آخر الأخبار

الذرّة بشروط سعودية.. كيف يلتقي أكبر اتفاق نووي مع أقوى أداة توطين في يد رجل واحد؟ | سبق

شارك
في أقل من ثلاثة أسابيع، اجتمع في يد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، ملفان يبدوان للوهلة الأولى منفصلين: توقيعه — أواخر يوليو — اتفاقية التعاون النووي السلمي التاريخية مع الولايات المتحدة («اتفاقية 123»)، ثم صدور الأمر الملكي هذا الأسبوع بتعيينه رئيساً لمجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية. وبقراءة تحليلية، يشكّل الملفان معاً معماراً واحداً مكتمل الأركان: بناء صناعة نووية سعودية لا تُشترى من الخارج فحسب، بل تُصنع وتوطَّن في الداخل . الملف الأول: أضخم شراكة نووية مدنية فالاتفاقية التي وقعها سموه مع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت — مع اتفاقية ضمانات ثنائية مرافقة — تؤسس، بحسب وزارة الطاقة الأمريكية والتغطيات الدولية، لشراكة تمتد ثلاثين عاماً بمليارات الدولارات، تتصدر فيها الشركات الأمريكية تطوير البنية النووية السعودية، وتتضمن دراسة أمريكية-سعودية مشتركة لعامين حول جدوى إنشاء منشأة تخصيب على الأراضي السعودية — بعدما ثبتت الرياض موقفها التفاوضي بعدم قبول التخلي المسبق عن حقها في التخصيب. الملف الثاني: أداة التوطين الأقوى أما هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية فهي الذراع التي تحوّل الإنفاق الحكومي — وأضخم بنوده مشاريع الطاقة والبنية التحتية — إلى صناعة وتوظيف محليين، عبر اشتراطات المحتوى المحلي في العقود الكبرى. وقد راكم قطاع الطاقة تحت قيادة سموه أنجح تجارب هذا النهج في توطين سلاسل إمداد التقليدية والمتجددة. حين يلتقي الملفان وهنا مربط القراءة: مشروع نووي مدني بحجم ثلاثة عقود ومليارات الدولارات هو، قبل أي شيء، أكبر «مشتريات» مقبلة في الاقتصاد السعودي — مفاعلات ومكوناتها الدقيقة، وأعمال إنشاء ومقاولات عملاقة، وسلاسل إمداد وصيانة وتشغيل تمتد عقوداً، وكوادر هندسية وفنية بالآلاف. واجتماع توقيع الاتفاق ورئاسة هيئة التوطين في يد واحدة يضمن أن تولد الصناعة النووية السعودية بمحتوى محلي من يومها الأول — لا أن تُبنى بالكامل بأيادٍ وسلاسل خارجية ثم يبدأ التوطين متأخراً كما جرى في تجارب دول أخرى سبقت إلى النووي ثم ظلت مستوردةً لكل مسمار فيه. أرضية جاهزة.. لا بداية من الصفر وما يقوّي هذه القراءة أن المملكة لا تدخل الملف النووي خالية اليدين؛ فمدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة تقود منذ سنوات البرنامج الوطني للطاقة الذرية، بخططه المعلنة لبناء أولى المحطات النووية الكبرى وبرامجه لتأهيل الكوادر السعودية المتخصصة، فيما توفر منظومة الرقابة النووية والإشعاعية الإطار التنظيمي القائم. والأهم: أن وصفة التوطين نفسها مجرّبة ومثبتة النجاح في قطاع الطاقة تحديداً — من برنامج «اكتفاء» الذي رفع مستهدفات المحتوى المحلي في سلاسل إمداد أرامكو السعودية إلى نحو 70%، إلى اشتراطات التصنيع المحلي في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي أنبتت مصانع سعودية لمكونات كانت تُستورد بالكامل قبل أعوام. تكرار المعادلة ذاتها في الذرّة ليس قفزة في المجهول؛ بل تطبيق ثالث لنموذج نجح مرتين. ماذا يعني ذلك للاقتصاد والمواطن؟ عملياً، تعني هذه الهندسة — إن مضت على نسقها — أن العقد النووي المقبل لن يكون بند استيراد ضخماً في الميزانية، بل رافعة صناعية مركبة: مصانع مكونات ومعدات تنشأ داخل المملكة، وشركات مقاولات وطنية ترتقي إلى تعقيد الإنشاءات النووية، وجيل من المهندسين والفنيين السعوديين في تخصص يُعد قمة هرم الصناعات الدقيقة، وقيمة مضافة تبقى في الداخل على امتداد ثلاثين عاماً من عمر الشراكة. وهو عين المنطق الذي تقوم عليه رؤية 2030: تحويل كل إنفاق كبير إلى صناعة باقية. اختبارات الطريق ولا تخلو الطريق من اختبارات تحدد سرعة المسار: فالاتفاقية تمضي في مسارها المؤسسي داخل الولايات المتحدة حيث تخضع اتفاقيات «123» تقليدياً لمراجعة الكونغرس ونقاشاته، كما أن ملف التخصيب مرهون بنتائج الدراسة المشتركة الممتدة عامين — وكلاهما عامل توقيت لا عامل اتجاه؛ فالوجهة المعلنة من الطرفين شراكةٌ طويلة، والسؤال المفتوح هو إيقاعها لا مصيرها. ويبقى هذا الربط قراءة تحليلية تستند إلى تجاور الملفين ومنطق رؤية 2030 في التوطين، دون إعلان رسمي يصل بينهما — غير أن ما هو مؤكد أن العقد النووي السعودي المقبل سيُدار بعينين: عين على الذرّة، وعين على «صُنع في السعودية».
سبق المصدر: سبق
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا