في ظل ارتباط أغلب جوانب الحياة بالإنترنت، فجرت دراسة علمية نشرت في مجلة بي إن إيه إس نيكسوس (PNAS Nexus) الأمريكية مفاجأة من العيار الثقيل. فالدراسة، التي أثير حولها نقاش واسع في الأوساط الأكاديمية والتقنية، لم تكتف بالتحذير من أضرار الشاشات، بل قدمت دليلا حيويا على أن "الانعزال التام عن إنترنت الهواتف الذكية لمدة 14 يوما" كفيل بتغيير كيمياء الدماغ وهيكليته الوظيفية.
وهذه الدراسة التي قادها فريق دولي من علماء الأعصاب بجامعة "جورجتاون" الأمريكية بالتعاون مع مراكز بحثية أوروبية، وجامعات ألبرتا، وتكساس أوستن، وبريتيش كولومبيا، اعتمدت على عينة ضخمة شملت 467 مشاركا، خضع هؤلاء لبروتوكول صارم من الحرمان الرقمي، ومنع الوصول إلى بيانات الإنترنت عبر الهاتف سواء من تطبيقات التواصل، أو المتصفحات، أو خدمات البث المباشر، لكن الاستثناء الوحيد هو السماح لهم بالمكالمات الصوتية والرسائل النصية القصيرة إس إم إس (SMS) لضمان عدم العزلة الاجتماعية التامة، مما جعل التجربة تركز على "الإدمان المعلوماتي" لا على "التواصل الإنساني".
والصادم بشأن هذه الدراسة أنها أظهرت بشكل واضح أن المشاركين سجلوا تحسنا في "الذاكرة العاملة" وسرعة معالجة المعلومات بمعدلات مذهلة، إذ وصف الباحثون هذا التحسن بأنه يعادل استعادة سنوات من القدرة الذهنية التي تدهورت نتيجة "التشتت المزمن" الناجم عن التنبيهات اللحظية.
لكن في المقابل، ما الذي سيحدث للشركات التكنولوجية والبنوك والمؤسسات المعتمدة على الإنترنت في كافة التفاصيل اللوجستية اليومية، إذا انقطعت عن الاتصال بالإنترنت لمدة 14 يوما؟
في عصرنا الحالي، أصبحت البيانات هي النفط الجديد، والاتصال بالشبكة العنكبوتية هو الأكسجين الذي تتنفسه الأسواق العالمية، وهذا السؤال يعتبر مرعبا بالنسبة للشركات الكبرى، وهو سيناريو ليس من أفلام الخيال العلمي، بل هو كابوس تقني يحلل خبراء الاقتصاد والأمن السيبراني تبعاته بدقة متناهية منذ مدة طويلة، مع رسم حلول للمشكلات التي قد تتبعه.
أما شركات مثل أمازون ومايكروسوفت آزور فلن تفقد أرباحها فحسب، بل ستواجه دعاوى قضائية بمليارات الدولارات نتيجة خرق "اتفاقيات مستوى الخدمة". والشركات التي تعتمد على الحوسبة السحابية لتخزين بياناتها وتسيير عملياتها ستجد نفسها مشلولة تماما، وذلك بسبب انهيار خدمات الحوسبة السحابية.
إضافة لذلك، سيتوقف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فنماذج مثل جيمناي 3 وسورا وشات جي بي تي، يعتمد تدريبها وتشغيلها على خوادم مرتبطة بالشبكة، و14 يوما من التوقف تعني ضياع آلاف الساعات من الحوسبة وفقدان الزخم في السباق المحموم نحو الذكاء الاصطناعي العام.
وسيضرب انقطاع الإنترنت العصب اللوجستي للصناعة التقنية، ويؤدي لشلل مصانع "أشباه الموصلات"، فالمصانع المتقدمة في تايوان وكوريا الجنوبية تعتمد على أنظمة "التصنيع الذكي" المرتبطة بالإنترنت لتنسيق سلاسل الإمداد الدقيقة. وانقطاع الاتصال سيؤدي إلى تعطل الإنتاج العالمي للهواتف الذكية والمعالجات، مما يعمق أزمات النقص التي شهدها العالم سابقا، حسب ما تناولته تقارير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
أما بالنسبة للأمن السيبراني والسيادة التقنية، فإن غياب الإنترنت سيوقف التحديثات الأمنية العاجلة فيهما، مما يجعل الأنظمة غير المتصلة عرضة لثغرات "يوم الصفر" بمجرد عودة الاتصال، وبحسب ما نشر موقع ذا فيرج التقني الأمريكية، فإن دولا مثل فرنسا، التي بدأت بالفعل بالتحول نحو نظام لينكس والأنظمة السيادية، قد تكون أكثر صمودا نسبيا مقارنة بالدول المعتمدة كليا على حلول سحابية خارجية.
أما المستخدم العادي فسيعيش صدمة حضارية خلال هذه الـ14 يوما، حيث سيكون قد فقد الهوية الرقمية والخدمات المالية، فمع اعتماد البنوك على تطبيقات الهاتف والتحقق عبر الإنترنت، سيجد الملايين أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أموالهم أو إجراء عمليات الشراء الأساسية.
إضافة إلى أنه سيشعر بالعزلة، فالموظفون الذين يعتمدون نظام العمل عن بعد سيفقدون القدرة على العمل تماما، وسيؤدي ذلك إلى انخفاض حاد في الإنتاجية العالمية يقدره خبراء الاقتصاد في تقرير البنك الدولي بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا استمر الانقطاع لهذه المدة.
كما أنه من المهم ألا ننسى موضوع الأمن الرقمي الشخصي، فتوقف أنظمة المراقبة المنزلية الذكية وخدمات تتبع المواقع سيخلق شعورا بانعدام الأمن، وضياع القدرة على التأمين والحماية التي كان يشعر بها المستخدمون المعتمدون على هذه الخدمات.
في المحصلة، لا يمثل انقطاع الإنترنت لمدة 14 يوما مجرد خلل تقني عابر، وبحسب الخبراء، فإن هذا السيناريو سيضع العالم أمام مفارقة وجودية، وهي هل انهيار الأنظمة التكنولوجية مقابل نهوض الأنظمة البيولوجية سيكون خطرا حقيقيا؟ وقد حذر الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل إريك شميدت، في تحليلاته حول "مرونة الشبكة"، من أن معظم الشركات التقنية اليوم لا تمتلك "بروتوكول حياة" دون اتصال سحابي.
على الجانب الآخر، يرى الخبراء في دراسة بي إن إيه إس نيكسوس، أن هذا الانقطاع القسري قد يكون "أعظم خدمة طبية" تقدم للبشرية في القرن الحادي والعشرين، إذ تؤكد الخبيرة في إدمان الدوبامين في جامعة ستانفورد الأمريكية آنا ليمبكي، أن "الصمت الرقمي لمدة أسبوعين ليس عزلة، بل هو استرداد للسيادة على العقل، ونحن أمام فرصة لترميم الفجوات العصبية التي أحدثها اقتصاد الانتباه، حيث يبدأ الدماغ في التحول من وضع ‘الاستهلاك السلبي’ إلى ‘الإنتاج الإبداعي'".
لكن وفقا لتقديرات منظمة نت بلوكس (NetBlocks) البريطانية، فإن تكلفة هذا التعافي الذهني ستكون باهظة ماديا، حيث قد يخسر الاقتصاد العالمي ما يتجاوز 700 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه الفترة.
ويؤكد المراقبون أن سيناريو الانقطاع وإن لم يكن بالتحديد لمدة 14 يوما، هو قادم في يوم ما، سواء كان بقرار إرادي أو بعطل تقني، وهو ما سيجبر العالم على إعادة تعريف التقدم، وقد تخرج شركات التكنولوجيا من هذا الانقطاع وهي في حالة "إفلاس تقني"، ولكن الأكيد أن الإنسان سيخرج منها وهو يمتلك أثمن ما ضاع منه في العقد الأخير، وهو "عقله المتفرغ، ونومه العميق، وقدرته على رؤية العالم دون وسيط رقمي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة