في قلب المحيط الأطلسي، وعلى بعد مئات الكيلومترات قبالة سواحل السنغال في غرب أفريقيا، تقع الرأس الأخضر (كاب فيردي)، التي تقدم نفسها على أنها وجهة سياحية هادئة. لكنها تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى محور جدل واسع بعد تسجيل وفيات وإصابات خطيرة بين سياح بريطانيين، وسط مؤشرات على تفش لعدوى وضعف في الخدمات الطبية.
وكشفت صحيفة "ذا تايمز" البريطانية في تحقيق لها، أن أربع عائلات بريطانية فقدت ذويها أثناء أو بعد إقامتهم في منتجعات سياحية على الجزر خلال فترة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر، في حوادث ترافقت مع أعراض معوية حادة ومضاعفات صحية سريعة، أثارت تساؤلات حول مستوى الرعاية الصحية وسلامة الأغذية داخل بعض المنشآت السياحية.
بالتوازي مع هذه الحالات، سجلت جهات صحية أوروبية ارتفاعا في الإصابات ببكتيريا شيغيلا (Shigella)، وهي عدوى معوية تنتقل عبر الطعام أو المياه الملوثة أو المخالطة المباشرة، وتسبب أعراضا تشمل الإسهال والحمى وآلام المعدة.
وبحسب وكالة الأمن الصحي البريطانية، فإن غالبية الحالات التي أبلغ عنها خلال فترة التفشي كانت مرتبطة بسياح عادوا من الرأس الأخضر، فيما أشار المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض إلى تسجيل زيادات مماثلة في عدد من الدول الأخرى في أوروبا.
ورغم أن العدوى غالبا ما تكون قابلة للعلاج، فإنها قد تتحول إلى حالة خطيرة لدى كبار السن أو من يعانون من أمراض مزمنة، ما يرفع من خطورة انتشارها في بيئات سياحية مزدحمة.
ضمن هذا السياق الصحي المضطرب، سجلت حالات وفاة لعدد من السياح البريطانيين الذين كانوا يقيمون في منتجعات مختلفة على الجزر، بعد إصابتهم بأعراض معوية حادة أو مضاعفات صحية مفاجئة.
إيلينا والش كانت من بين هؤلاء، حين سافرت إلى الرأس الأخضر برفقة عائلتها للاحتفال بخطوبة ابنها، قبل أن تصاب بوعكة صحية حادة بعد أيام من وصولها، انتهت بنقلها إلى أحد المراكز الطبية المحلية، حيث توفيت لاحقا بعد تدهور حالتها.
وفي حالة أخرى، أصيبت كارين بولي (64 عاما) بإصابة خطيرة بعد سقوطها داخل أحد المنتجعات إثر تدهور وضعها الصحي، ونقلت إلى عيادة محلية ثم إلى الخارج، لكنها توفيت لاحقا متأثرة بمضاعفات حالتها.
كما شهدت الحالات وفاة ديفيد سميث بعد إصابته بأعراض معوية شديدة أثناء إقامته مع زوجته في أحد المنتجعات، قبل أن يتوفى بشكل مفاجئ إثر تدهور حالته.
أما مارك أشلي، فقد أصيب بأعراض مشابهة خلال عطلته، قبل أن تتدهور حالته بعد عودته إلى بريطانيا، حيث توفي لاحقا، وسط استمرار التحقيقات الطبية لتحديد السبب النهائي للوفاة.
وتشير عائلات الضحايا إلى تكرار أعراض مشتركة بينها القيء والإسهال والحمى، إلى جانب مخاوف من ضعف الاستجابة الطبية في بعض المرافق المحلية، وتأخر عمليات الإجلاء أو التشخيص الدقيق.
تواجه المرافق الصحية في الرأس الأخضر انتقادات تتعلق بقدرتها على التعامل مع الحالات الحرجة، خصوصا في ظل الضغط المتزايد الناتج عن النمو السياحي السريع في الجزر خلال العقدين الأخيرين.
وبحسب بيانات سياحية، ارتفع عدد الزوار إلى ما يقارب مليون سائح سنويا، ما جعل البلاد تعتمد بشكل كبير على السياحة كأحد أبرز مصادر الدخل، مع تركز كبير على منتجعات شاملة تديرها شركات دولية.
لكن هذا النمو -وفق خبراء- لم يواكبه بالضرورة تطوير مماثل في البنية الصحية والخدمات الطبية الطارئة، ما يطرح تحديات في التعامل مع حالات التسمم الغذائي أو العدوى المعوية داخل المناطق السياحية.
من جهتها، قالت شركات سياحية وفنادق كبرى تعمل في الجزر إنها تلتزم بمعايير صارمة للصحة والسلامة، مؤكدة إجراء فحوصات دورية للأغذية والموظفين، والتعاون مع السلطات المحلية عند الحاجة.
كما أشارت إلى أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد أسباب الحالات، في وقت لم تثبت فيه بشكل قاطع علاقة مباشرة بين جميع الوفيات وتفشي بكتيريا محددة.
وفي المقابل، يقول محامون يمثلون عائلات متضررة إن هناك مئات الحالات التي أبلغ عنها خلال فترات متقاربة في بعض المنتجعات، ما يستدعي مراجعة أوسع لإجراءات السلامة الصحية داخل القطاع السياحي.
ومع استمرار الجدل بين الروايات الرسمية وشهادات العائلات، تبقى الرأس الأخضر (كاب فيردي) أمام اختبار حساس يتعلق بصورة الوجهة السياحية وسلامة زوارها، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى جاهزية النظام الصحي المحلي لمواكبة تدفق السياح، وقدرته على التعامل مع تفشيات محتملة في المستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة