية تخلق انطباعا أوليا إيجابيًّا (وُدّ، صدق، تأثير)، لكنها ذات أثر مؤقت، وتُعَد أكثر فاعلية في الإعلانات القصيرة.
أما فيما يخص السمات الاجتماعية، فإن قادة الرأي يتسمون بالانفتاح الاجتماعي، وهم عادة نشطون في الشبكات الاجتماعية. وبخصوص السمات الاجتماعية والديمغرافية، فليست ثمة صفات موحدة تنطبق على جميع قادة الرأي بل إن التباين كبير على مستويات كثيرة (العمر، الدخل، التعليم..).
وتخلص الدراسة إلى تحديد الخصائص المحددة للمؤثرين الرقميين وكيفية التأثير في المتابعين، والتي تتمثَّل بشكل عام في:
أما عملية التأثير فتتم عن طريق ما يُشبه عملية وساطة يقوم بها المؤثر الرقمي بين العلامة التجارية والمتابع عبر تعزيز الثقة في هذه العلامة، من خلال "رأسماله الرمزي"؛ إذ يحظى المؤثر بثقة المتابعين، فيدفع الجمهور نحو التفاعل والنشاط (الإعجاب، المشاركة، التعليق..) وصولًا إلى التأثير في المستهلك وتبنِّيه للعلامة التجارية.
لعل أول ما يُثير الانتباه في الكتاب هو أهمية الموضوع وقلة الدراسات بشأنه. فقد تحوَّل موضوع "قادة الرأي" الرقميين فعلا إلى ظاهرة حقيقية لها تأثيرها في كل مجالات الحياة بشقيها، المادي والرمزي. وسواء تعلق الأمر بالمواد الاستهلاكية، أو بالرموز الثقافية، فتأثير قادة الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص غدا واقعا معيشا، ويُمثِّل جزءا من آليات التوجيه المباشر وغير المباشر.
وسواء تعلق الأمر بإعلانات مدفوعة، أو بتبنِّي مواقف، أو سلوكيات معينة، فالتأثير يبدو واضحا في التعرف في مرحلة أولى على هذه المنتجات، أو المواقف، ومن ثم تبنِّيها شراء أو ممارسة في مراحل لاحقة وفق مسار خاص يربط المنتج ماديًّا كان أو رمزيًّا بشخصية المؤثر.
وإذا كانت دراسات "قادة الرأي" قد حظيت بأهمية كبيرة منذ أربعينات القرن الماضي في وقت لم يكن هؤلاء القادة بمقدورهم التأثير إلا في محيطهم المباشر، باعتبار أن عملية التأثير كانت تفترض الاتصال المباشر (شفهيًّا في أغلب الأحيان)، فكيف الحال وقد أصبح قادة الرأي يمتلكون قنوات ووسائل للتواصل تربطهم مع عدد غير محدد من الأفراد (قد يصل إلى ملايين وربما أكثر في وقت واحد) ودون الحاجة إلى اللقاء المباشر ولا المعرفة الشخصية.
بل إن توافر الثقة تجاه قادة الرأي الذين يقومون بدور "الوساطة" تحليلًا أو تفسيرًا أو تأويلًا أو تعبيرًا عن موقف من خطاب أو نص كيفما كانت طبيعته، كانت شرطًا لازمًا ومسبقًا لتحقيق القبول الاجتماعي ومنح الشرعية لشخص ما للقيام بدور قائد الرأي.
أما في الزمن الرقمي فإن الثقة، رغم أهميتها، قد تُبْنَى خلال عملية التواصل ذاتها، فلم تَعُد شرطًا لازمًا مسبقًا كما كان عليه الأمر من قبل ما دام انتقال الأفراد بين الصفحات والمنشورات يتم أحيانًا وفق منطق تُقَرِّره الخوارزميات.
ومن ثم يتم الاتصال الأول بقائد الرأي الجديد، وبناء هذه الثقة أو عدم بنائها وفق مسار يتسم بالسرعة خلافًا لما كان عليه الأمر عندما تعلق الأمر بقادة الرأي التقليديين؛ ذلك أن "قائد الرأي" التقليدي لا يصبح كذلك لذاته، وإنما لصفات أخرى تجعل من القيادة نتيجة، قد تكون الوجاهة الاجتماعية والمعرفة والانتماء الأسري وحتى المادي، خلافًا لـ"قائد الرأي" في الزمن الرقمي الذي لا يخضع بالضرورة لهذه المعايير. فقد يصبح قائد رأي بالصدفة؛ لأنه نشر فيديو ولسببٍ ما تمَّ تداوله بشكل كبير، كما أن التأثير أصبح أكثر سهولة بل وسيولة في ارتباط بتراجع الشرعيات والمرجعيات.
ويمكن هنا أن نضرب مثلًا بـ"قائد الرأي" في مجال دقيق، مثل الصحة النفسية؛ إذ كان يفترض فيه سابقًا التخصص العلمي والأكاديمي، لكن الأمر لم يَعُد كذلك في الزمن الرقمي، فصفة "لايف كوتش" (Life Coach)، أو مقدم النصائح في العلاقات الزوجية على سبيل المثال، لا تعني بالضرورة خبرة معينة قد تتوافر وقد لا تتوافر بقدر ما يعني أساسًا قدرة على الحديث بسلاسة وعلى الجذب والإقناع، وهي معايير يندرج ضمنها الجاذبية الشكلية والخطابة وأحيانًا الغرابة والتفرد… بل إن معايير النجاح في المجال الرقمي قد تصبح عصيَّة على التفسير أحيانًا بسبب الغموض الذي يلف طريقة اشتغال الخوارزميات.
وخلاصة القول: إن المعايير المفترضة في "قائد الرأي الرقمي" تبدو أقل تشددًا وأكثر تعددًا وتنوعًا، بل إن هذه المعايير تبدو أحيانًا مرتبكة وليست على نسق واحد. فالجاذبية والإقناع، وهما شرطان ضروريان للانتماء إلى دائرة "قادة الرأي" في الزمن الرقمي، تتحققان بأساليب مختلفة ومتناقضة أحيانًا.
فمن المتخصص في العلوم الطبية، أو الاجتماعية، أو التاريخ، إلى الفتاة التي ترقص أمام شاشة "تيك توك"، مرورًا بالشخص الذي يُلقي النكات، أو "لايف كوتش" الذي يُقدِّم نصائح في الحياة الزوجية، إلى معلمي اللغات، ومحترفي المقالب، ومُقدِّمي ما سُمِّي في المغرب بـ"روتيني اليومي" الذين ينحصر محتواهم في تصوير حياتهم اليومية، كل هؤلاء يمكن أن يحجزوا لهم مكانًا ضمن "قادة الرأي" بشكل من الأشكال في ارتباط بطبيعة الجمهور الذي يتوجهون إليه.
والنتيجة أن هناك سيولة في تحديد هذه الصفة بالشكل الذي يطرح سؤالا جديا بشأن تحديد المعايير القادرة على ضبط المفهوم وإخراجه من حالته السائلة الحالية. ولعل هذا ما يجعل من أي محاولة لضبط المعايير وتحديد المفاهيم خطوة إضافية في مسار إخراج هذا الموضوع من حالة الارتباك والانطباعية التي تسوده، وإذا أخذنا بعين الاعتبار قلَّة الدراسات الحديثة في الموضوع فهذا يمنح الكتاب شرعية استثنائية.
وعلاوة على أهمية الموضوع، فإن نقطة القوة الثانية التي تُميِّز هذا الكتاب ولا يمكن تجاهلها هي وضوحه المنهجي. ويتبيَّن ذلك من خلال وضوح إشكالية الكتاب والأسئلة التي يروم الإجابة عليها. وعلى هذا المستوى يبدو "التعاقد" واضحًا بين الباحثة والقارئ؛ إذ منذ البداية يتوقع القارئ أن عملية التلقي ستنتهي بالتعرف على خصائص قادة الرأي الرقميين والفرق بينهم وقادة الرأي التقليديين، وكيفية تأثيرهم في جمهورهم أو متابعيهم. والكتاب يفي بهذا الالتزام الذي يقطعه منذ صفحاته الأولى.
وينسحب هذا الوضوح على الأدوات المنهجية التي اعتمدها الكتاب؛ إذ يعتمد "النتنوغرافيا" أداة منهجية لدراسة صفحة "مؤثر" مغربي لم تذكر اسمه، ولكن ما ذكرت من صفاته يجعل التعرف عليه سهلًا، ويتعلق الأمر بـ(أ. ر) وهو مختص في المجال الرقمي يتابعه حاليًّا على فيسبوك 3 ملايين و300 ألف شخص (تمَّ الدخول على صفحته في 15 أغسطس/آب 2025). ومن ثم ستجري مقابلات مع عشرة أشخاص من متابعيه لتأكيد النتائج التي توصلت إليها في الدراسة النتنوغرافية.
هذا الوضوح أسهم في سهولة القراءة والتعاطي مع الكتاب؛ إذ إن قراءته لا تتطلب مجهودا فكريا خاصًّا، لاسيما أن الباحثة اعتمدت لغة بسيطة وواضحة دون أي تَقَعُّر أو استعمال للغريب من اللفظ أو سَكِّ عبارات معقَّدة.
الكتاب: المعايير المفترضة في قائد الرأي الرقمي تبدو أحيانًا مرتبكة وليست على نسق واحد (شترستوك)إن الوضوح المنهجي الذي ميز الكتاب، خاصة في نوع المقاربة، لا ينفي وجود إشكالات منهجية ترتبط بخيارات الباحثة. فقد اكتفت بدراسة صفحة مؤثر واحد على فيسبوك، وفي ذلك تَقْتِير أكاديمي واضح قد يجعل نتائج البحث قاصرة على التعميم، خاصة أن إحدى أهم سمات عالم وسائل التواصل الاجتماعي هو "التشظي"، أي التنوع المفرط والتباين الكبير بين الأشكال والمضامين، و"غياب قواعد ناظمة"؛ إذ إن المجال محكوم بقدر محدود من القواعد عدا ما تفرضه قواعد "السوق" والانتشار في ارتباط بطريقة عمل الخوارزميات.
وخلافًا للتليفزيون أو الصحف أو وسائل الإعلام التقليدية، التي وإن تباينت توجهاتها وأشكالها وقوالبها الفنية، فهي تخضع لقواعد محددة سلفًا، والخروج عليها أو تطويرها يتم وفق منطق محكوم بقواعد بعضها مرتبط بالخط التحريري والخيارات السياسية وأخلاقيات المهنة ومواثيق الشرف والاتفاقيات الجماعية وغيرها؛ ما يجعلها في المجمل محافظة؛ إذ يحدث فيها التغيير ببطء وتدرج ودونما قطائع صادمة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي غير معنية بأيٍّ من هذه الحدود؛ فهي مفتوحة على كل المضامين والأشكال والقوالب مما يجعلها منقسمة على ذاتها بطريقة كبيرة.
وهو ما يدفع إلى التعامل بحذر مع مفهوم "التعميم" الذي هو عملية استخلاص قاعدة عامة أو استنتاج عام انطلاقًا من ملاحظات جزئية أو حالات محدودة؛ ذلك أن دراسة مؤثر واحد في مجال متخصص مُوَجَّه لجهور محدد يحمل في ثناياه محاذير سوء التعميم، ربما كان من المناسب اعتماد دراسة مقارنة بين أكثر من صفحة بما يضمن نتائج أكثر موثوقية.
كما أن صناعة قادة الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي تختلف بين المنصات المختلفة، فالحصول على "شرعية" قيادة الرأي على منصة "إكس" على سبيل المثال يختلف عن منصة "تيك توك"؛ إذ إن الأولوية في الأولى للفكرة والمعلومة، بينما في الثانية الأولوية للترفيه.
ولذاك فإن قادة الرأي في "إكس" يحصلون على شرعيتهم عادة من مواقعهم الاعتبارية (صحافيون، سياسيون، خبراء معروفون، نشطاء…)، بينما الأمر مختلف في منصة مُوَجَّهَة للشباب والمراهقين وتقوم على قاعدة الفيديوهات القصيرة (10 ثوان تكفي). لذلك فإن دراسة مقارنة كانت ستتميَّز بأهمية بالغة في تقديم نتائج أكثر دقة وتعميمًا.
كما أن الباحثة اكتفت بعشر مقابلات لأشخاص تتراوح أعمارهم بين 26 و30 ومستواهم التعليمي ما بين الدبلوم الجامعي والدكتوراه، دون أن توضح لنا بدقة أسباب هذا الاختيار، لأن هذه العينة تعني أن النتائج تخص فئة الشباب المتعلم، ولا يمكن تعميمها على من هم أكبر سنًّا أو أقل تعليمًا، ثم إن 70% من العينة هم من الذكور، دون أن تُفسِّر الباحثة سبب هذا الاختيار: هل هو لأسباب ديمغرافية أم مرتبطة بكون متابعي هذا المؤثر معظمهم من الذكور. وهذا ما يُعيد طرح سؤال التعميم مرة أخرى.
صناعة قادة الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي تختلف بين المنصات المختلفة (الأناضول)يبدو الكتاب في مجمله أشبه ببحث جامعي تمت طباعته على عجل في صيغته الأولى دون أي محاولة لتكييفه بما يُناسب القارئ العام غير المعني بكثير من التفاصيل المنهجية الدقيقة التي لا يعرفها إلا المتخصصون.
وقد برز هذا الأمر بشكل أكثر وضوحًا مع نزوع الكتاب إلى التكرار؛ إذ سواء تعلق الأمر بمنهجية البحث أو أسئلته أو حتى الخلاصات التي ينتهي إليها الكتاب نجدها تتكرر في أكثر من موقع في سياق منهجي بدت الباحثة معه كما لو كانت تهدف إلى اعتماد منطق بيداغوجي مساعد على الفهم، لكن في واقع الأمر كان هناك تكرار ملحوظ لكثير من الأفكار في مواقع كثيرة.
ومثال ذلك، الإغراق في تفاصيل منهجية عن المقابلات شبه الموجهة التي أجرتها الباحثة؛ إذ تنغمس في تفاصيل طويلة تتعلق بطريقة إجراء المقابلات ومدتها ومكان إجرائها. وهذه التفاصيل مهمة في البحث الجامعي، لكنها أقل أهمية في كتاب موجه للعموم، وكان من الأفضل أن تُدْرَج في ملحق لا في متن الدراسة.
علاوة على إغراق الكتاب في الإجراءات الأكاديمية المطلوبة في البحوث الجامعية، كان هناك نزوع تقني صرف؛ إذ يفتقد إلى العمق التأصيلي والمعرفي وربط هذه التحولات بالواقع. فالانطباع العام الذي يُكوِّنه القارئ بعد الاطلاع على فصول الكتاب يجعله أمام عمل سوسيولوجي تقني، يُتقِن الأدوات المنهجية، ويتمكن من المقولات المؤسسة، ومن الأدبيات السابقة، لكن دونما عمق فكري يتجاوز الخلاصات التقنية ويربطها بالواقع وتحولاته.
فرأي الباحثة وموقفها كانا غائبين تقريبا على امتداد فصول الكتاب؛ إذ يُلاحظ أن الكاتبة تفتقد الجرأة لتجاوز مقولات الأولين والبناء عليها. وهناك أمثلة كان يمكن للباحثة أن تتطرق إليها بعيدًا عن الجوانب التقنية الصرفة التي أغرقت الكتاب.
تُمثِّل الجانب الخفي في صناعة "قادة الرأي" ولها دور غامض أحيانًا في صناعة "المؤثرين". تنبني هذه الخوارزميات على تفضيلات خاصة تجعلها تُشجِّع محتويات معينة، وتحدُّ من انتشار أخرى، بل تعاقب الصفحة، أو القناة برمتها، إن هي "تورطت" في محتويات معينة كما هي الحال في قضايا مثل "غزة"، وهو ما يدفع كثيرين إلى التحايل عليها باستعمال صيغ إملائية مختلفة لمصطلحات وتسميات بعينها، مثل: غزة أو المقاومة.
ولا يعرف ما إذا كان هذا "التحايل" ناجحًا أم لا؟ والخوارزميات لديها تفصيلاتها ليست على مستوى المضمون فحسب، ولكن حتى على مستوى الشكل: فهي تُشجِّع الفيديوهات القصيرة وهناك منصات تُشجِّع المواضيع الخفيفة والترفيهية.. والنتيجة أن الراغبين في أن يصبحوا قادة رأي يجدون أنفسهم أمام "حارس بوابة" مجهول الهوية يتعرَّفون عليه من خلال التجريب، ويدفعهم إلى الانصياع لما يُمليه من شروط تُعرَف بالتجربة فقط.
وهناك دراسات كثيرة بشأن هذه الخوارزميات، نذكر منها كتاب الأكاديمية صفية أوموجا نوبل (Noble Safiya Umoja) حول الخوارزميات والعنصرية الذي صدر عام 2018.
وتخلص الباحثة في هذه الدراسة إلى أن الخوارزميات -بما في ذلك محركات البحث مثل غوغل- تُظْهِر تحيزات ثقافية واجتماعية، وتُعِيد إنتاج الصور النمطية ضد النساء السود وغيرهن من الأقليات. وتُبيِّن أن هذه الخوارزميات، وإن كانت نتاج معادلات رياضية، لا وجود فيها للحياد ولا للموضوعية.
ويمكن أيضا الإشارة إلى كتاب الباحثة كاثي أونيل حول "أسلحة الرياضيات التدميرية" الذي تستعرض فيه كيف أن نماذج البيانات الضخمة تتميز بالغموض ودون تنظيم، لكنها قوية الانتشار مما يؤدي إلى تهميش الفقراء وتعزيز التمييز العرقي والاجتماعي في ميادين عدة، مثل التعليم والتأمين والتوظيف وإعلانات التسويق وغيرها. وتدعو في هذا السياق إلى تطبيق ميثاق خاص بعلماء الرياضيات لتنظيم هذه الخوارزميات عبر التدقيق وسنِّ تشريعات.
ويمكن أن نذكر كتاب الأكاديمي فرانك باسكال "مجتمع الصندوق الأسود: الخوارزميات السرية التي تتحكم في المال والمعلومات"، ويناقش فيه ما يُسمِّيه "الصندوق الأسود" للأنظمة الرقمية التي تتخذ القرارات الخفية، سواء في مجال البحث أو التمويل أو السمعة الثقافية.
ويخلص باسكال إلى أن هذه الأنظمة تتحكَّم في المعلومات والأموال، وتعمل بسرية؛ مما يُقوِّض العدالة والشفافية في المجتمع. ويدعو إلى كشف آليات عمل هذه الخوارزميات، ووضع تنظيمات تُلزم الشركات بمعايير الشفافية والمساءلة.
وما ذُكِر من نماذج على سبيل المثال لا الحصر كان يستحسن الانفتاح عليها لمنح هذه الدراسة عمقًا معرفيًّا يخرجها من إطارها التقني الصرف.
لا يمكن دراسة المؤثرين دون الحديث عن "الرأسمال الرمزي" المرتبط بالسمعة الرقمية التي تجعل من الناشط على منصةٍ اجتماعيةٍ ما يحمل لقب المؤثر (شترستوك)لا يمكن دراسة المؤثرين دون الحديث عن "الرأسمال الرمزي" المرتبط بالسمعة الرقمية التي تجعل من الناشط على منصةٍ اجتماعيةٍ ما يحمل لقب المؤثر. وقد تطرقت الباحثة بالفعل إلى بعض الأدبيات في هذا السياق بشكل محدود، بينما كان الأولى تعميق البحث وفتح الكتاب على آفاق معرفية رحبة تُخرجه من شرنقته التقنية الضيقة، خاصة أن التحول الكبير الذي عرفه مفهوم قادة الرأي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا الرأسمال الرمزي الذي تغيرت طرق اكتسابه.
إذ في الوقت الذي كان يعتمد فيه قادة الرأي التقليديون (مثقفون، سياسيون، شخصيات معروفة في مجتمعاتها المحلية..) على رأسمال رمزي يمكن أن نصفه بالمؤسساتي (تعليم، شرعية اجتماعية، وضع أسري أو مادي معين..)، فإن المؤثرين الرقميين اليوم يعتمدون على ما يمكن تسميته بالرأسمال الرمزي الرقمي المرتهن بالحضور الإعلامي والقدرة على الجاذبية والإقناع ولا تتدخل فيها بقية الاعتبارات المؤسساتية إلا بدور محدود.
على سبيل المثال، يمكن لمنشورات متخصص في التاريخ أو في الطب أو في الاقتصاد أن تحصل على متابعة محدودة مقابل انتشار واسع لمنشورات شخص غير متخصص ويتحدث في أحد هذه المواضيع بطرق تجذب شرائح معنية عمرية أو اجتماعية أو غيرها.
وانفتاح الكتاب على هذا المبحث كان سيكون مهمًّا، خاصة في ظل وجود دراسات سابقة مؤسسة ذات عمق كبير، منها دراسات بيير بورديو مثل كتاب "التمييز: نقد اجتماعي للذوق" وفيه ناقش كيف يُنْتِج الرأسمال الثقافي والرمزي التمييز الاجتماعي، وكيف يستخدم الأفراد ذوقهم الثقافي وسيلة للهيمنة الرمزية.
وهو أمر وثيق الصلة بموضوع قادة الرأي الذين يكتسبون مكانتهم من قدرتهم على فرض "الشرعية" واحتكار ما يُعد رأيًا صائبًا أو مرجعًا في المجتمع. كما يمكن الإشارة إلى كتاب آخر لنفس المؤلِّف بعنوان: "اللغة والسلطة الرمزية" يتطرق فيه إلى علاقة اللغة بالقوة الرمزية، وكيف يُكرِّس الخطاب سلطة المتحدثين عبر اعتراف اجتماعي.
ويوضح كيف يُحوِّل القادة خطابهم إلى سلطة معترف بها، مستندين إلى رأسمالهم الرمزي. وهناك أيضًا دراسته الشهيرة "حول الحقل السياسي" يُحلِّل فيها المجال السياسي بوصفه مجالًا مستقلًّا يُنْتِج رموزه الخاصة، ويُظهِر كيف يُصْنَع القادة السياسيون من خلال تراكم رأس المال الرمزي (الثقة، الكاريزما، الشرعية).
ولعل انكفاء الكتاب على موضوعه حبسه ضمن مسار محدد سلفًا مما حال دون توسيع زوايا الرؤية وانفتاحه على قضايا مرتبطة به بشكل مباشر. وما يمكن ملاحظته بشكل عام أن الباحثة كأنما اعتمدت على النتائج التي توصلت إليها الدراسات السابقة ورغبت في أن تؤكدها وفق شبكة تحليل جديدة.
وإذا كان هذا الأمر لا يعيب الكتاب فإنه كان سيزيده قوة معرفية، ويجعله إضافة حقيقية لو انفتحت الباحثة على قضايا أخرى غير تلك التي طرقت إليها سلفًا، وتحرَّرت من القيد التقني الذي وضعت نفسها فيه.
يُمثِّل الكتاب مساهمة أكاديمية مهمة في حقل معرفي يقع في مفترق طرق بين حقول معرفية متعددة: دراسات الإعلام والاتصال، والتسويق الرقمي، وعلم الاجتماع الإعلامي. وتكمن أهميته في جدته من جهة؛ إذ يبحث في موضوع لم يُدْرَس بشكل كاف، ويتعلق بـ"قيادة الرأي" في بيئة رقمية عربية وتأثير ذلك على اختيارات المستهلك. كما يتسم، من جهة ثانية، بوضوح كبير في صياغة إشكاليته ومنهجيته وإطاره النظري.
لكن الكتاب على أهميته ووضوحه يبدو أنه كان بحاجة إلى تطوير منهجي بالنظر إلى محدودية العينة التي اختارتها الباحثة وعدم توضيح أسباب هذا الاختيار في موضوع يتسم بالتنوع والتعدد ولا يحتمل التعميم غير المؤسس على قواعد أكاديمية سليمة.
وعلاوة على ذلك، اتسم الكتاب بطابع أكاديمي صرف جعله أقرب ما يكون إلى بحث أكاديمي منه إلى كتاب فكري. وعلى هذا المستوى كان واضحًا أن الكاتبة كانت حذرة في التطرق إلى قضايا ذات أهمية بالغة وارتباط بواقع البيئة الرقمية التي يُصنع فيها قادة الرأي من قبيل: إشكاليات الخوارزميات والرأسمال الرمزي وبناء السمعة الرقمية وغيرها.
__________
هذا التقرير مأخوذ عن مركز الجززيرة للدراسات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة