عند سقوط حجر قوي في بركة ماء هادئة، لا ترى ما يحدث تحت السطح، لكنك ترى الموجات تنتشر.
وقد تنبأ الفيزيائي السوفيتي غورغن أسكاريان عام 1962 بحدوث سلوك شبيه بهذه الظاهرة، عرف علميا باسم "إشعاع أسكاريان"، وهو إشارة راديوية خفيفة جدا تنتج عندما يمر جسيم كوني شديد الطاقة داخل مادة كثيفة، ليترك وراءه فوضى من الجسيمات المشحونة.
وتم إثبات هذه الظاهرة مخبريا، لكنها لم تُرصد تجريبيا من قبل، غير أن فريق مشروع مصفوفة أرا الراديوية (تحالف من الباحثين والمؤسسات المتخصصة في فيزياء الجسيمات والفيزياء الفلكية)، أعلن في دراسة نُشرت في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز" (Physical Review Letters) عن تسجيل إشارات راديوية غامضة يعتقد أنها تمثل أول دليل تجريبي لهذه الظاهرة داخل الجليد.
وخلال حملة رصد استمرت 208 أيام في عام 2019 داخل القارة القطبية الجنوبية، سجل الباحثون 13 إشارة راديوية غير معتادة، بدت وكأنها قادمة من أسفل سطح الجليد.
وباستخدام نماذج محاكاة متقدمة، قام الفريق بتحليل خصائص هذه الإشارات، بما في ذلك اتجاه وصولها، وترددها، وشكل الموجة، واتجاه المجال الكهربائي، وأظهرت النتائج أن جميع هذه الخصائص تتوافق بشكل كبير مع التوقعات النظرية لإشعاع أسكاريان الناتج عن تفاعل الأشعة الكونية مع الجليد.
وأشارت الدراسة إلى احتمال أن تكون هذه الإشارات ناتجة عن تشويش أو مصادر أرضية عشوائية لا يتجاوز واحدا من 3.5 مليون، وهو ما يعادل دلالة إحصائية تبلغ 5.1 سيغما، وهي عتبة تُستخدم عادة في الفيزياء للإعلان عن اكتشافات مؤكدة.
ويرى الباحثون أن هذه الإشارات نتجت عن نوى كثيفة من سلاسل الأشعة الكونية التي اخترقت الطبقات العليا من الجليد، مسببة تفاعلات جسيمية أدت إلى انبعاث موجات راديوية قصيرة.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة في تطوير قدرة المشروع على تحقيق هدفه الأساسي، والمتمثل في رصد النيوترينوات فائقة الطاقة، وهي جسيمات كونية نادرة للغاية قادرة على عبور المادة تقريبا دون أن تتفاعل.
ويعتمد العلماء في التمييز بين هذه النيوترينوات وبين الأشعة الكونية على زاوية وعمق الإشارة داخل الجليد، إذ إن الأشعة الكونية تؤثر عادة على الطبقات السطحية فقط، بينما يمكن للنيوترينوات اختراق أعماق أكبر وإنتاج إشارات من زوايا مختلفة.
ومع توقع صدور بيانات موسعة تغطي سنوات إضافية من الرصد عبر جميع محطات مشروع "مصفوفة أرا الراديوية"، يأمل الفريق العلمي في تأكيد المزيد من المرشحين لهذه الجسيمات النادرة، ما قد يفتح نافذة جديدة لفهم أكثر الظواهر طاقة وغموضا في الكون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة