شهد العقد الأخير تحولا دراماتيكيا في مفهوم الاتصال بالإنترنت، فبعد أن كان العالم يعتمد كليا على الألياف الضوئية الممتدة في أعماق المحيطات وتحت التربة، بدأنا نشهد ولادة بنية تحتية جديدة كليا، تعرف بـ "السحابة المعدنية" أو كوكبات الأقمار الصناعية في المدارات الأرضية المنخفضة (Low Earth Orbit – LEO).
هذا الانتقال ليس مجرد تحسين في السرعة، بل هو تغيير في الجيوسياسية المعلوماتية، حيث يتحول الفضاء من مجرد وسيلة للبث التلفزيوني إلى العمود الفقري للشبكة العالمية.
تكمن الفجوة التقنية بين الإنترنت الفضائي القديم والحديث في "المسافة"، فقد كانت الأقمار التقليدية " جي إي أو" (GEO) تتمركز على ارتفاع 35 ألف و786 كيلومترا، مما يجعل زمن انتقال البيانات (Latency) مرتفعا جدا ويصل لـ 600-700 ميلي في الثانية، وهو ما يجعلها غير صالحة للألعاب الإلكترونية أو التداول المالي أو المكالمات المرئية الحية.
في المقابل، تعمل أقمار المدار المنخفض على ارتفاعات تتراوح بين 500 و1200 كيلومترا، وهذا القرب الجغرافي يقلص زمن الاستجابة إلى 25-40 ميلي ثانية، وهو رقم ينافس الألياف الضوئية الأرضية.
وعلى عكس النظام القديم الذي يعتمد على قمر واحد ضخم يغطي قارة، يعتمد النظام الحديث على "الكوكبات" (Constellations) أو المجموعات من الأقمار الاصطناعية، وبسبب قرب هذه الأقمار من الأرض، فإن مساحة تغطية كل قمر تكون صغيرة، لذا نحتاج إلى آلاف الأقمار التي تتحرك بسرعة هائلة حتى تكمل دورة حول الأرض كل 90 دقيقة، لتمرير الإشارة فيما بينها وضمان تغطية مستمرة.
لكن أهم ما يميز الجيل الجديد من "السحابة المعدنية" هو تقنية الروابط الليزرية بين الأقمار (Optical Inter-Satellite Links)، حيث كان في السابق القمر الصناعي مجرد "مرآة"، يستقبل الإشارة من الأرض ثم يعيد إرسالها لمحطة أرضية أخرى. أما الآن، فالأقمار تتحدث مع بعضها البعض مباشرة في الفضاء عبر شعاع الليزر.
ببساطة لأن الضوء ينتقل في الفراغ بسرعة تفوق سرعته داخل زجاج الألياف الضوئية بنحو 30%، هذا يعني أن نقل البيانات من لندن إلى نيويورك عبر الفضاء قد يكون فعليا أسرع من نقلها عبر الكابلات البحرية، لأن البيانات في الفضاء تسلك مسارا أكثر استقامة وبسرعة ضوء قصوى.
إضافة لذلك، تعد السحابة المعدنية حلا جذريا لـ 3 معضلات كبرى وهي:
رغم الوعود الوردية، تواجه هذه السحابة انتقادات حادة، أهمها:
تتوقع تقارير "مورغان ستانلي" (Morgan Stanley) أن تصل قيمة اقتصاد الفضاء إلى تريليون دولار بحلول عام 2040، وسيكون الإنترنت الفضائي هو المحرك الأكبر لهذا النمو، حيث يتم الحديث عن ربط السيارات ذاتية القيادة والسفن في عرض البحار والطائرات ومنصات النفط وحتى أجهزة إنترنت الأشياء (IoT) في المزارع البعيدة بشبكة موحدة لا تنقطع.
فالسحابة المعدنية التي تغلف كوكبنا اليوم هي التطور الطبيعي لشبكة الإنترنت، والتي تخبر بأننا انتقلنا من مرحلة البحث عن إشارة في الأماكن النائية إلى مرحلة الإشارة تحيط بك من كل جانب.
وفي ظل استمرار انخفاض تكاليف إطلاق الصواريخ لوجود شركات مثل "سبيس إكس" (SpaceX) و"بلو أوريجين" (Blue Origin)، سيصبح الإنترنت الفضائي قريبا هو المعيار الأساسي وليس مجرد بديل للطوارئ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة