تشهد المملكة حراكاً رقابياً صارماً تقوده هيئة التأمين لإعادة الانضباط إلى سوق تأمين المركبات، بعد موجة صعود في أسعار الوثائق. وتأتي هذه الخطوة استجابة لشكاوى المستهلكين من غياب الإنصاف، بهدف إلزام القطاع بتقديم تسعير عادل، ويضمن حقوق أصحاب السجلات الآمنة من الحوادث.
وشهد سوق تأمين المركبات في المملكة خلال عام 2025 أداء لافتا رسخ مكانته كأحد المحركات الرئيسية لنمو قطاع التأمين الإجمالي وحل ثانيا خلف التأمين الصحي في الاستحواذ على معظم الزيادة المحققة في السوق وساهم هذا النشاط بنحو 1.7 مليار ريال وهو ما يعادل 21% من إجمالي نمو القطاع.
وجاء هذا التوسع مدفوعا باتساع رقعة الطلب وزيادة أعداد المركبات المشمولة بالتغطية التأمينية في مختلف مناطق المملكة
قفزة الأقساط المكتتبة
كشفت القراءة التحليلية للبيانات المالية السنوية عن ارتفاع الأقساط المكتتبة لتأمين المركبات من 13.9 مليار ريال في عام 2024 إلى 15.6 مليار ريال في عام 2025 محققة نسبة نمو سنوي تقارب 12.2%.
وفي المقابل ارتفع إجمالي عدد المركبات المؤمن عليها من 10.3 ملايين مركبة إلى 11 مليون مركبة بنسبة زيادة بلغت 6.8%. ويشير تفوق معدل نمو الأقساط المكتتبة مقارنة بمعدل نمو أعداد السيارات إلى صعود محتمل في متوسط قيمة قسط التأمين أو تغير في مزيج الوثائق وإدارة المخاطر حيث شهد السوق دخول نحو 700 ألف مركبة جديدة قابله ارتفاع مالي قدره 1.7 مليار ريال نتيجة تأثيرات مباشرة لأسعار الوثائق وقيم المركبات وكلفة قطع الغيار وتوسع التغطيات المتاحة.
ضغوط المطالبات
لم ينعكس هذا التوسع الملحوظ في حجم الأعمال على ربحية الاكتتاب لدى الشركات بالمستوى المتوقع نتيجة تصاعد كلفة التعويضات والمصاريف، حيث صعد معدل المطالبات من 70.4% في عام 2024 إلى 84% في عام 2025، وتزامن ذلك مع ارتفاع معدل المصاريف الإدارية والتشغيلية من 16% إلى 22.3%.
ويعني اجتماع هذين المؤشرين تقلص الهامش الربحي المتاح لشركات التأمين ما يضع القطاع أمام ضرورة ملحة لتطوير آليات التسعير وتحسين إدارة المخاطر وتسريع تسوية التعويضات وضبط النفقات دون المساس بجودة الخدمة.
مؤشر الشكاوى يبرز فجوة في تجربة العملاء
على صعيد رعاية العملاء تلقت هيئة التأمين نحو 440 ألف شكوى شملت مختلف الأنشطة التأمينية خلال عام 2025، وتصاعد المنحنى الشهري للشكاوى بشكل ملحوظ ليرتفع من 26 ألف شكوى في يناير إلى 44 ألف شكوى في ديسمبر بنسبة زيادة تقارب 69%، وسجل تأمين المركبات الكثافة الأعلى بين الأنشطة بمعدل 12.4 شكوى لكل 10 آلاف وثيقة تأمينية صادرة وهو ما يستدعي تحليلا أعمق لنشر أسباب هذه الشكاوى ونسب معالجتها والمدد الزمنية لإغلاقها للتمييز بين النمو الطبيعي للمحفظة والمشكلات التشغيلية المرتبطة بالتسعير وآليات التعويض والتواصل.
تساؤلات حول عدالة وإنصاف التسعير
تزامنا مع تصاعد الشكاوى بدأت هيئة التأمين مراجعة شاملة لآليات تسعير منتجات تأمين المركبات للتحقق من التزام الشركات بالضوابط المعتمدة وضمان تقديم أسعار عادلة تعزز المنافسة الحقيقية في السوق.
ورصد مستهلكون فروقا لافتة بين العروض وارتفاعا في الأقساط رغم خلو سجلاتهم من الحوادث والمطالبات وسط مطالبات بزيادة الشفافية في عوامل التسعير وتفعيل الخصومات الممنوحة للسجلات الآمنة.
كما أثار عملاء آخرون تساؤلات حول احتساب الحوادث التي لا يتسبب فيها المؤمن له بعد مواجهة ارتفاعات في الأقساط بلغت 70% عقب حوادث كانت المسؤولية فيها كاملة على الطرف الآخر، إضافة إلى ملاحظات حول كلفة تأمين المركبات الاقتصادية مقارنة بالفارهة وانخفاض القيمة التقديرية لبعض السيارات في التأمين الشامل عن قيمتها السوقية الفعلية وتأثير ذلك على تسوية حالات الهلاك الكلي.
الشفافية أساس استعادة الثقة
يربط أخصائي حماية المستهلك طارق عبدالعزيز اختلاف الأسعار بعمر السائق وسجله التأميني ونوع المركبة وتكاليف إصلاحها ومعدلات المطالبات والخسائر، مع ضرورة شرح أثر كل عامل وإتاحة الاعتراض على البيانات غير الدقيقة.
وينصح مسؤول السلامة عادل سالم بمقارنة عروض متطابقة في التغطيات والمنافع ونسبة التحمل، ثم الشكوى إلى الشركة والتصعيد إلى الهيئة عند عدم المعالجة، وإرفاق العروض ورقم الوثيقة والردود.
توضيحات شركات التأمين حول آلية التسعير
من جانبهم، يرى مشرفون في شركات التأمين بجدة تحدثوا لـ"الوطن"، أن السعر العادل لا بد أن يستند إلى بيانات موثوقة وحسابات اكتوارية دقيقة ترتبط مباشرة بحجم الخطر والتعويضات المتوقعة بعيداً عن أي زيادات يصعب تبريرها فنياً.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه المستهلكون أن تسفر مراجعة هيئة التأمين عن تطبيق فعلي لخصومات عدم وجود مطالبات وعدم معاقبة السائق غير المتسبب في الحادث، فإن مسؤولي الشركات يؤكدون أن بدء هذه المراجعة لا يعني بالضرورة ثبوت مخالفات نظامية أو اتجاهاً مؤكداً نحو خفض شامل للأسعار، بل قد تقود النتائج إلى خفض أسعار معينة إذا ثبتت المبالغة فيها أو إبقاء أسعار أخرى كما هي وربما تعديل أسعار الحالات التصنيفية الأعلى خطراً خصوصاً وأن إعلان الهيئة لم يحسم حتى الآن نطاق المنتجات المشمولة بالتفصيل أو يحدد موعداً لظهور النتائج والعقوبات المحتملة.
وفي سياق التعامل مع الأسعار الحالية يقدم مسؤول السلامة عادل سالم نصيحة للعملاء الذين يرون أن الأسعار مبالغ فيها بضرورة طلب توضيح رسمي من الشركة أولاً ومقارنة العروض بدقة من حيث تطابق التغطيات والمنافع ونسبة التحمل ومن ثم تقديم شكوى رسمية إلى الشركة نفسها، وفي حال عدم معالجتها يتم رفعها مباشرة إلى هيئة التأمين مع إرفاق كافة العروض ورقم الوثيقة والردود ذات الصلة.
كما جدد التأكيد على أن خلو السجل من المطالبات يسهم فعلياً في خفض السعر، لكن نسبة الخصم تختلف بحسب الضوابط والمدة الزمنية ونوع الوثيقة، مؤكداً أن نجاح واستقرار سوق التأمين في نهاية المطاف يبقى مرهوناً بتحقيق معادلة التوازن بين نمو القطاع وربحية الشركات وعدالة السعر وشفافية احتسابه للمستهلك.