في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على مدار سنوات طويلة، حاول العلماء فهم ظاهرة غامضة داخل مفاعلات الاندماج النووي، تُعرف باسم "عدم توازن تدفق الحرارة"، وتتعلق بكيفية تصرف جسيمات البلازما – وهي مادة فائقة السخونة تصل حرارتها إلى مستويات تفوق حرارة قلب الشمس – عند خروجها من قلب المفاعل.
أظهرت البيانات التجريبية من مفاعلات حول العالم نمطا محيرا استمر لعقود، تمثل في أن هذه الجسيمات تصطدم بالجزء الداخلي من نظام العادم أكثر بكثير من الجزء الخارجي، وهو اختلال بسيط ظاهريا لكنه بالغ الأهمية عند تصميم مفاعلات قادرة على العمل بكفاءة.
اليوم، وفي خطوة مهمة نحو تحقيق طاقة الاندماج النووي، نجح فريق من الفيزيائيين أخيرا في تحديد الآلية الفيزيائية المسؤولة عن هذا السلوك الغريب، وكشفت دراستهم الجديدة المنشورة في مجلة "فيزيكال ريفيو ليترز" (Physical Review Letters) أن حل هذا اللغز لا يكمن فقط في حركة الجسيمات الجانبية، بل أيضا في عامل مهم لم يكن يُقدر بالشكل الكافي سابقا، وهو دوران البلازما نفسها داخل المفاعل.
تشكل مفاعلات "التوكاماك" حجر الأساس في أبحاث الاندماج حول العالم، ويعول عليها في إنتاج طاقة نظيفة في المستقبل. وتوصف هذه المفاعلات عادة بأنها أجهزة تجريبية ضخمة ذات شكل دائري يشبه حلوى "الدونات"، تستخدم مجالا مغناطيسيا قويا لحصر بلازما شديدة السخونة معلّقة لفترة كافية تسمح بحدوث الاندماج النووي وإطلاق الطاقة.
ويوضح الباحث الفيزيائي المشارك في مختبر برينستون لفيزياء البلازما التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، إريك إمدي، أن أي مجال مغناطيسي، مهما بلغت قدرته على حبس البلازما، لا يمكنه فعل ذلك بشكل كامل، إذ تنجح بعض الجسيمات دائما في الهروب من هذا القفص المغناطيسي المصمم لإبقاء البلازما مستقرة لفترة كافية تسمح باندماج الأنوية وإطلاق الطاقة.
ويضيف المؤلف الرئيسي للدراسة، في حديثه للجزيرة نت، أن هذه الجسيمات الهاربة تتحرك بسرعة على طول خطوط المجال المغناطيسي، متجهة بشكل غير متوازن نحو جزء من المفاعل يُعرف باسم المحوِّل، وهو الجزء المسؤول عن تصريف هذه الجسيمات. وهناك تصطدم الجسيمات بصفائح معدنية، فتفقد قدرا كبيرا من حرارتها، وقد ترتد لاحقا على هيئة ذرات متعادلة تسهم في تغذية التفاعل واستمراره.
من الناحية النظرية، يفضل علماء الاندماج النووي أن يكون توزيع هذه الجسيمات منتظما، وأن تكون مواقع تركز الحرارة داخل المفاعل قابلة للتنبؤ. لكن الواقع كان مختلفا، إذ كشفت التجارب في مراكز بحثية متعددة عن ميل واضح يتمثل في اصطدام عدد أكبر بكثير من الجسيمات بجانب واحد من نظام العادم مقارنة بالجانب الآخر.
هذا الخلل لم يكن مجرد ظاهرة غريبة أو تفصيلا صغيرا، بل كان يشكل تهديدا حقيقيا لسلامة مكونات المفاعل ويؤثر سلبا على كفاءته، لأن مكان وصول الجسيمات يحدد أين تتركز الحرارة، ومدى سرعة تلف المواد، ومدى الحاجة إلى أنظمة تبريد وحماية قوية في المفاعلات المستقبلية.
في السابق، كان يُعتقد أن السبب الرئيسي يعود إلى ما يُعرف بالحركة الجانبية للجسيمات، وهي حركة تجعلها تنزلق عبر خطوط المجال المغناطيسي، بدلا من اتباع مسارها الطبيعي. ورغم أن هذا التفسير بدا منطقيا، إلا أن النماذج الحاسوبية التي اعتمدت عليه لم تتمكن من إعادة إنتاج ما يحدث فعليا داخل المفاعلات، مما جعل العلماء يشككون في دقة هذه النماذج.
تكشف الدراسة الجديدة أن العامل الخفي وراء هذه الظاهرة لا يوجد فقط في منطقة العادم، بل في طريقة حركة البلازما داخل المفاعل بالكامل. فعندما تدور البلازما، فإنها تتفاعل مع الحركة الجانبية للجسيمات بطريقة تدفع عددا أكبر من الجسيمات نحو جانب معين من نظام العادم في ظروف التشغيل المعتادة.
بمعنى أبسط، يشرح إمدي أن "دوران البلازما داخل المفاعل يعمل كقوة خفية تؤثر في مسارات الجسيمات أثناء خروجها من القفص المغناطيسي، وهو ما يؤدي بشكل طبيعي إلى عدم التوازن الذي رصدته التجارب منذ البداية".
ويوضح أن "تدفق البلازما لا يقتصر على الحركة الجانبية التي تعبر فيها الجسيمات خطوط المجال المغناطيسي، والتي كان يُعتقد أنها السبب الرئيسي في هذا الاختلال، بل يشمل أيضا نوعا آخر من الحركة ناتجا عن دوران البلازما، يتمثل في الحركة الموازية التي تسير فيها الجسيمات على طول خطوط المجال، وقد أثبتنا أن هذا النوع من الحركة لا يقل أهمية عن الحركة الجانبية في تفسير الظاهرة".
لاختبار هذه الفرضية، يقول الباحث "استخدمنا برنامجا متقدما في فيزياء البلازما لإجراء محاكاة حاسوبية دقيقة لسلوك الجسيمات تحت ظروف مختلفة داخل مفاعل تجريبي في كاليفورنيا، حيث درسنا تأثير كل من الحركة الجانبية ودوران البلازما بشكل منفصل، وكذلك عند اجتماعهما معا".
في البداية، لم تتطابق النتائج مع التجارب، لكن عند إضافة سرعة دوران البلازما الحقيقية، والتي تبلغ نحو 88.4 كيلومتر في الثانية، تغير كل شيء. وعند الجمع بين الدوران والحركة الجانبية، أصبحت النتائج الحاسوبية متوافقة بشكل كبير مع ما يُلاحظ في الواقع. كما تبين أن التأثير المشترك لهذين العاملين أقوى بكثير من تأثير كل منهما على حدة.
ورغم التحقق من هذه النتائج بمقارنتها مع بيانات من تجارب قائمة، يشير العلماء إلى ضرورة التأكد منها في أنواع مختلفة من مفاعلات التوكاماك، خاصة المفاعلات الأكبر حجما التي قد تُظهر سلوكا مختلفا جزئيا -مثل إيتر (ITER)، وهو المشروع الدولي الضخم الجاري بناؤه في فرنسا.
يعد فهم هذه الآلية خطوة مهمة نحو تطوير مفاعلات الاندماج، لأنه يمنح العلماء والمهندسين قدرة أفضل على التنبؤ بمواقع تركز الحرارة والجسيمات داخل المفاعل. وإذا تراكمت هذه الجسيمات بشكل غير متوقع في جهة معينة، فقد يؤدي ذلك إلى تآكل جدران المفاعل وتقليل عمر المكونات الأساسية.
ومع هذا الفهم الجديد لتأثير دوران البلازما على حركة الجسيمات، خاصة عند حواف المفاعل، أصبح بالإمكان تحسين تصميم المفاعلات المستقبلية وأساليب تشغيلها، بما يجعلها أكثر استقرارا وتحملا وكفاءة في العمل.
وعن أهمية هذا الاكتشاف، يقول إمدي إنه "يفتح المجال أمام تطوير حلول هندسية جديدة تستهدف توزيع الحرارة بشكل أكثر توازنا على أسطح المحول، وهو ما يسهم في إطالة عمر المكونات وتمكين المفاعلات من العمل بكفاءة أعلى في ظروف التشغيل الفعلية".
ويعد هذا الإنجاز جزءا من الجهود العالمية المستمرة لجعل طاقة الاندماج حقيقة واقعة. فهذه الطاقة طالما اعتُبرت "الكأس المقدسة" للطاقة النظيفة وغير المحدودة، لأنها تحاكي الطاقة التي تنتجها الشمس، مع إنتاج كميات ضئيلة جدا من النفايات المشعة طويلة العمر.
ومع كل لغز يتم حله، يقترب العلماء تدريجيا من سد الفجوة بين الفهم النظري والتطبيق العملي، حيث تمهد هذه الاكتشافات الطريق أمام تشغيل مفاعلات اندماج قادرة على إنتاج طاقة عملية ومستدامة على أرض الواقع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة