دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- من نافذة الحافلة، رأت الطالبة الأمريكية ديان دروست، في الصف الحادي عشر حينها، الثلج يتساقط بسرعة وكثافة. كان ذلك في يناير/كانون الثاني من العام 1973.
كانت ديان تعيش في مدينة واترلو بولاية آيوا. وفي طريق عودتها إلى المنزل بعد زيارة صديقة لها تعيش في مدينة برينرد بولاية مينيسوتا، حيث يكون البرد قارسًا.
استغرقت رحلة الحافلة أكثر من 10 ساعات.
تصف ديان نفسها بالـ"جريئة" آنذاك، فالسفر بالحافلة بمفردها لم يخفها، إلى أن غطى الثلج المشهد في الخارج فحاولت التركيز على مطالعة كتابها.
وتروي: "الثلج أمر مألوف في الغرب الأوسط خلال شهر يناير/كانون الثاني. لكن سرعان ما اشتدّ تساقطه وبدأت الحافلة تنزلق".
وصلت الحافلة إلى مدينة ألبرت ليا في ولاية مينيسوتا. وخرج سائق الحافلة من الطريق السريع وأوقفها أمام فندق "هوليداي إن" بعدما أخبر الركاب بأنه لا يمكنه متابعة القيادة. وأنه من الأفضل قضاء الليلة في هذا الفندق.
أُصيبت ديان بالرعب إذ لم يكن في حوزتها نقودًا، وكانت أحضرت معها للرحلة نحو 25 دولارًا، والآن، في طريق العودة، لم يتبقَّ معها سوى بضعة دولارات.
نزلت من الحافلة، ورأت الركاب يتجهون مباشرة إلى الفندق. كانوا أكبر سنًا منها، ويعرفون كيفية التصرّف عندما لا تسير الأمور وفق ما خُطّط لها.
لمحت ديان هاتفًا عموميًا، واتصلت بالمنزل، وأخبرت والدتها بما حدث.
تقول ديان: "عندما رويت ما حدث لأطفالي، قلت لهم: إذا حدث معكم أمرًا مماثلًا يومًا ما، اتصلوا بي. لديّ بطاقة ائتمان"، مضيفة "لكن في العامين 1972 و1973 لم يكن لدى أحد هاتفًا محمولًا، ولا الجميع يملك بطاقات ائتمان".
ولم تملك والدتها أيضًا بطاقة، كما لم تسمح لها ظروف الطقس الخطيرة بالقيادة مدة ساعتين من واترلو لاصطحابها.
تتذكر ديان: "كان الثلج يتساقط في آيوا أيضًا". عندما أغلقت الهاتف، خافت أن تبقى عالقة لأيام.
داخل الفندق، جلست ديان على كرسي في البهو وراقبت الركاب الآخرين يصطفون عند مكتب الاستقبال ويحصلون على مفاتيح غرفهم. فيما هي لم تكن ديان متأكدة مما ينبغي عليها فعله، إذ لا تملك المال للحصول على غرفة.
حاولت الحفاظ على هدوئها ووضع خطة. ولاحظت لافتة خلف مكتب الاستقبال تعلن وجبة فطور مجانية.
ففكرت بالمكوث في بهو الفندق طوال الليل، وفي الصباح تتناول الفطور المجاني، ثم تغادر بالحافلة صباحًا.
لم يكن الكرسي مريحًا للنوم. كما أنّ البقاء في بهو الفندق في مكان بعيد لم يُشعرها بالاطمئنان أيضًا.
بعدما توجه الركاب إلى غرفهم رفعت ديان نظرها من فوق صفحات كتابها لترى امرأتين في منتصف الخمسينات من العمر، ترتديان ملابس بسيطة في بهو الفندق. ابتسمتا لها وتابعتا السير.
لكن قبل أن تصلان إلى الباب، استدارتا وسألتها إحداهما إذا كانت تود الانضمام إليهما لتناول العشاء في مطعم مطعم " Perkins" القريب من الفندق، والموجود غالبًا بالقرب من الطرق السريعة الأمريكية.
وعند ذكر الطعام، أصدر معدة ديان أصواتًا. لقد كانت جائعة. لكنها مفلسة أيضًا. ولم ترد إخبارهما بأنها لا تملك مالًا. لذا قامت بشكرهما. فقالتا: "حسنًا"، وخرجتا من الباب.
لكن بعد لحظات، عادتا إلى داخل الفندق. وسألتها إحداهما: "هل ستنضمين إلينا لتناول العشاء إذا دفعنا نحن ثمن عشائك؟" فقبلت دعوتهما.
خرجت ديان إلى الثلج مع المرأتين ثم قالت لنفسها أنه ربما لا ينبغي لها فعل ذلك، فهما غريبتان. وربما لم يكن الأمر آمنًا. لكن الجلوس وحدها في بهو الفندق ليس بآمن أيضًا.
في المطعم، انتابها شعور بالذنب لأنّ غريبتين ستدفعان ثمن عشائها، لذا طلبت كوب "كولا" صغير فقط. لكنّ صديقتيها الجديدتين قالتا لها إنها "ستأخذ أيضًا شطيرة همبرغر وبطاطس مقلية".
وتتابع ديان: "عندما غادرت النادلة، قلت لهما: ليس لديّ مال لأدفع ثمن هذا. فقالتا: لقد قلنا لك إننا سندفع ثمن عشائك".
كانتا لطيفتين وحازمتين في آن. فاستسلمت ديان. ومع ارتشافها لمشروب الكولا، شعرت ببعض الاسترخاء، وبدأ الثلاثة يتحدثن.
وقالت المرأتان إنهما من الراهبات الكاثوليكيات، وأخبرتاها أنهما تُدرّسان في مدرسة ثانوية كاثوليكية بمدينة سيدار رابيدز بولاية آيوا، على بعد نحو ساعة من منزل ديان.
وكانت ديان كاثوليكية وتعرف المدرسة، ما جعلها تشعر بمزيد من الارتياح.
وتقول: "سألتاني عمّا سأفعله، ولم أفهم السؤال. فأجبت أني ما زلت طالبة في المرحلة الثانوية، لكنني أرغب بالذهاب إلى الجامعة". فأوضحتا لها أنهما تسألان عن الليلة، فقالت: "أظن أنني سأبقى في البهو وربما أنام على كرسي".
وقد لاحظت القلق على وجهيهما. وتبادلت الراهبتان النظرات.
وتتذكر ديان قول إحداهما: "حجزنا غرفة بسريرن كبيرين. هل تودّين الإقامة معنا"؟
وتضيف: "ربما لم يكن القرار الأكثر حكمة، لكنني شعرت بأمان معهما، ولم أرغب حقيقة بالنوم في البهو".
فوافقت على مشاركة الغرفة معهما.
وتتذكر تلك الليلة قائلة: "بدأت متحفّظة قليلًا معهما، لكن قبل أن ينتهي العشاء، كنت أخبرهما بكل شيء عن المدرسة، وأن لدي خمسة أشقاء..".
وتسأل: "هل كنت سأشعر بهذا القدر من الراحة مع بالغين آخرين؟ لا أظن.. لقد أشعرتاني بالراحة، وفي ظرف عادي، لما كنت لأكون بهذه الصراحة معهما".
عند العودة إلى غرفة الفندق، لعبنا لعبة الورق "كاناستا".
تقول ديان: "علّمتاني كيف ألعبها، إلا أني لم ألعبها مجددًا. لكني عندما أسمع اسم كاناستا، أتذكر فورًا هاتين الراهبتين".
وبحكم اعتياد الراهبتين على التعامل مع المراهقين من خلال عملهما في التدريس، جعلتا ديان تشعر براحة متزايدة.
وتوضح ديان أنهما نامتا في سرير واحد، بينما نامت هي في السرير الآخر. واستيقظن باكرًا، وتوجها لتناول الفطور في الطبقة السفلية، حيث كان الجو دافئًا ومرحّبا، ومختلفًا عن الليلة السابقة، حين كان ركاب الحافلة يتجاهل بعضهم الآخر نوعًا ما.
وجلست ديان إلى طاولة مع الراهبتين. وأكد لهم سائق الحافلة أنه لا يتوقع تساقط مزيد من الثلوج، لذا يمكنهم المغادرة في ذلك الصباح.
بعد ساعة، عادت ديان إلى الحافلة. وواصلت الدردشة مع الراهبتين وبقية الركاب.
تتذكر: "جلست أتحدث مع الراهبتين، وقضيت وقتًا رائعًا. من بين كل الرحلات التي قمت بها في الحافلات عندما كنت صغيرة، أعتقد أن تلك كانت أفضل رحلة، فقط لأنني التقيت بهما وتعرّفت إليهما".
وبدأت الحافلة تقترب من مدينتها. وكانت تعلم أنها على وشك الوصول إلى المنزل، فالتفتت إلى الراهبتين وحاولت معرفة عنوان إقامتهما لترسل حصتها المالية من غرفة الفندق.
لكن الراهبتين رفضتا الأمر وأصرّتا على أن ديان ليست بحاجة إلى ردّ جميلهما أو دفع أي شيء مقابل لطفهما.
وتوقفت الحافلة في واترلو. ومن خلال النافذة، رأت ديان والدتها تنتظر لاصطحابها.
تتذكر ديان: "كانت أمي في انتظاري دومًا عندما أعود، لكن هذه المرة كنت ممتنة تحديدًا لرؤيتها والعودة إلى المنزل".
والتفتت إلى الراهبتين وقالت لهما "أمي هنا. فقالتا: هل يمكننا أن نباركك؟ فقلت: نعم. وتمتمتا صلاة قصيرة".
ثم نزلت ديان من الحافلة، تلوّح مودعة الراهبتين وبقية الركاب.
في تلك الأمسية، روت ديان لعائلتها ما حدث. وأعربت والدتها عن امتنانها للطف الراهبتين. ولاحقًا، كتبت ديان رسالة إلى صديقتها التي زارتها، سردت فيها رحلة العودة الحافلة بالأحداث.
على مدى العقود الخمسة التي تلت، روت ديان قصة "الراهبتين في الحافلة" لأبنائها وأحفادها مرات عديدة.
وتضيف: "كنت ممتنة لوجودهما، وآمل أن تكونا قد أدركتا ذلك. أنا متأكدة أنهما رحلتا منذ زمن، لكنني آمل أن تكونا عرفتا أنّ ما فعلتاه تلك الليلة أثر في حياتي إلى الأبد".
المصدر:
سي ان ان