تكتسب زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى العاصمة الفرنسية باريس أبعاداً استراتيجية تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، لتؤسس لنموذج شراكة اقتصادية متكاملة تقودها الطموحات المشتركة بين الرياض وباريس نحو المستقبل. وفي هذا السياق، جاء انطلاق أعمال اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي السعودي للاستثمار بمثابة منصة حيوية جمعت صناع القرار الاستثماري وقادة قطاع الأعمال من البلدين، في خطوة عملية تهدف إلى ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشاريع تنموية ملموسة تعزز المشهد الاستثماري المشترك.
وقد شكلت الكلمة التي ألقاها وزير الاستثمار فهد السيف، خلال الاجتماع محوراً رئيسياً لتقييم عمق هذه الشراكة، حيث كشف عن تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في المملكة حاجز 16.3 مليار يورو، لترسخ جمهورية فرنسا بذلك مكانتها المتقدمة في المرتبة الرابعة ضمن قائمة أكبر الدول المصدرة للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الأسواق السعودية.
وأوضح السيف أن هذا التدفق المالي الضخم يعكس بشكل جلي متانة الاقتصاد السعودي وقدرته العالية على توفير بيئة تشريعية وتنظيمية مستقرة وجاذبة تمنح الشركات العالمية مساراً آمناً ومستداماً للنمو والتوسع، مؤكداً أن حيوية السوق السعودية باتت تفتح آفاقاً غير مسبوقة أمام قطاع الأعمال الفرنسي للاستفادة من الفرص النوعية المتاحة.
وفي مؤشر واضح على تنامي الوجود الاستثماري الفرنسي في البيئة المحلية، أشار وزير الاستثمار إلى أن عدد الرخص الاستثمارية الممنوحة للشركات الفرنسية داخل المملكة وصل إلى 650 رخصة، حيث يتصدر قطاع النفط والغاز قائمة القطاعات الحيوية المرشحة للاستفادة القصوى من تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير آليات التعاون المشترك. ولا تقتصر هذه الطموحات على مجالات الطاقة التقليدية، بل تتعداها لتشمل مناقشات موسعة حول بناء شراكات استراتيجية في قطاعات نوعية تتماشى مع مستهدفات الرؤية التنموية للمملكة، ومن أبرزها تطوير الشراكات الصناعية المتقدمة، وتحديث منظومة النقل والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى ضخ استثمارات مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية التي تشكل عصب الاقتصاد الحديث.
وتأكيداً لجدية هذه التفاهمات، يتوقع أن تفوق القيمة الإجمالية للاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي جرى توقيعها بالتزامن مع أعمال هذا الاجتماع تفوق حاجز العشرة مليارات دولار، وهو ما يمثل قفزة نوعية في حجم التعاون الاستثماري المباشر بين الجانبين، ويسهم في تحويل الفرص الواعدة إلى مشروعات حقيقية تحقق المصالح الاقتصادية المشتركة وتدعم خطط التحول والاصلاح الاقتصادي الشامل التي تشهدها السعودية.
ولم تكن هذه النتائج الاقتصادية بمعزل عن الدعم السياسي الكبير الذي تحظى به العلاقات بين البلدين، وهو ما تجسد في الترحيب الرفيع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد عبر حسابه على منصة "إكس" أن زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تمثل خطوة بالغة الأهمية والدلالة في هذا التوقيت.
وشدد ماكرون على أن فرنسا والمملكة العربية السعودية لطالما كانتا صوتاً يدعو إلى السلام والاستقرار في مواجهة التحديات والأزمات المعقدة التي تشهدها المنطقة، مؤكداً التزام البلدين بمواصلة الحوار الاستراتيجي والبناء في هذا الاتجاه لضمان تحقيق الأمن والتنمية المستدامة للشعبين الصديقين.