آخر الأخبار

كيف تغير ميكانيكا الكم من شكل "الواقع" كما نراه ونعرفه؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قال نيلز بور ذات مرة "من لم تصبه ميكانيكا الكم بالدوار، فهو لم يفهمها بعد"، الدوار هنا ليس مبالغة أدبية، بل علامة على أن حدسنا اليومي يواجه مشكلة كبيرة حينما نتأمل ميكانيكا الكم، ونتائجها المدهشة.

ومن أكثر الأفكار التي أحدثت هذا الارتباك "مبدأ عدم اليقين"، هذا المبدأ لا يقول إننا "لا نعرف" لأن أدواتنا ضعيفة، بل يقول إننا لا يمكن، من حيث المبدأ، تحديد قيمتين مقاستين معًا بدقة مطلقة داخل نظام كمومي.

مصدر الصورة العالم داخل الذرة لا يشبه عالمنا الكبير في شيء تقريبًا (كريستيان شيرم)

عن السرعة والموضع

المثال الأشهر لشرح ما يعنيه المبدأ هو موضع الجسيم وسرعته (نستخدم "السرعة" هنا بدلًا من "الزخم" للتبسيط)، فمثلا تستطيع أن تقيس موضع جسيم ما بشكل بالغ الدقة، لكن على حساب فقدان الدقة في السرعة.

والعكس صحيح، يمكن لك تحديد سرعة الجسيم بشكل دقيق، لكن ذلك يعني أنك لن تتمكن من تحديد موضعه بنفس الدقة، بل عبر نطاق أوسع من الاحتمالات، كأن قوانين الكون تضع سقفًا صارمًا للوضوح عندما نحاول جمع صورتين في صورة واحدة.

ولغرض التقريب، تخيل حياتك اليومية، حيث تقود السيارة فتقول بثقة: "أنا هنا تمامًا، بجوار محطة الوقود، وأسير بسرعة 80 كيلومترًا في الساعة". تطبيق الخرائط يفعل ذلك لحظة بلحظة، فيحدد موضعك وسرعتك على الشاشة، وفي عالمنا المألوف هذا طبيعي، فالأشياء تمتلك خصائص محددة حتى قبل أن ننظر إليها.

لكن في العالم دون الذري، يتبدل المشهد، فقوانين الكون لا تسمح للجسيمات الدقيقة أن تحمل عنوانًا ثابتًا وسرعة محددة بالدقة نفسها في اللحظة نفسها.

ولو تخيلنا، على سبيل الاستعارة، أننا قمنا بتكبير الإلكترون فيصبح بحجم كرة بلياردو، مع بقاء القوانين الكمومية كما هي، ثم وضعناه في صندوق مغلق، فلن يتصرف ككرة ساكنة مستقرة في مكان واضح، بل ستتحرك كرة البلياردو بشكل محموم، لا لأن هناك "قوة خفية" تدفعها، بل لأن قوانين الفيزياء لا تمنحها في آن واحد موضعًا حاسمًا وزخمًا حاسمًا.

إعلان

في هذا السياق، فإن أفضل ما يعطيه القانون لنا هو سحابة من الاحتمالات، وحدود دقة لا يمكنك كسرها.

فلسفة للواقع

بالطبع كان مبدأ عدم اليقين أشبه بصدمة فكرية، غيرت من نظرة العلماء والفلاسفة للكون ككل، فقبل ظهور ميكانيكا الكم، تصور العلماء أن الكون أشبه بساعة دقيقة جدًا، يمكن لنا -على الأقل نظريًا- التنبؤ بمستقبلها طالما امتلكنا الكم الكافي من المعطيات.

ثم جاء هذا المبدأ ليخبرنا أن الطبيعة في جوهرها لا تخضع لقوانين صارمة بل لقوانين "الاحتمالات"، هذا يعني فلسفيًا أن الكون ليس "آلة" ميكانيكية تسير بمسار محتوم، بل هو نظام مفتوح.

أعاد ذلك فتح النقاش الفلسفي حول موضوعات مثل "حرية الإرادة"، وهنا يتضح كيف أن أفكار نشأت بالأساس في أروقة الفيزياء النظرية يمكن أن تمتلك تأثيرًا فلسفيًا واسعًا.

مصدر الصورة فيرنر هايزنبرغ (أسوشيتد برس)

عن اللغة والمفهوم

من جانب آخر، يدفعنا مبدأ عدم اليقين، وميكانيكا الكم ككل، لفكرة فلسفية مهمة تتعلق باللغة والمفهوم، فقد لا تكون كل الأسئلة التي نصوغها بلغة حياتنا اليومية أسئلة ذات معنى في مستوى الكم، وكأن الواقع لا يوافق دائمًا "قوالبنا المفاهيمية".

العالم داخل الذرة لا يشبه عالمنا الكبير في شيء تقريبًا، فالذرة ليست نظامًا شمسيًا مصغرًا، ولا سلمًا من درجات، ولا سحابةً يمكن تشبيهها بما نألفه في الفيزياء الكلاسيكية.

وحين نصر على استخدام هذه التشبيهات نصطدم بتناقضات محيرة، مثل جسيم يبدو وكأنه يمر من شقين، أو موقع لا يتحدد مع السرعة بدقة كاملة، لكن هذا الشعور بالتناقض أو الغرابة، الذي نواجه حينما نتعلم عن ميكانيكا الكم، ليس في الطبيعة بقدر ما هو في لغتنا وحدسنا، إذ نحاول، كما أوضح فيرنر هايزنبرغ في كتابه "الفيزياء والفلسفة" وصف عالم غير كلاسيكي بأدوات ولغة عالم كلاسيكي.

في هذا السياق فإن غرابة الكم لا تعني أن الواقع غير منطقي، بل تعني أن مفرداتنا اليومية، مثل المسار، والموقع المحدد، والسرعة المحددة، ليست دائمًا اللغة المناسبة لهذا المستوى.

يجري ذلك على كل شيء. في حياتنا اليومية فالاحتمال يعني نقص معلومات، ونقول لذواتنا دائماً إنه لو عرفنا كل شيء لزالت الاحتمالات، لكن في عالم الكم فالاحتمال يبدو أقرب إلى كونه طريقة عمل، حيث تبقى النتائج دائماً موزعة احتمالياً.

والمفارقة أنه رغم أن القيم الفردية قد تكون غير محددة، وتمتلك طبيعة احتمالية، فإن القوانين التي تحكم التوزيعات موضوعية جدا ودقيقة وقابلة للاختبار، بل هي الأدق في تاريخ العلم الآن.

أنت والعالم

من جانب آخر، يظهر دور لعملية "القياس"، في تصورنا العادي، فإن القياس مثل الكاميرا، يلتقط ما هو موجود، أما في عالم الكم، فعملية القياس تدخل في تكوين النتيجة، لأنه لمعرفة المكان بدقة، لا بد أن أتفاعل وأغير السرعة.

يشبه ذلك، لغرض التقريب، أن ترغب في اختبار طعم قطعة من الحلوى، ولاختبارها يجب أن تتذوقها، ما يعني أنه لاختبارها يجب أن تتفاعل معها، هذا يختلف عن الكاميرا التي تلتقط لها صورة، وتتركها كما هي.

فلسفيًا هذا يخفف فكرة المراقب الذي يقف خارج العالم، ويقربنا من فكرة أن المعرفة ليست فصلًا تامًا بين الذات والموضوع (نحن والواقع المحيط بنا)، بل هناك تداخل بين السؤال والأداة والجواب.

إعلان

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن ما انبثق من نتائج ميكانيكا الكم لا يزال خاضعًا للنقاش العلمي والفلسفي، والنتائج الجديدة تخرج كل يوم، ومن ثم فلا حاجة لنا للحديث بشكل مؤكد عما تقوله ميكانيكا الكم، أو ما لا تقوله.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار