في الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمعلم، فتتوالى عبارات الشكر، وتُرفع الشعارات، وتُقام الفعاليات، ويُقال للمعلم: «أنت صانع الأجيال».

وهي حقيقة لا خلاف عليها.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في هذه المناسبة: هل يكفي أن نكرّم المعلم بالكلمات يومًا واحدًا، بينما يحتاج إلى التقدير والتمكين طوال العام؟

المعلم ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل وينصرف، بل صاحب رسالة تتعامل مع الإنسان في أكثر مراحل عمره حساسية وتأثيرًا. فهو يتعامل يوميًا مع عقول مختلفة، وشخصيات متعددة، وفروق فردية، وتحديات تربوية وتقنية واجتماعية، ثم يُطلب منه في نهاية المطاف أن يحقق نتائج تعليمية وتربوية تليق بطموحات الوطن.

وهنا يجب أن نكون أكثر إنصافًا.

نحن نريد من المعلم أن يكون معلّمًا، ومربيًا، وقدوة، وموجهًا، ومكتشفًا للمواهب، ومستخدمًا للتقنية، ومواكبًا للذكاء الاصطناعي، وشريكًا للأسرة، وفي الوقت نفسه مطالبًا بأعمال وإجراءات قد تستهلك جزءًا من الوقت والجهد الذي يفترض أن يذهب إلى الطالب.

المعلم يحتاج إلى أن نخفف عنه ما يشتته عن مهمته الأساسية: التعليم.

كما أن الحديث عن تطوير التعليم لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن تطوير بيئة المعلم. فالمعلم عندما يجد التدريب النوعي، والوقت الكافي للتخطيط، والأدوات المناسبة، والدعم الإداري، والتقدير المهني، فإنه يكون أكثر قدرة على الإبداع وصناعة الفرق.

وليس المقصود بالتقدير زيادة المزايا المادية فقط، رغم أهميتها، وإنما أيضًا أن يشعر المعلم بأن صوته مسموع، وأن خبرته الميدانية محل ثقة، وأن تجربته اليومية مع الطلاب تؤخذ في الاعتبار عند تطوير القرارات والممارسات التعليمية.

فالقرارات التي تُصنع من أجل الميدان التعليمي تكون أكثر نجاحًا عندما يستمع أصحاب القرار إلى من يعيش تفاصيل هذا الميدان كل يوم.

ومن المهم كذلك أن تعود للمعلم مكانته الاجتماعية التي يستحقها.

فالطالب الذي يرى معلمه قدوة، والأسرة التي تتعامل مع المدرسة باعتبارها شريكًا لا خصمًا، والمجتمع الذي يحترم المعلم؛ جميعها عناصر تصنع بيئة تعليمية أكثر استقرارًا وفاعلية.

وفي المقابل، فإن تحميل المعلم وحده مسؤولية كل تحديات التعليم ليس من الإنصاف.

التعليم مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والجهات التعليمية والمجتمع، والمعلم أحد أهم أضلاع هذه المنظومة، لكنه ليس ضلعها الوحيد.

لقد تغير العالم من حولنا، وتغير الطالب، وتغيرت أدوات المعرفة، ولذلك فإن المعلم اليوم بحاجة إلى تمكين حقيقي يجعله قادرًا على مواكبة هذا التغيير، لا إلى الاكتفاء بالمطالبة منه بمواكبته.

وفي المملكة، ونحن نعيش مرحلة تنموية طموحة تستثمر في الإنسان وتراهن على الأجيال الجديدة، فإن المعلم يمثل نقطة البداية في كثير من هذه الطموحات؛ لأن كل طبيب ومهندس وقائد وباحث وإعلامي ورائد أعمال مرّ يومًا من أمام معلم ترك في حياته أثرًا.

ولهذا فإن الاستثمار في المعلم ليس إنفاقًا على وظيفة، بل استثمار في الإنسان، والإنسان هو الاستثمار الأهم في مستقبل الوطن.

في اليوم العالمي للمعلم، لا نحتاج فقط إلى أن نقول للمعلم: «شكرًا».

بل نحتاج أن نسأله: ماذا تحتاج حتى تؤدي رسالتك بصورة أفضل؟

وعندما يصبح هذا السؤال جزءًا من ثقافة التعليم طوال العام، وليس مجرد سؤال في مناسبة سنوية، عندها تتحول كلمات التقدير إلى ممارسة حقيقية.

فالمعلم لا يحتاج إلى تكريم يوم واحد…

المعلم يحتاج إلى تقدير يراه في واقعه كل يوم.

وكل عام ومعلمي ومعلمات وطننا بخير، وكل عام وهم شركاء حقيقيون في صناعة مستقبل المملكة.