تواجه المقاهي الجديدة خلال عامها الأول مجموعة من المخاطر التشغيلية والمالية، تبدأ من غياب دراسة جدوى دقيقة واحتساب التكاليف، وتمتد إلى تراكم الرسوم والمخالفات، وصولًا إلى المنافسة الشديدة واستنزاف السيولة اللازمة لتطوير المنتج والتسويق، فيما يبرز تقليد المشاريع الرائجة والانخداع بهوامش الربح المرتفعة بين أبرز أسباب التعثر.
وقال الرئيس السابق للجنة المطاعم والمقاهي في غرفة الأحساء صلاح المغلوث لـ«الوطن»، إن أبرز أسباب الإغلاق تتمثل في عدم وجود دراسة أو موازنة تقديرية تحسب التكاليف التشغيلية، بما فيها المشتريات والإيجارات والمصروفات النثرية والرواتب، إلى جانب تراكم الرسوم الحكومية والمخالفات، وعدم القدرة على سدادها، فضلًا عن شدة المنافسة وعدم توافر الملاءة المالية اللازمة للتطوير المستمر للمنتج والديكور والتسويق.
هوية مكررة
وأوضح أن حجم المشكلة يختلف بين المدن بحسب الكثافة السكانية وقيمة الإيجارات وحجم المنشأة، إلا أن التحديات الأساسية متقاربة، مشيرًا إلى أن سوق المقاهي في الأحساء يعاني تكرار النماذج الاستثمارية وغياب الهوية المنفردة لدى عدد من المشاريع.
وبيّن أن الموقع يمثل عاملًا مهمًا، خصوصًا في ما يتعلق بالكثافة السكانية وسهولة الوصول والوجود على شارع رئيسي، لكنه لا يستطيع بمفرده إنقاذ مشروع لا يستند إلى دراسة جدوى حقيقية.
وأشار إلى أن أحد الأخطاء المتكررة قبل الافتتاح يتمثل في بناء الفكرة على نجاح مشروع آخر وتقليده، سواء في المشروبات أو الديكور أو طبيعة التجربة، دون دراسة تفصيلية للتكاليف والسوق والعملاء. واعتبر أن بناء هوية واضحة والعمل عليها تسويقيًا وإداريًا لفترة طويلة هو ما يحول المشروع إلى علامة تجارية قابلة للاستمرار.
مؤشرات الخطر
وحدد المغلوث مؤشرات مالية وتشغيلية تستدعي التدخل المبكر، أبرزها تراجع جودة المنتج، وزيادة شكاوى العملاء، وتراكم الديون الخارجية، وصعوبة الوفاء بالمصروفات التشغيلية الدورية.
ونصح أصحاب المشاريع الجديدة خلال الأشهر الستة الأولى بالاحتفاظ باحتياطي يتراوح بين 10 % و20 % للمصروفات غير المتوقعة، إلى جانب توفير احتياطي للرواتب، والتعامل مع المشتريات بصورة مدروسة للحد من الهدر.
وحذر من أن سوء إدارة الموظفين والباريستا قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وفقدان الكفاءات وزيادة الاستقالات، بما ينعكس على تجربة العميل وسمعة المقهى، مؤكدًا أهمية وجود نظام عمل يحفظ حقوق العاملين ويحفزهم.
وفي تقييمه للعلاقة بين جودة المنتج والمظهر، قال إن المعادلة التي يراها في المقاهي تقوم على «50 % جودة و50 % شكل»، محذرًا في الوقت نفسه من اعتبار هوامش الربح المرتفعة في القطاع مؤشرًا كافيًا على جدوى الاستثمار.
تشبع السوق
ويرى المغلوث أن من أبرز علامات تشبع المنطقة بفكرة المقاهي ارتفاع عدد المشاريع المتشابهة وظهور ما وصفه بـ«ظاهرة التقليد»، معتبرًا أن فقدان العميل اهتمامه بالمقهى بعد فترة قصيرة قد يرتبط بالفكرة نفسها أكثر من ارتباطه بالتسويق.
وأشار إلى أن نجاح بعض المقاهي المرتبطة بالتجمعات والفعاليات أو حضور المشاهير لا يمثل بالضرورة معيارًا دائمًا للاستدامة، لأن بعض هذه العوامل يرتبط بمواسم أو مناسبات أو ظروف مؤقتة، بينما تبقى جودة القهوة والخدمة والسعر من العوامل الأساسية في تقييم العميل للمقهى.
متى يتوقف المشروع؟
ويرى المغلوث أن اللحظة التي ينبغي عندها على صاحب المشروع إعادة تقييم استمراره هي وصوله إلى مرحلة الهدر المالي وفقدان السيطرة على الإدارة المالية، لافتًا إلى أن تعدد الشركاء بصورة مبالغ فيها، واختلاف قراراتهم، وعدم الوفاء بالالتزامات، من العوامل التي قد تدفع المشروع إلى الإغلاق. وبحسب تقديره، فإن إنقاذ المقهى المتعثر يبدأ بمراجعة الأخطاء وتحديد مصادر الخلل، ثم وضع حلول قابلة للتنفيذ تستند إلى دراسة جدوى شاملة. وتعكس هذه الأوزان اتساع مساحة الأنشطة غير النفطية داخل الناتج، إذ أصبحت التجارة والصناعة والتشييد إلى جانب الخدمات من أبرز المكونات التي تشكل الاقتصاد بعيدًا عن النشاط النفطي.