آخر الأخبار

مفاجأة تحت الأطلسي.. حل لغز "المدينة المفقودة" التي لا ترى الشمس

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل نحو 26 عاما، اكتشف العلماء في أعماق المحيط الأطلسي عشرات المداخن البيضاء المرتفعة والمكونة من كربونات الكالسيوم، تخرج منها مياه قلوية ساخنة وغنية بالهيدروجين والميثان، وأعطى ذلك المنطقة مظهرا يشبه مدينة مهجورة أو أطلال مدينة غامضة في أعماق البحر، مما جعلهم يطلقون عليها "حقل لوست سيتي (المدينة المفقودة) الحراري المائي".

ورغم أن هذه المنطقة تقع في ظلام دامس لا تصل إليه أشعة الشمس، فإنها تضم نظاما بيئيا تعيش فيه كائنات دقيقة، ووجد الباحثون سابقا أنها تعتمد في حياتها على الطاقة الكيميائية بدلا من ضوء الشمس.

وكان السؤال الذي حير العلماء: من أين تأتي المياه الغنية بتلك الطاقة التي تغذي هذا النظام البيئي؟ وللإجابة عنه، حفر فريق بحثي دولي بئرا في المنطقة التي توجد بها "المدينة المفقودة"، التي تُعرف باسم "كتلة أتلانتس" بقاع المحيط الأطلسي (نحو 30 درجة شمالا و42 درجة غربا)، ووصلوا إلى عمق نحو 1268 مترا تحت قاع البحر.

وأثناء الحفر كانت الطبقات السطحية تعطي خليطا بين مياه البحر والمياه العذبة التي استُخدمت خلال عمليات الحفر، لكن كلما اتجه العلماء إلى الأعماق كانت تظهر كميات متزايدة من مياه طبيعية تتحرك داخل الصخور، وشكلت هذه المياه في أعمق الأماكن التي جُمعت عينات منها نحو 80% من المياه التي تم جمعها، وبعد انتهاء الحفر، أخذ الباحثون عينات من تلك المياه.

مصدر الصورة الفرق البحثي أثناء الحفر البحري (سوزان لانغ)

مياه تغيرت داخل الصخور

وكشفت التحاليل الكيميائية التي أُجريت خلال الدراسة المنشورة في دورية "جيوكمستري جيوفيزكس، جيوسيستمز" أن هذه المياه لم تعد تشبه مياه البحر العادية، فقد فقدت معظم محتواها من المغنيسيوم، واكتسبت كميات كبيرة من الكالسيوم وعناصر أخرى مثل الليثيوم والروبيديوم والسيزيوم والسترونشيوم.

وتشير هذه البصمة الكيميائية إلى أن المياه أمضت وقتا طويلا وهي تتفاعل مع الصخور الموجودة في أعماق القشرة المحيطية، عند درجات حرارة وصلت إلى 300 درجة مئوية أو أكثر.

إعلان

ووصف الباحثون آلية تشكل تلك البصمة الفريدة، حيث تسربت مياه البحر إلى الشقوق الموجودة في الصخور، وهبطت إلى الأعماق، ثم تفاعلت مع الصخور الشديدة السخونة، فتغيرت تركيبتها الكيميائية وأصبحت غنية بمواد يمكن أن توفر الطاقة للكائنات الدقيقة.

مصدر الصورة قياس الأعماق لكتلة "المدينة المفقودة" (الفريق البحثي)

مصنع طبيعي للطاقة

والمفاجأة أن التركيب الكيميائي لهذه المياه يشبه بدرجة كبيرة تركيب السوائل التي تخرج من المداخن البيضاء في "المدينة المفقودة"، وهو ما يدعم الفكرة القائلة إن هذه الفتحات تحصل على سوائلها الغنية بالطاقة من نظام مائي عميق داخل القشرة المحيطية.

ويشرح جيفري ويت -الأستاذ في علم المحيطات الجيولوجية بكلية علوم مصايد الأسماك والمحيطات بجامعة ألاسكا فيربانكس والباحث الرئيسي بالدراسة- أهمية هذه النتيجة التي توصلوا إليها، قائلا في تصريحات للجزيرة نت إن "العلماء كانوا يعرفون منذ فترة أن "المدينة المفقودة " تحصل على سوائل غنية بالهيدروجين والطاقة من مصدر عميق، لكنهم كانوا يرون هذه السوائل بعد أن تختلط بمياه أخرى وتتفاعل مع الصخور والميكروبات، وهنا تأتي أهمية الحفر الذي أُجري خلال الدراسة، والذي أوصلنا إلى المياه الموجودة داخل القشرة قبل أن تكمل رحلتها إلى قاع المحيط".

ويضيف أن "أهمية الاكتشاف ليست فقط في أننا حفرنا إلى أعماق كبيرة، ولكن أيضا أننا تمكنا من الوصول إلى جزء من النظام المائي العميق نفسه، وأخذ عينات منه، مع الحصول في الوقت ذاته على أكثر من كيلومتر من الصخور لدراسة التفاعلات التي تحدث بين الماء والصخور".

دراسات إضافية

ورغم أن العلماء اقتربوا من رؤية "مصنع الطاقة" الموجود تحت "المدينة المفقودة"، فإنهم لم يروا المصنع بكامل تفاصيله بعد.

ويقول جيفري "لقد وجدنا مياها عميقة تحمل بصمة تدل على أنها تفاعلت مع الصخور الشديدة الحرارة، وهذا يتفق مع ما كان العلماء يتوقعونه عن مصدر سوائل المدينة المفقودة، لكن العينات الأولى كانت مختلطة بسبب عملية الحفر. لذلك نريد العودة لاحقا إلى البئر، عندما يستعيد النظام حالته الطبيعية، وأخذ عينات أنقى وقياس الهيدروجين والغازات والعناصر النادرة. وإذا نجحنا في ذلك فسيكون بإمكاننا معرفة كيفية عمل شبكات المياه العميقة تحت قاع المحيط على نحو أدق، وكيفية تحول الصخور والماء والحرارة إلى نظام كيميائي قادر على توفير الطاقة والمواد التي تدعم الحياة في المدينة المفقودة".

الهيدروجين.. مفتاح الفهم

ويؤكد جيفري أن المعلومات المتعلقة بالهيدروجين ستكون نقطة مهمة في عملهم القادم، فتحديد تركيز الهيدروجين المذاب أحد أهم المفاتيح لفهم ما يحدث داخل القشرة المحيطية، إذ يمكن لتركيزه أن يكشف طبيعة التفاعلات الكيميائية التي جرت بين المياه والصخور ومدى شدتها.

ولا تقتصر أهمية قياس الهيدروجين على فهم التفاعلات الجيولوجية، بل تمتد إلى دراسة إمكانية دعم الحياة في هذه البيئة المظلمة، فالهيدروجين يمثل مصدرا محتملا للطاقة لبعض الكائنات الدقيقة التي تعيش في أعماق المحيط ولا تعتمد على ضوء الشمس.

وتحصل هذه الميكروبات على الطاقة عبر تفاعلات كيميائية تستخدم فيها الهيدروجين ومواد أخرى، مما يساعدها على القيام بالعمليات الحيوية الأساسية مثل النمو والتكاثر.

إعلان

ويقول جيفري إن "تحديد كمية الهيدروجين الموجودة في المياه العميقة يمكن أن يساعد العلماء على تقدير حجم الطاقة الكيميائية المتاحة للكائنات الدقيقة، ومن ثم معرفة مدى قدرة البيئة الموجودة تحت قاع المحيط وحول الفتحات الحرارية المائية على دعم النشاط الميكروبي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار