أعاد جسم فضائي غامض يعرف باسم "أطلس3" (3I/ATLAS) إشعال الجدل العالمي حول طبيعة الأجسام القادمة من خارج نظامنا الشمسي، بعدما أكدت وكالة الفضاء الأميركية ( ناسا) أنه مجرد مذنب طبيعي، في حين أثار رد غامض من وكالة الاستخبارات الأميركية " سي آي إيه" موجة جديدة من الشكوك والتكهنات.
تم رصد "أطلس3" لأول مرة في يوليو/تموز 2025، وأوضحت ناسا أن الجسم يتكون من الجليد والغبار ويظهر ذيلا من الغاز، وهي خصائص مألوفة للمذنبات.
لكن القصة لم تتوقف عند هذا التفسير، إذ أصبح مذنب "أطلس3" ثالث جسم بين-نجمي يرصد وهو يعبر نظامنا الشمسي، في فئة نادرة للغاية لم يسجَّل منها سوى حالتين سابقتين فقط، الأولى كانت في عام 2017 مع الجسم الغامض "أومواموا" (1I/ʻOumuamua) الذي أثار جدلا واسعا بسبب شكله غير المألوف وسلوكه الذي لم يتطابق تماما مع الأجسام المعروفة.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تقدّم الباحث الأميركي جون غرينوالد جونيور، المعروف بمتابعة ملفات الأجسام الطائرة المجهولة، بطلب رسمي بموجب قانون حرية المعلومات، يسأل فيه عمّا إذا كانت وكالة الاستخبارات الأميركية قد درست "أطلس3" باعتباره مركبة فضائية محتملة من صنع غير بشري.
جاء رد الوكالة صادما للبعض؛ إذ لم تؤكد ولم تنفِ وجود أي ملفات، واكتفت بما يعرف بـ"رد غلومار"، وهو أسلوب قانوني يستخدم عادة في القضايا الحساسة المتعلقة بالأمن القومي. هذا الصمت، بدلا من إغلاق الملف، فتح الباب واسعا أمام نظريات جديدة.
بينما شددت ناسا، في مؤتمر صحفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، على أن الجسم لا يحمل أي دلائل على أصل صناعي أو تكنولوجي، رأى بعض العلماء أن هذا الحسم السريع لا ينسجم مع الغموض الذي أحاط برد الاستخبارات.
من أبرز هؤلاء عالم الفيزياء الفلكية بجامعة هارفارد آفي لوب، الذي أشار إلى ما وصفه بـ"سلوكيات غير مألوفة" للجسم، منها تغيّرات في مساره، وتكوين غريب للذيل، وظهور ما يشبه "ذيلا معاكسا" لا يتوافق مع حركة المذنبات التقليدية. كما لمّح إلى احتمال وجود مواد غير معتادة في بنيته، دون تقديم دليل حاسم.
هذا التباين بين التفسير العلمي الواضح، والصمت الاستخباراتي غير المفسّر، أسهم في انتقال قصة "أطلس3" من نطاق الفلك إلى فضاء الخيال العام، حيث بدأ بعض المتابعين بربط المذنب بفكرة الكائنات الفضائية، في انعكاس مباشر لقلق إنساني قديم من المجهول أكثر منه قراءة علمية للمعطيات.
زاد الجدل تعقيدا بعدما نشر هواة فلك صورا أوضح للجسم من مسافات بعيدة، في وقت كانت فيه الصور الرسمية الصادرة عن ناسا أقل دقة رغم قرب المراصد الفضائية من "أطلس3″، ودفع هذا الفارق بعض المتابعين لاتهام الوكالة بالتقليل من أهمية التفاصيل المرئية، وهو ما نفته ناسا بشكل غير مباشر، مؤكدة أن اختلاف الأدوات وأساليب التصوير يفسّر هذا التباين.
ومن المتوقع أن يقترب "أطلس3" من كوكب المشتري في مارس/آذار 2026 المقبل قبل أن يغادر النظام الشمسي نهائيا، مما يجعل نافذة دراسته محدودة، ويزيد الضغط على العلماء والوكالات لتقديم إجابات أوضح.
راج الخبر عالميا لأنه جمع بين العلم والغموض والسياسة: جسم نادر من خارج النظام الشمسي، وتفسير علمي رسمي، وصمت استخباراتي غير معتاد، ونقاش مفتوح حول احتمالات تتجاوز المألوف. هذا الخليط جعل القصة تتصدر العناوين وتتحول إلى مادة دسمة للنقاش العام.
وقد نفى عدد من علماء الفلك، لدى سؤالهم عن احتمال أن يكون هذا الجسم جزءا من مؤامرة أو تابعا لوكالات استخباراتية عالمية، هذه الفرضية بشكل قاطع، وأوضحوا أن جرما بحجم "أطلس3" يستحيل عمليا التحكم بمساره أو توجيهه من قِبل أي دولة، مهما بلغت قدراتها التقنية، فضلا عن استحالة وضعه في مدار كوني دون أن ترصده المراصد الفلكية المنتشرة حول العالم.
وللمقارنة، يشير العلماء إلى أن مهمة "دارت" (DART) الفضائية التابعة لوكالة ناسا، التي اصطدمت عمدا بالكويكب ديمورفوس عام 2022 لتغيير مساره، جاءت بعد سنوات من التخطيط وضجة إعلامية عالمية واسعة، رغم أن هدفها كان جرما أصغر بكثير.
أما جرم بحجم "أطلس3″، فلو اصطدم بالأرض، لكان لذلك أثر كارثي واسع النطاق، وهو ما يجعل فكرة إخفائه أو التحكم به أمرا غير واقعي علميا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة