الحياة غير المعاشة
نمضي في الحياة ونحن نظن أن ما تركناه خلفنا قد انتهى. طريق لم نسلكه، رغبة أجلناها طويلاً، موهبة لم تجد وقتها، أو جانب من شخصيتنا لم يجد المساحة ليظهر. نكبر، ننشغل، ونبني حياة قد تكون مستقرة وناجحة، وربما نكون راضين عنها أيضاً، فنعتقد أن كل تلك الاحتمالات أصبحت جزءاً من الماضي.
لكن بعض مالم نعشه لا يبقى هناك. قد يعود إلينا بطريقة لا تشبه الحنين، ولا يأتي دائماً في صورة ندم واضح. أحياناً نشعر به ونحن نرى شخصاً يعيش شيئاً تمنيناه يوماً، أو يختار طريقاً لم نجرؤ على اختياره، أو يمنح نفسه مساحة لم نمنحها لأنفسنا. وقد لا نعرف أصلاً لماذا حرّك فينا كل ذلك.
مع ذلك، ليس كل طريق لم نسلكه يظل عالقاً في داخلنا، فنحن نختار طوال الوقت ونترك خلفنا احتمالات أخرى. بعضها نتركه بوعي ورضا ونمضي، وبعضها يحمل معه شيئاً منا، رغبة حقيقية، قدرة لم تجد فرصتها، أو جزءاً من الذات تعلمنا أن نؤجله حتى اعتدنا غيابه.
اقترب عالم النفس كارل يونغ من هذه الفكرة حين تحدث عن "الحياة غير المعاشة Unlived Life"، فبعض ما لا نعيشه لا يفقد أثره بالضرورة، وقد يظل حاضراً في داخلنا بطرق لا ننتبه إليها. وتحدث يونغ عن أثر ذلك في علاقة الآباء بأبنائهم، إذ رأى أن ما لم يجد له مكاناً في حياة الوالدين قد يمتد أثره إلى أبنائهم. فالأحلام المؤجلة والرغبات التي لم تتحقق قد تؤثر أحياناً في ما نتمناه لأبنائنا، وما نشجعهم عليه، أو حتى ما يصعب علينا تقبله في اختياراتهم. وكأن شيئاً لم نعشه نحن، قد يجد طريقه دون أن ندرك إلى ما نتمناه للآخرين.
ويرتبط بذلك مفهوم "الظل" عند يونغ، وهو ما نضعه بعيداً عن صورتنا الواعية عن أنفسنا. وأحياناً نلتقي بشيء منه في الآخرين قبل أن ننتبه إليه في أنفسنا؛ فننجذب إلى من يعيش بحرية افتقدناها، أو نستغرب شدة انزعاجنا من شخص اختار ما لم نختره نحن. وهذا لا يعني أن كل نقد إسقاط، أو أن كل إعجاب يخفي رغبة مؤجلة، لكنه قد يفتح لنا مساحة لفهم أنفسنا بصورة أعمق.
بعيداً عن المصطلحات، يمكن أن نرى ذلك في تفاصيل أبسط مما نتخيل. في شخص عاش سنوات طويلة وهو يعرف كيف يكون مسؤولاً، لكنه نسي كيف يترك لنفسه مساحة للعب أو العفوية. وفي آخر أحب الكتابة أو الرسم أو الموسيقى، ثم وضعها جانباً لأن الحياة امتلأت بما هو أكثر إلحاحاً. وقد تكون هناك رغبة في المغامرة ظلت مؤجلة، أو تجربة جديدة ظل صاحبها يقول عنها.. ليس الآن.
وفي المقابل، قد يكون شخص آخر منح سنواته للسفر والتجارب والعيش بحرية، ثم اكتشف لاحقاً أن جانباً آخر منه كان يتطلع إلى الاستقرار، أو الدراسة، أو علاقة أكثر عمقاً، أو حياة عائلية لم يمنحها مكاناً من قبل. ولا يتعلق الأمر دائماً بما تركناه دون أن نعيشه، فقد نعيش بعض اختياراتنا الأولى بالطريقة التي عرفناها أو اعتدناها، ثم نكتشف مع الوقت أن ما يشبهنا مختلف قليلاً. وحين تمنحنا الحياة فرصة أخرى، قد نختار هذه المرة من مكان أكثر معرفة بأنفسنا، لا لمحو التجربة الأولى، بل لأننا لم نعد الأشخاص أنفسهم الذين دخلوها.
فالحياة غير المعاشة ليست دائمًا حياة كاملة فاتتنا. أحياناً تكون جزءاً منا لم يأخذ نصيبه من الحياة التي عشناها، جانباً مرحاً في شخصية اعتادت الجدية، فضولاً خفت أمام الانشغال، إبداعاً ظل مؤجلاً، رغبة في الاستقرار لم نلتفت إليها، أو قدرة على التجربة أوقفتها الحسابات والخوف من الخطأ.
والأهم أن اكتشاف هذا الجزء متأخراً لا يعني أن وقته قد انتهى. صحيح أن بعض الطرق لا يمكن العودة إليها، وأن العمر لا يعيد لنا الظروف نفسها، لكننا لسنا مضطرين إلى استعادة الماضي حتى نمنح ما أهملناه فرصة في الحاضر. فمن افتقد المغامرة قد يجد اليوم مساحة للتجربة، ومن غاب عنه اللعب قد يستعيد شيئاً من خفته، ومن ترك إبداعه سنوات قد يعود إليه، ومن اكتشف أن ما ينقصه هو الاستقرار أو التعلم أو علاقة أكثر عمقاً، قد يمنح ذلك مساحة في حياته اليوم.
المقصود ليس أن ننظر إلى أعمارنا باعتبارها قائمة بما فاتنا، ولا أن نشك في كل اختيار اتخذناه. أشياء كثيرة تركناها بوعي ورضا، ومضينا دونها. لكن بعضها يستحق أن نلتفت إليه، خصوصاً حين نشعر أنه ما زال يطرق علينا من مكان ما.
عندها تصبح معرفة ما لم نعشه فرصة للفهم أكثر من كونها بابًا للحسرة. ربما لم تكن الرحلة التي لم نقم بها هي ما نفتقده، بل شعور الاكتشاف الذي كانت ستمنحنا إياه. وربما لم تكن الهواية القديمة هي المقصودة بذاتها، بل مساحة التعبير أو المتعة التي كانت تفتحها لنا. وربما لم يكن الطريق كله هو ما نريده، بل شيء من أنفسنا كان ينتظر أن يجد مكانه فيه.
لعل ما نحتاجه ليس أن نعيش حياة أخرى، بقدر ما نحتاج ألا نترك أجزاءً منا خارج الحياة التي نعيشها الآن. فليس كل ما اكتشفناه متأخراً قد فات أوانه. أحياناً يكفي أن ننتبه إلى جزء ظل ينتظر مساحته، ثم نمنحه مكاناً فيما بقي من الطريق.