لم يكن إعلان شركة " كولوسال بايوساينسز" الأمريكية، عن نجاحها في تفقيس 26 كتكوتا من بيض اصطناعيمجرد خبر عادي تناقلته وكالات الأنباء، فالأهمية المباشرة لهذا الإنجاز، أنه يكسر الحاجز البيولوجي لتكاثر الطيور مختبريا، وهو أمر لم يكن متاحا قبل ذلك، لكن التطبيقات المتوقعة تتعدى ذلك بكثير.
وحاول العلماء في الماضي تعديل أجنة الطيور، مثلما نجحوا في ذلك مع الثدييات، لكنهم وقفوا عاجزين أمام احتماء الطيور في حاضنتها الطبيعية، وهي البيضة، وبالتالي فإن النجاح في فك هذه الشفرة عبر ابتكار بيض اصطناعي مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يمثل خطوة غير مسبوقة، لا تستهدف تطوير صناعة الدواجن، بل تمهد الطريق لإعادة هندسة التنوع البيولوجي للكوكب وإحياء كائنات طواها الانقراض، وهو الهدف الذي أُسِّست من أجله الشركة.
ويقول بن لام، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك للشركة، في تصريحات للجزيرة نت إن نظام البيضة الاصطناعية الخاص بهم، صمم في الأساس لمحاكاة وظائف التنفس والبنية لقشرة البيضة الطبيعية، وهو لا يزال منصة تجريبية وليس بديلا بيولوجيا كاملا لجميع وظائف بيضة الطيور الطبيعية".
ويشرح مكونات هذا النظام، والذي يتكون من هيكل خارجي مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، يحتوي على شبكة مسامية مصممة بدقة تسمح بتبادل الغازات بشكل متحكم فيه، ويمكن تصنيع هذا الهيكل الخارجي من مواد بوليمرية متوافقة حيويا أو من التيتانيوم، حسب التطبيق.
وتُبطن القشرة بشبكة غشائية مبتكرة قائمة على السيليكون، مصممة خصيصا لتنظيم نقل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون مع الحفاظ على الرطوبة المناسبة لنمو الجنين.
ويشير إلى أن هذا النظام الغشائي أظهر في الاختبارات، أداء يضاهي، بل ويتفوق في بعض الحالات، على أداء قشرة بيضة الدجاج الطبيعية، مما يوفر دعما تنفسيا فعالا لنمو وتطور الكتاكيت.
وعن كيفية التحكم في المراحل المبكرة من النمو دون التسبب في تشوهات أو فشل في النمو، يوضح أن عملية النمو في البيضة الاصطناعية تكاد تكون مطابقة للنمو داخل البيضة العادية، حيث ينمو الجنين فوق صفار البيضة ويستقر بشكل طبيعي في أعلى الجهاز، مما يتيح رؤية كاملة للجنين النامي طوال فترة تكوينه.
ويقول بن: "هذه هي المرة الأولى التي يمكن فيها مشاهدة عملية نمو الكتكوت بأكملها بشكل ديناميكي من خلال النافذة الموجودة في أعلى البيضة الاصطناعية".
ويضيف: "صُممت منصة البيضة الاصطناعية الخاصة بنا لمحاكاة الظروف الرئيسية للنمو الطبيعي داخل البيضة بدقة، بما في ذلك تبادل الغازات، وتوازن الرطوبة، واستقرار درجة الحرارة، والدعم الغذائي، كما راعينا أحد المتطلبات الأساسية هو إضافة الكالسيوم".
ويشرح: "في البيضة الطبيعية، يستمد الجنين الكالسيوم من القشرة أثناء نمو هيكله العظمي، لذلك في النظام الاصطناعي، نقوم بتزويد الجنين النامي بالكالسيوم أثناء نمو هيكله العظمي، ويستمر الجنين في النمو بشكل طبيعي فوق صفار البيض، محاكياً بذلك عملية تكوين الجنين الطبيعية لدى الطيور، ويوفر جهازنا رؤية مستمرة للجنين النامي طوال العملية، مما يتيح مراقبة نمو الكتاكيت في الوقت الفعلي لأول مرة".
وقبل بدء نمو الجنين تُجرى التعديلات الجينية التي تستهدفها التجربة، على مستوى الخلايا الجرثومية الأولية أو الخلايا الجنينية في مراحلها المبكرة جدا، ويتمثل دور البيضة الاصطناعية في دعم النمو السليم لهذه الأجنة المُهندسة وراثيا في ظل ظروف مُحكمة، كما يوضح بن.
ورغم سعادة بن الغامرة بهذا الإنجاز، إلا أنه يشدد على أنه لا يمثل رغم أهميته سوى جزء واحد من التحدي الأكبر المتمثل في إعادة إنشاء نوع منقرض، وهو الهدف الذي تسعى إليه شركته.
ويقول: "بالنسبة مثلا لنوع مثل طائر الموآ العملاق في الجزيرة الجنوبية، يعد نمو الجنين أحد التحديات الرئيسية، حيث كانت بيوض الموآ أكبر بحوالي ثماني مرات من بيوض الإيمو، ولا يوجد طائر حي قادر على حمل أو وضع بيضة بهذا الحجم بشكل طبيعي، وهذا يعني أننا نحتاج إما إلى نظام بديل مُهندس أو منصة نمو خارجية قادرة على دعم نمو الجنين وتكميله خارج قيود البيضة الطبيعية.
ويضيف: "في الوقت نفسه، يتعين على علمائنا إعادة بناء جينوم دقيق لطائر الموآ من الحمض النووي القديم، وتحديد الأساس الجيني لصفاته الرئيسية، وهندسة هذه الصفات في أنواع حية وثيقة الصلة به، مثل طائر الإيمو، أقرب أقربائه الأحياء".
ويمر المشروع حاليا بمرحلة تسلسل الجينوم، ويركز على بناء مراجع جينومية عالية الجودة لجميع أنواع الموآ التسعة، وحتى الآن، حدد الفريق مصادر متعددة وقوية للحمض النووي القديم، بما في ذلك عينات من طائر الموآ العملاق في الجزيرة الجنوبية.
وصُممت منصة البيضة الاصطناعية لمعالجة معضلة النمو من خلال إنشاء بيئة قابلة للتطوير تحاكي الوظائف الرئيسية للبيضة الطبيعية، بما في ذلك تبادل الغازات، وتنظيم الرطوبة، ودعم النمو.
لذلك، يؤكد بن على أنه "ينبغي النظر إلى نظام البيضة الاصطناعية كتقنية تمكينية لأبحاث إعادة إحياء الأنواع المنقرضة في المستقبل، وليس كحل كامل بحد ذاته لإعادة إحياء الأنواع المنقرضة".
وعن تحفظ البعض على نشاط الشركة، بحجة أنه الأولى توجيه الأموال للحفاظ على الحيوانات المهددة بالانقراض، وليس استعادة ما انقرض بالفعل، يقول بن إن "رأس مال شركتنا يأتي من استثمارات خاصة، ما يعني أننا نقدم تمويلا جديدا لا يُنافس أو يحول مسار التمويل التقليدي للحفاظ على الأنواع القائمة، فالاستثمار في إعادة إحياء الأنواع المنقرضة يُضيف قيمة إلى الجهود المبذولة، وليس بديلا عنها".
ويوضح أنه "من الناحية البيئية، فإن إعادة إحياء الأنواع المنقرضة يلعب دورا هاما في استعادة الوظائف المفقودة للنظم البيئية المتدهورة، كما أن كل مشروع لإعادة إحياء الأنواع المنقرضة تنفذه الشركة مرتبط ارتباطا وثيقا بالحفاظ على الأنواع الحية ذات الصلة، فعلى سبيل المثال، في سياق جهود إنقاذ الماموث الصوفي، أنشأت الشركة مراجع جينومية لجميع أنواع الأفيال، وسرعت تطوير ونشر لقاح يحمي الأفيال من فيروس هربس الفيل الأفريقي القاتل، واستخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي مع شركاء ميدانيين مثل منظمة "أنقذوا الأفيال" لتحليل لقطات الطائرات المسيرة وتتبع سلوك الأفيال الأفريقية البرية، فالعلوم التي طُوِّرت في سبيل إعادة إحياء الأنواع المنقرضة تُفيد بشكل مباشر الأنواع الموجودة اليوم".
أما بخصوص القلق من أن إعادة الأنواع المنقرضة قد تؤدي إلى التراخي في حماية الأنواع المعرضة للخطر حاليا، فإن هذه الحجة يراها بن أنها تشير إلى أمرين غير صحيحين عن البشر، فهي تفترض أن معظم الناس يهتمون بالانقراض في المقام الأول، بينما في الواقع يهتم معظمهم به بقدر ما يؤثر عليهم شخصيا، كما تفترض أنّ أولئك الذين يهتمون سيتوقفون عن الاهتمام بسبب إمكانية إنشاء نوع مشابه تقريبا للأنواع التي كانت موجودة في السابق، وذلك بفضل العمل الجاد والتقدم التكنولوجي.
ويختم : "الموقف الأكثر صدقا، هو أن إحياء الأنواع المنقرضة والحفاظ على الموائل ليسا متنافسين، بل هما في شركتنا هدف واحد".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة