في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ما إن تبدأ الساعة في العد حتى يكون كل شيء قد حدث بالفعل. ففي لحظة خاطفة تكاد لا تُرى بالعين المجردة، يمر طائر صغير أمام زهرة، يحلق بثبات في الهواء، يلتقط غذاءه، ويلقح الأزهار، ثم يغير اتجاهه فجأة ويهرب من خطر محتمل بحركات بهلوانية معقدة.
قد تبدو هذه المشاهد للوهلة الأولى مجرد ومضة سريعة أو طنين حشرة عابرة أو خدعة بصرية غريبة، لكنها في الواقع تجسد واحدة من أكثر الظواهر الحركية تعقيدا في عالم الحيوان، التي ينفرد بها الطائر الطنان.
لفهم ما يحدث خلال هذه الثواني القليلة، لا بد من إبطاء وتيرة الأحداث وتحليل تفاصيلها خطوة بخطوة. فهذا الطائر لا يطير فحسب، بل يؤدي سلسلة متكاملة من العمليات البيولوجية والميكانيكية الدقيقة التي تجعل منه أحد أعظم خبراء الطيران في الطبيعة.
تعد سرعة الطيران أول ما يلفت الانتباه لدى الطيور الطنانة. فهي تحرك أجنحتها عادة بين 50 و80 مرة في الثانية الواحدة، وقد تصل سرعة رفرفة أجنحتها إلى 200 رفرفة أثناء التزاوج أو الغوص، ما يمنحها دقة وسرعة استثنائيتين في الحركة الجوية، تجعلنا لا نتمكن من رؤية أجنحتها أثناء الطيران، لكننا نستطيع سماعها كطنين واضح.
هذه الرفرفة السريعة لا تعتمد فقط على سرعة العضلات، بل على بنية جسدية متخصصة للغاية. فقد طورت الطيور الطنانة عضلات صدرية ضخمة تشكل أكثر من 30% من وزن الجسم لدى بعض الأنواع، وهي نسبة استثنائية مقارنة بمعظم الطيور الأخرى، ما يفسر قدرتها غير العادية على الطيران المستمر والمناورة في الهواء.
يوضح الأستاذ في قسم العلوم البيولوجية بجامعة مونتانا الأمريكية، بريت توبالسكي، أن الطيور الطنانة صغيرة للغاية، لكنها تمتلك –مقارنة بحجمها– أكثر العضلات تخصصا وكفاءة في عالم الحيوان، تشمل عضلتي الصدر الرئيسيتين المسؤولتين عن ضربات الجناح إلى الأسفل والأعلى، وتحتوي على كثافة عالية للغاية من الميتوكوندريا المسؤولة عن تحويل المغذيات إلى طاقة كيميائية في خلايا الجسم، ما يسمح بإنتاج قدر كبير من الطاقة الميكانيكية بصورة مستمرة مقارنة بحجم الجسم.
ويضيف توبالسكي في حديثه للجزيرة نت أن أجنحتها تتميز أيضا بكتلة منخفضة جدا، وبخاصية فيزيائية تُعرف علميا بالعزم القصوري المنخفض، وتدل على أن مقاومة الجسم للتغير في حالته الدورانية صغيرة، ما يسمح لها بتحريك أجنحتها بسرعة استثنائية، وبتنفيذ مناورات جوية بدرجة من الرشاقة والدقة قد تجعل حتى أكثر الطائرات تطورا تبدو أقل سرعة وقدرة على المناورة".
لكن السر الحقيقي وراء قدرتها الجوية لا يكمن في كتلة الجناح أو القوة العضلية وحدها، بل في نمط حركة الأجنحة وطريقة استخدامها، ففي معظم الطيور، تتولد قوة الرفع أثناء الضربة السفلية للجناح فقط، بينما تُستخدم الضربة العلوية لإعادة وضع الجناح استعدادا للحركة التالية.
أما الطيور الطنانة، فتعتمد على آلية معقدة تختلف عن تلك التي تعتمدها معظم الطيور، وفقا لدراسة نُشرت في مجلة "رويال سوسايتي إنترفيس" (Royal Society Interface)، أظهرت نتائجها أن هذه الطيور لا تكتفي برفرفة أجنحتها، بل تقوم بتدوير معصم الجناح أثناء الحركة الصاعدة، ما يغير زاوية الجناح ويجعله يتحرك في مسار يشبه الرقم (8)، وهو نمط حركي يثبت أن أسلوب طيرانها يجمع بين البنية الجسدية للطيور وبعض الحيل الديناميكية الهوائية التي تُشبه تلك المستخدمة لدى الحشرات الطائرة مثل ذباب الفاكهة واليعاسيب.
ويمكن تشبيه ذلك بأن معظم الطيور تحرك أجنحتها كما لو كانت تجدف بقارب في اتجاه واحد، بينما يقوم الطائر الطنان بتدوير أجنحته عند مفصل الكتف بطريقة تشبه المروحية المصغرة.
يوضح أستاذ ورئيس قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة فاندربيلت الأمريكية، هاوكسيانغ لو، أن هذا النمط الفريد يمنح الطائر قدرة على توليد قوة رفع مستمرة خلال مرحلتي حركة الجناح معا، سواء أثناء الضربة السفلية أو العلوية، أو ما يشبه الحركة الأمامية والخلفية عندما يكون الجناح في وضع شبه أفقي أثناء التحليق.
ويضيف لو، الذي قاد الدراسة السابقة، في حديثه للجزيرة نت أن "هذه القوة تتعزز بفضل ظواهر ديناميكية هوائية غير مستقرة تشمل تكون دوامات هوائية عند الحافة الأمامية للجناح، والنشاط الفعال للضربة العلوية، والدوران الهوائي المصاحب لحركة الجناح، الأمر الذي يمنح الطائر تحكما استثنائيا في الهواء، وقدرة على التحليق الثابت في مكانه، وهو إنجاز جوي لا يستطيع أي طائر آخر القيام به".
وفيما يتعلق بالتحرك جانبا، تكشف دراسة نشرت في مجلة إكسبيرمنتال بيولوجي (Experimental Biology) أن الطيور الطنانة تستطيع عبور فتحات أضيق من امتداد جناحيها رغم عدم قدرتها على طي أجنحتها عند الرسغ والمرفق كمعظم الطيور، ما يشير إلى امتلاكها قدرات إدراكية وحركية دقيقة تتيح لها التنقل في البيئات المزدحمة بكفاءة عالية دون الاصطدام بالعوائق.
هذا التحليق ليس مجرد توقف في الهواء، بل مهارة معقدة تتيح للطائر التوقف المفاجئ، وتقييم محيطه أثناء الطيران، ثم الانطلاق للأمام في أي اتجاه تقريبا خلال جزء من الثانية، ليصل إلى سرعات مذهلة مقارنة بحجمه، حتى إن سرعته النسبية قد تتجاوز ما تحققه الطائرات المقاتلة إذا ما قورنت بأبعاد الجسم.
وتزداد هذه القدرات تعقيدا بفضل التحكم المستقل بالأجنحة. إذ يمكن للطائر تعديل سرعة وزاوية كل جناح على حدة، ما يسمح له بتنفيذ انعطافات حادة وحركات دورانية دقيقة في الهواء وحتى التحليق مقلوبا رأسا على عقب لفترات قصيرة، وكأن الطبيعة زودته بعصا تحكم مدمجة.
ولتحقيق مرونة الانتقال الاستثنائية بين أوضاع الطيران المختلفة، تستخدم طيور الطنان أنماطا مختلفة من المعالجة البصرية للتحكم في أنواع متعددة من الطيران، وفقًا لدراسة نشرت في مجلة "بروسيدنجز أوف ذا رويال سوسيتي بي" (Proceedings of the Royal Society B)، وكشفت عن نمط يبدو فريدا من نوعه، يُستخدم للتحكم في سرعة الطيران الأمامي، وتعديل السرعة والموقع أثناء الحركة.
لكن الأمر لا يخلو من التحديات، إذ يوضح "لو" أن "الطيور الطنانة تواجه اضطرابات هوائية وأنماط تدفق غير منتظمة أثناء الطيران، ولذلك تعدل حركة أجنحتها باستمرار للتعامل مع هذه الاضطرابات، كما تعتمد على آلية طبيعية تُعرف بالعزم المعاكس الناتج عن الرفرفة، وهي آلية سلبية مدمجة في نظام الطيران تساعدها على مقاومة الانحرافات الهوائية".
وبحسب عالم الأحياء والأستاذ المشارك في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، تايسون هيدريك، فإن "التحديات الأساسية تشمل أيضا القدرة على توليد قوة رفع كافية للبقاء في الهواء، إضافة إلى توفير طاقة عضلية مستمرة لدعم هذا الرفع أثناء التغذية". ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "ذلك يجب أن يتم بكفاءة عالية تجعل التحليق مجديا من الناحية الطاقية، بحيث لا تتجاوز تكلفة الطاقة المستهلكة الفائدة الغذائية المكتسبة من الرحيق".
الأكثر إثارة بين أوضاع الطيران المختلفة أن هذه الطيور هي الوحيدة في العالم القادرة على الطيران إلى الخلف بسهولة مذهلة. فبينما تلتزم معظم الطيور باتجاه واحد نحو الأمام، أتقنت الطيور الطنانة فن الطيران العكسي.
لكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال منطقي: لماذا يحتاج طائر إلى الطيران إلى الخلف؟ تكمن الإجابة في أسلوب تغذيته. فالطيور الطنانة متخصصة في امتصاص الرحيق، وتعتمد في بقائها على الوصول إلى السائل السكري المخفي داخل الأزهار، والذي يمثل المصدر الأساسي للطاقة.
ويوضح الأستاذ المشارك في قسم العلوم البيولوجية بجامعة تورنتو في كندا، كينيث ويلش أن "القدرة على التحليق -ولو لفترات قصيرة- تمنح طيور الطنان فرصة الوصول إلى موارد غذائية من زوايا يصعب على غيرها من الطيور استغلالها في الظروف العادية. مضيفا في حديثه للجزيرة نت أن "الكثير من الأزهار لا يمكن التغذي عليها أثناء الوقوف أو الارتكاز، ولا توفر أماكن مناسبة للهبوط أو الجلوس أو التمسك بالأغصان، ما يجعل التحليق وسيلة ضرورية للوصول إلى الرحيق".
أثناء التغذية، تحلق هذه الطيور بدقة أمام الزهرة، وتدخل منقارها الطويل الرفيع كما لو كان أنبوبا دقيقا لاستخراج الرحيق إلى أعماق الأزهار بواسطة لسان دقيق ذي أخاديد متخصصة. لكن عندما تنفد الزهرة من الرحيق، يحتاج الطائر إلى وسيلة سريعة وفعالة للانسحاب دون الاصطدام بالأوراق أو البتلات المحيطة به. وهذا يعني أن التحليق يسرع دورة الاقتراب من الزهرة والتغذية ثم المغادرة.
ويرى توبالسكي أن "هذه القدرة ربما كانت تكيفا لدى أجداد الطيور الطنانة الحديثة من أجل استغلال مصدر غذائي غني بالطاقة، والذي قد يكون في ذلك الوقت موردا غير مستغل بشكل كافٍ". ويضيف أن "هذا النمط من الطيران يوفر ميزة بيئية مهمة، إذ يسمح لها بالاستفادة من نطاق غذائي لا تستغله إلا قلة من الطيور الأخرى".
لكن عملية التغذية لا تقتصر على تزويد الطائر بالطاقة فحسب، فكل زيارة لزهرة تسهم أيضا في تلقيحها إذ تنتقل حبوب اللقاح العالقة بريش الطائر من زهرة إلى أخرى أثناء تنقله، مما يعزز التكاثر النباتي، ويخلق علاقة بيئية متبادلة بين الطيور والأزهار.
ويقول ويلش "من منظور النبات، فإن أفضل ملقح هو الذي ينقل حبوب اللقاح بين أزهار النوع نفسه. وبما أن طيور الطنان قد تتخصص في أنواع معينة من الأزهار، فإنها تصبح ناقلا أكثر دقة وموثوقية لحبوب اللقاح".
ونظرا لأن التحليق يسمح بزيارة جميع أزهار النبات بسهولة، وليس فقط تلك التي يمكن الوصول إليها أثناء الوقوف أو التعلق، فإن هذه القدرة على الطيران إلى الخلف ليست مجرد حركة استعراضية أو خدعة طبيعية، بل مهارة حيوية ضرورية وأداة بقاء أساسية تمنح الطنان أيضا القدرة على اجتياز اختبار أكثر خطورة وتعقيدا، حين يضطر إلى استخدام مهاراته للهروب من مفترس أو مواجهة تحديات الطبيعة.
فالطيور الطنانة لا تكتفي بالتغذي على الأزهار، بل تتتبع بدقة المواقع التي استنزفتها مؤخرا من الرحيق، وكذلك تلك التي تخطط لزيارتها لاحقا. ويخوض كل طائر منها صراعا شرسا للدفاع عن هذا "الإقليم الزهري" ضد منافسه الحقيقي الوحيد الممثل في الطيور الطنانة الأخرى.
وباستخدام مناقيرها المميزة بتكيفات خاصة للقتال، وسرعتها الجوية المذهلة، تنخرط الطيور الطنانة في مطاردات جوية عنيفة، حيث تلاحق بعضها بعضا عبر الهواء، وتقوم بهجمات سريعة تتضمن النقر والاندفاع ونزع الريش في اشتباكات خاطفة.
ولا يقتصر هذا "القتال الجوي" على المنافسين من النوع نفسه. فبحسب هاوكسيانغ لو، تواجه الطيور الطنانة أيضا خطر الافتراس من قبل الطيور الأكبر مثل الصقور والبوم،، خصوصا أثناء التغذية، لكنها تتمتع بسرعة استجابة وقدرة عالية على المناورة أثناء الهروب، مستفيدة من تغير أنماط حركة الأجنحة ومن قدرتها الفورية على إنتاج الطاقة. كما تستخدم القوى الناتجة عن قصور حركة الأجنحة وتفاعلها مع حركة الجسم لتعزيز الرشاقة أثناء المناورة.
ومع ذلك، تدور أشد المعارك ضراوة بين الذكور المتنافسين على الأزهار والإناث. وهنا تأتي أهمية الطيران العكسي، إذ يسمح بالمناورة في الهواء خلال الاشتباكات الجوية السريعة في حركة دقيقة وسريعة وأنيقة في آن واحد لا يضاهيها فيها أي طائر آخر، قبل أن ينسحب أحد الطائرين ويغادر بحثا عن مصدر غذاء آخر.
كل هذه العمليات المعقدة قد تحدث خلال ثوان معدودة فقط. وبينما يبدو المشهد بسيطا وعابرا، فإنه يخفي وراءه توازنا مذهلا بين التشريح والديناميكا الهوائية والطاقة والسلوك البيئي، غير أن هذه الحرية الحركية تأتي بتكلفة مرتفعة جدا.
ويشرح ويلش أن "التحليق الثابت يعد أكثر أشكال الحركة استهلاكا للطاقة مقارنة بالوزن. وبما أن طيور الطنان صغيرة جدا، إذ لا يتجاوز وزن معظمها 12 غراما، فإنها لا تستطيع تخزين كميات كبيرة من الطاقة على شكل دهون، لأن الوزن الإضافي يزيد صعوبة البقاء في الهواء. ولهذا السبب تعتمد على الوصول المنتظم والمتوقع إلى مصادر الغذاء، خاصة الرحيق".
وكما تمتلك الطيور الطنانة أسرع معدل رفرفة أجنحة بين جميع الطيور، فهي تمتلك أيضا أعلى معدلات الأيض مقارنة بجميع الفقاريات نسبة إلى حجم الجسم. ويصل معدل الأيض لديها إلى درجة غير مسبوقة، لدرجة أنه لو كان الطائر الطنان بحجم الإنسان لاحتاج إلى تناول أكثر من 300 هامبرغر يوميا فقط للبقاء على قيد الحياة.
هذا الاستهلاك الهائل للطاقة يفرض على الطائر نمطا غذائيا مستمرا مقارنة بحجمه الصغير، إذ يحتاج إلى تناول الطعام بشكل متكرر للغاية، ويستهلك يوميا ما يعادل 6 أضعاف وزنه من الرحيق، موزعة على مئات الوجبات الصغيرة. وقد يزور الأزهار بمعدل يصل إلى 4 وجبات في الساعة أثناء الطيران. وقد يكون يوم واحد فقط دون غذاء كافيا لتهديد حياته.
ومع ذلك، يشير توبالسكي إلى أن "بعض الأنواع، مثل الطائر الطنان ذو الحلق الياقوتي (أركيلوخوس كولوبريس)، خاصة الذكور البالغة أثناء هجرتها شمالا، تستطيع الطيران بشكل متواصل لمدة تصل إلى 24 ساعة فوق خليج المكسيك بين شبه جزيرة يوكاتان والسواحل الأمريكية.
ويضيف "نظرا لعدم قدرتها على التغذية أثناء عبور المحيط، فإنها تعتمد على مخزون الدهون، حيث يتضاعف وزنها تقريبا قبل الهجرة نتيجة تراكم هذه الاحتياطيات".
لذلك تقضي هذه الطيور معظم ساعات يقظتها في التغذية المستمرة. وعندما يقل الغذاء، تلجأ إلى حالة فسيولوجية خاصة تُعرف باسم "الخمول العميق"، وهي شكل خفيف من السبات يساعدها على ترميم طاقتها خلال الليل.
وخلال هذه الحالة، تخفض وظائفها الحيوية إلى الحد الأدنى، وكأنها "تطفئ" نفسها مؤقتا مثل حاسوب صغير لتوفير الطاقة. ولحين توفر الغذاء مجددا، ينخفض معدل ضربات قلبها بشكل كبير -رغم أنه يعد أصلا من الأعلى في عالم الحيوان مقارنة بحجم الجسم- من نحو 1200 نبضة في الدقيقة إلى حوالي 50 نبضة فقط. وعند الاستيقاظ بعد 4 إلى 7 ساعات، يعود الأيض السريع لديها للعمل بكامل طاقته، وكأن الجسم يعيد تشغيل نظامه الحيوي عالي السرعة من جديد.
وبطبيعة الحال، فإن هذا النمط من الطيران عالي الدقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تنسيق عصبي شديد التعقيد، وهنا يأتي دور الدماغ. إذ تمتلك الطيور الطنانة، نسبة إلى حجم جسمها، أكبر دماغ مقارنة بجميع الطيور الأخرى.
ولا يقتصر الأمر على الحجم فحسب، بل إن أدمغتها مصممة بدقة مذهلة لمعالجة الحركات السريعة للغاية، بحيث يمكنها تحليل المعلومات البصرية وكأن الزمن يتحرك ببطء.
هذا النظام العصبي المتطور يمكِّنها من التنبؤ بمواقع الأزهار، وتفادي العوائق بدقة فائقة، وتعديل مسار طيرانها خلال أجزاء من الثانية، في الوقت الذي تتحرك فيه أجنحتها بسرعة تجعلها تبدو للعين البشرية مجرد ضباب متحرك.
بالنظر إلى هذا المزيج من السرعة والقوة والقدرة على التحمل، يرى توبالسكي أن الطريقة التي تستخدم بها الطيور الطنانة عضلاتها يمكن أن تلهم تطوير الروبوتات الجوية. كما أن فهم الاختلافات في الديناميكا الهوائية وأنماط حركة الأجنحة بين التحليق الثابت والطيران الأمامي المستمر قد يوفر أساسا مباشرا لتحسين أنظمة الطيران.
وتحاول أعقد المختبرات في العالم فهم ومحاكاة هذه القدرات الفائقة تحديدا لصناعة طائرات صغيرة بدون طيار. فقد طور العلماء في شركات مثل "إيروفيرمنمينتت" (Aerovironment) طائرات روبوتية مستوحاة مباشرة من هذا الطائر، أشهرها مشروع نانو هامينغبيرد (Nano Hummingbird).
تزن هذه الطائرة أقل من 20 غرام، وتستطيع الطيران للأمام للخلف والوقوف في الهواء بثبات كامل، وترفرف أجنحتها مثل الطائر الحقيقي تماما، الذي استوحوا منه حركة الجناح على شكل 8، وتوليد الرفع في الاتجاهين، والتوازن الفوري في الهواء.
أما السرعة فالطائر الطنان نفسه سرعته العادية 30 إلى 50 كيلومتر في الساعة، وفي الانقضاض قد تتجاوز 90 كيلومتر في الساعة، أما الطائرات المستوحاة منه فسرعتها أقل، حوالي 15 إلى 25 كيلومتر في الساعة، لكنها تتفوق في شيء آخر، وهو التحكم والدقة والثبات في الأماكن الضيقة.
والأخطر من ذلك، تُستخدم هذه الطائرات في الاستطلاع العسكري، والدخول من النوافذ والأماكن الضيقة، والتصوير في بيئات لا تستطيع الطائرات العادية دخولها. بمعنى آخر، لم يقلد العلماء القوة فحسب، بل حاولوا تقليد الدقة الخارقة لهذا الطائر، لكنهم لم يصلوا بعد لدقة جناح ولا كفاءة طاقة ولا نظام توازن يمتلكه هذا الكائن الصغير الذي لا يتجاوز وزنه غرامات.
ورغم التقدم التقني، يرى ويلش أن كفاءة الأنظمة الحيوية الطبيعية في تحويل الطاقة ما تزال تتفوق كثيرا على البطاريات والمحركات الحديثة. ولهذا، يمثل الطنان نموذجا جذابا لتطوير تقنيات طيران أكثر كفاءة. كما تمتلك قدرة استثنائية على التعامل مع الاضطرابات الجوية المفاجئة التي قد تؤثر على استقرار الطيران، وهي قدرة لا تزال الطائرات المسيرة الحالية أقل كفاءة فيها مقارنة بالطبيعة.
ويوضح هيدريك أن "الطائرات المسيرة الحديثة تستطيع -إذا امتلكت قدرة محرك كافية- الاستفادة من هذه المبادئ لتحقيق مستوى عالٍ من الثبات والمرونة يشبه أداء الطنان، لكن أحد التحديات الرئيسية يتمثل في أن هذا النوع من الطيران أقل كفاءة من أنظمة المراوح التقليدية المستخدمة في الطائرات الرباعية".
ويضيف "مع محدودية كثافة الطاقة في البطاريات الحالية، يؤدي تقليد طيران الطنان إلى تقليل زمن الطيران. أما الطيور نفسها فتتجاوز هذه المشكلة بفضل العضلات التي تعمل كنظام احتراق حيوي يعتمد على السكر، وهو مصدر طاقة أعلى كثافة من البطاريات ويمكن تجديده باستمرار عبر التغذية على الرحيق".
وبالنظر إلى هذه القدرات مجتمعة، يصبح من الواضح أن الطيور الطنانة ليست مجرد كائنات جميلة تتنقل بخفة بين الأزهار كما لو كانت كائنات خيالية رقيقة، بل تمثل نموذجا فريدا للاجتهاد في البحث عن الغذاء، وتحدى القيود التقليدية للطيران وحتى قوانين الفيزياء نفسها.
وليس من المستغرب أن حضارة الأزتك قدست هذه الطيور، ورأت فيها رسلا لإله الحرب "هويتزيلوبوتشتلي"، في إشارة رمزية إلى أن القوة الهائلة قد تتجلى أحيانا في أصغر الكائنات حجما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة