في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل ثلاثة قرون لم يكن في هذه الأرض شيء اسمه مجتمع واحد، بلدات متفرقة، وقبائل تتنقل خلف المطر، وأقاليم لكل واحد منها عرفه وحدوده وولاؤه، ولم يكن أحد يتوقع أن كل هذا سيجتمع يومًا تحت علم واحد.
ومع احتفال المملكة بيومها الوطني، يعود السؤال ليطرح نفسه، كيف حدث ذلك؟ وما الذي جمع ما كان متفرقًا؟ والإجابة ليست في حدث واحد ولا في تاريخ بعينه، بل في سلسلة طويلة من التحولات امتدت قرونًا، بعضها جرى في ساحات المعارك، وبعضها في مدارس صغيرة وطرق تُشق بين إقليمين.
يبدأ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، د. فيصل بن سالم الشدقم، من نقطة بعيدة، ويقول لـ"أخبار 24" إننا لو رجعنا بالتاريخ ألف سنة إلى الوراء، قبل قيام الدولة السعودية الأولى، لوجدنا مجتمع الجزيرة العربية مجتمعًا إقليميًا، إقليم الحجاز، وإقليم نجد أو ما يسمى باليمامة، وإقليم البحرين أو العروض، وإقليم تهامة، وفي أقصى الجنوب الغربي إقليم اليمن.
وعاش هذا المجتمع حقبة طويلة دون أن يخضع لوحدة سياسية أو اجتماعية أو أمنية مستقرة، لكن ذلك لا يعني الفوضى الكاملة، فمكة والمدينة كانتا تحظيان باهتمام خاص لقدسيتهما، وفي حواضر مثل الطائف والأحساء كان هناك مجتمع حضري ونوع من الاستقرار.
أما البقية فكانت مدنًا وقرى وشبه قرى وقبائل متنقلة، ومع ذلك، يلفت الشدقم إلى أن هذه المكونات لم تكن منقطعة عن بعضها، فقد جمعتها مصاهرات وائتلافات وتعاون تجاري، وهذه المصاهرات والتعاون التجاري تفسر كيف بقيت خيوط رفيعة تربط هذه الأقاليم ببعضها، حتى في غياب سلطة واحدة تجمعها.
ويتفق معه أستاذ التاريخ السعودي بجامعة الإمام محمد بن سعود، د. ضيف الله بن رازن، في وصف تلك المرحلة، ويصف المجتمع المحلي في نجد خاصة بأنه كان إمارات وبلدات متناحرة، تدور بينها وبين قبائل الجزيرة مشكلات وحروب متعددة.
نقطة التحول جاءت مع قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139 للهجرة، الموافق 1727 للميلاد، ويشرح الشدقم كيف تحولت الدرعية إلى عاصمة، وكيف بدأت البلدان تنضم إليها، فبدأت من العارض، واتسعت بعدها إلى نجد، حتى انتشر خبر الدولة في أرجاء الجزيرة العربية وخارجها.
ويصف الشدقم ما حدث بأنه نقلة نوعية للمجتمع، قادت إلى ترابط أثمر قوة وسيطرة على أغلب شبه الجزيرة، وصارت للدولة تطلعات كبيرة لبناء كيان يربط الأرض بالإنسان. بينما يصف بن رازن أن تلك كانت مرحلة انتقالية بكل معنى الكلمة، انتقل فيها المجتمع إلى وضع أرقى تمثل في الوحدة، وهي وحدة مبكرة لكنها كانت البذرة.
ويرى الشدقم أن الوحدة السياسية هي التي قادت إلى الوحدة الاجتماعية، مرورًا بالدولة السعودية الأولى والثانية، ويلفت إلى أن الدولة الثانية عادت سريعًا بفضل الوحدة الاجتماعية التي كانت قد تشكلت في ظل الوحدة السياسية والاستقرار الأمني.
هنا يدخل مدير مركز بحوث التأسيس والتاريخ الوطني بجامعة الإمام محمد بن سعود، د. زهير الشهري، ، بسؤال أعمق، ما الذي يجعل الناس مجتمعًا واحدًا؟ ويقول إن المجتمع السعودي يجمع أمورًا ثقافية وعادات وتقاليد، منها الدين واللغة والمصالح المشتركة، حتى وإن كانت بدائية في بداية الطريق.
ولكن الجامع الحقيقي في رأيه هو وجود الدولة، أو وجود مصلحة مشتركة في الأمن والعدل والتنمية، وبهذا المعنى، فإن ما جمع الناس لم يكن الدم ولا الجوار وحدهما، بل الحاجة إلى نظام يحفظ الحقوق ويؤمّن الطرق ويفتح باب العيش.
ويحرص الشهري على ألا تُظلم المرحلة السابقة، فالمجتمع حينها كانت له قيمه وعاداته في إطار القبيلة والمجموعة، وكانت هناك مصالح مشتركة زراعية وتنظيمية تحفظ للجميع حقوقهم، وتحفظ التبادل والتفاعل الذي يؤدي إلى حياة كريمة بظروف تلك المرحلة.
في الخامس من شوال عام 1319 للهجرة، الموافق يناير 1902، استرد الملك عبدالعزيز الرياض، ومن تلك اللحظة بدأت 30 عاما يسميها المؤرخون فترة التوحيد.
يقول د. ضيف الله بن رازن إن هذه الفترة شهدت معارك وجهودًا كبيرة قام بها الملك عبدالعزيز لاسترداد ملك آبائه وذلك الإرث العظيم. ويرى أن مراحل تشكل المجتمع السعودي بدأت من استرداد الرياض تحديدًا، بحكم أن أهلها كانوا متشوقين لعودة الحكم السعودي، فبدأوا بتقديم الولاء والطاعة، وانتقل الملك بعدها لاسترداد بقية المناطق حتى اكتمل التوحيد.
ويصف د. فيصل الشدقم تلك الثلاثين عاما بأنها مرحلة وحدة وبناء وتأسيس، كانت فيها البلدات والقبائل تنضم إلى الملك عبدالعزيز سريعًا، حتى تكوّن المجتمع وصار مترابطًا شماله بجنوبه ووسطه بشرقه وغربه.
ويرى بن رازن أن عصر الملك عبدالعزيز شهد تحولًا نوعيًا في المجتمع، فمع التنوع الكبير في تشكيلاته، في وسط شبه الجزيرة العربية في نجد، وفي الشمال والجنوب والشرق والغرب، قامت وحدة وطنية أساسها وجود الأمن.
ويوضح أن المجتمع في تلك الفترة كان متنوعًا في عاداته وتقاليده، لكن مع قيام هذه الوحدة والانتقال إلى عصر الملك عبدالعزيز، تشكلت وحدة وطنية وهوية سعودية لهذا المجتمع المتنوع، فصار مجتمعًا متناغمًا، ودخل مرحلة أخرى بعد توحيد المملكة.
ويقول إن توحيد المملكة عام 1932، وتحوّل اسم الدولة إلى المملكة العربية السعودية، نقل المجتمع إلى مرحلة جديدة، يعدّها مرحلة تطور في التنمية وفي العلاقات الاجتماعية، فمع وجود الأمن، صار أفراد المجتمع بتشكيلتهم المتنوعة في أمان، حتى في طرق الحج وطرق التجارة، وانتقل المجتمع إلى مرحلة فيها صلات اجتماعية أوسع مما كانت عليه، فنشأت علاقات واسعة بين البلدات النجدية وغيرها من أطياف المجتمع.
في عام 1331هـ بدأ الملك عبدالعزيز مشروعًا ضخمًا، توطين البادية وإنشاء الهجر، ويعتبره د. ضيف الله بن رازن من أكبر ما أثّر في تشكيل المجتمع السعودي، لأنه نقل طبقة كبيرة منه وهي القبائل الرُّحل، فنزلت في البلدات والهجر؛ ويلفت إلى أن بعض هذه الهجر صارت اليوم مدنًا عامرة فيها جامعات ومستشفيات وأعداد كبيرة من السكان.
ويقول إن عدد الهجر في عهد الملك عبدالعزيز بلغ نحو 300 هجرة، سكنها عدد كبير من الناس، وشهدت تطورًا واسعًا في التعليم والصحة والزراعة، ويرى في ذلك رؤية وفلسفة واضحة لدى الملك لنقل هذا المجتمع الكبير إلى الاستقرار.
ويوضح د. الشدقم منطق الفكرة كما طرحها الملك عبدالعزيز نفسه، أن الهجر مهمة لاستقرار الإنسان وتعليمه وإيصال الخدمات إليه في مكان ثابت، فأُنشئت هجر كبيرة في نجد تحديدًا، وتبعتها هجر في بقية مناطق المملكة.
أما د. زهير الشهري فيصف توطين البادية بأنه مختبر تاريخي خاص، ويقول إن الملك عبدالعزيز استخدم فيه الحشد الإقناعي والتوجيه نحو المصلحة المشتركة، فأقنع القيادات وزعماء القبائل والمجتمع بأن لديهم مشروعًا جمعيًا، وأن هذا الاستقرار في مصلحتهم، وأنه يأتي مع خدمات من آبار وتعليم وغيرها.
ويضيف أن الكاريزما الملهمة التي تميز بها الملك عبدالعزيز صنعت هذا الأمر، وساندتها خدمات ملموسة من آبار ومدارس وغيرها، وأدى هذا كله إلى تنامي السلوك الاجتماعي، فانطلق الناس نحو العاصمة، أو نحو المصالح التعليمية والعسكرية والتوظيف.
وتنامت الفكرة وتوارثتها الأجيال، وصارت عمليات الاستقرار والتفاعل مع الدولة والشعور بالسلطة المركزية تتسع شيئًا فشيئًا، وكل ذلك دخل في عمليات الاندماج الاجتماعي والوحدة الاجتماعية، بعد أن ارتقى فكر الناس وبدأ تفاعلهم مع الدولة.
ويتوقف د. زهير الشهري عند تفصيلة قد تبدو بسيطة اليوم، لكنها كانت حاسمة وقتها، وهي الطرق، ويقول إن فتح طريق في عهد الملك عبدالعزيز لم يكن بالقيمة نفسها لو فُتح اليوم، فسابقًا حينما تربط الوسط بالحجاز والجنوب والشرق، فإنك تربط الناس ببعضهم، وبدأ المجتمع يتواصل مع نفسه بطريقة شعورية أحيانًا وغير شعورية أحيانًا أخرى، ومن هنا بدأ التفاعل الاجتماعي، وصار هناك اندماج عبر الخدمات.
ويرى الشهري أن الدولة أثّرت في المجتمع تأثيرًا عميقًا، وأن الملك عبدالعزيز كان نموذجًا في ذلك، مستندًا إلى تجربة الدولتين السعوديتين الأولى والثانية؛ ويشرح أن مجرد وجود فكرة جامعة أدى إلى بناء ذهني جديد لدى المجتمع، وأن هناك عوامل مشتركة يجب أن تتفاعل في ظل هذه الدولة وقيمها.
حينها بدأ يسري في ذهن الناس ومشاعرهم أن هناك وحدة قادمة، وصار توطين البادية في نظرهم جزءًا من هذا البناء الاجتماعي والربط القائم في الدولة.
ويشير الشدقم إلى ما تلا ذلك من اكتشاف النفط وما صاحبه من ثورة ونهضة، ويقول إن الملك عبدالعزيز اتجه بعدها إلى بناء الإنسان وبناء الوطن معًا.
مع أواخر عهد الملك عبدالعزيز، وتحديدًا في الستينات الهجرية، يرصد د. ضيف الله بن رازن نشاطًا واسعًا في الإدارة والمؤسسات الإدارية، وشارك كثير من الأهالي في أعمال الدولة، فكان ذلك سبيلًا آخر للنشاط المجتمعي.
ويقول إن الملك عبدالعزيز كان حريصًا بعد التوحيد وظهور النفط على صرف أموال ضخمة في الصحة والتعليم والبرق والاتصالات والمواصلات والإدارة، أما التعليم فقد بدأ من الكتاتيب، لكن التعليم النظامي انطلق في مرحلة مبكرة لدعم المجتمع ورفع قيمته وثقافته.
ويضيف بن رازن أن ظهور المؤسسات دفع كثيرًا من أفراد المجتمع إلى الانتقال إلى بلدات أخرى، سواء للعمل أو للتعليم أو لمجالات التجارة وغيرها.
وهكذا صار كل مجتمع صغير ينتقل بثقافته المحلية المحدودة إلى مجتمع آخر، ومن هذا المنطلق تشكلت هوية واسعة، هي الهوية الوطنية التي تجمع اليوم أطياف المجتمع السعودي في وحدة متناغمة.
يرى د. زهير الشهري أن تعليم البنات يمثل قيمة من قيم الدولة السعودية، التحديث بحكمة ومرونة وتكيف، ويشرح أن الدولة كانت تسبق الحدث في رؤيتها وتطبيقاتها العملية، لأن المرأة نصف المجتمع ولا بد أن تتعلم.
ويقول إن النقاش حول الأمر جرى في إطار حكم راشد يُقنع ولا يفرض، يُشعر الناس برغبته في مصلحة المجتمع، ويُشعرهم أن هناك ثقة بين الحاكم والمحكوم، وهذا في رأيه هو الأساس.
ولكن الطريق لم يكن قفزة واحدة، يقول الشهري إن الملك عمل على الإقناع والتدرج في التنفيذ ومخاطبة المجتمع والإنصات إليه، والشعور بما لديه من تحفظات، فنشأت علاقة قوامها الثقة، وانتهت بتغيير تدريجي، وافتُتحت المدارس خاصة في الرياض والحجاز.
ويرى الشهري أن ما جرى في هذا الملف يكشف أسلوب الدولة في التعامل مع التغيير عمومًا، لا فرض مفاجئ، ولا تراجع أمام التحفظات، بل حوار يفضي إلى قناعة.
ويستشهد على ذلك بافتتاح جامعة خاصة للبنات في عهد الملك عبدالله، هي جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وتُعد أكبر جامعة للنساء في العالم.
ويضيف الشهري أن الثقة بين الحاكم والمحكوم تنامت بعد ذلك أكثر في عمليات التحديث والتغيير، وصارت تجري بمرونة وكفاءة.
ويختم د. زهير الشهري بقراءة للحاضر، ويرى أن المجتمع السعودي بعد عصر تمكين المرأة يمر بمراحل تغير كبيرة جدًا، لكنه يملك القدرات والإمكانات للتفاعل معها، ويقول إن المكونات الداعمة للمجتمع السعودي اجتمعت من تعليم وابتعاث، وإن المجتمع مواكب لأي تطور حديث.
ويصف المشهد بأن هناك سلطة دولة مركزية قادرة على إدارة البلد بالاتجاهات الحديثة، وهناك مجتمع يتفاعل معها، ويرجع ذلك إلى أن الثقة التي تكوّنت سابقًا انتقلت بظروفها إلى المرحلة الحالية.
ويلفت الشهري إلى أن المجتمع لا تعطله انقسامات داخلية ولا تعددية معطلة ولا أفكار تشده إلى الخلف، وهو ما يجعله في رأيه قادرًا على مواكبة أي تطور حديث، مضيفا أن المستقبل أمام هذا المجتمع بجميع المقومات اللازمة، وأن كل المؤشرات تؤكد التفاعل بين الدولة والمجتمع.
المصدر:
أخبار ٢٤