آخر الأخبار

ما الجامعة التي نريدها.. نحو رؤية سعودية للجامعة القادمة

شارك
القارئ للحراك الأكاديمي في الأسابيع الماضية يلحظ أن أكثر ما يكتب عن الجامعات يدور في ثلاثة مسارات مألوفة: دفاع عن تخصص، أو نقد قرار إداري، أو حديث عام عن المواءمة وسوق العمل. أما بعض ما يصدر عن الجامعات نفسها، فيأتي غالبا بين تراجع عن قرار لم يشرح بما يكفي، أو تفاخر بخطوات تبدو أقرب إلى تهدئة الرأي العام من تقديم تصور عميق لشكل الجامعة القادمة.

ولا أقلل هنا من أهمية النقاش حول التخصصات والبرامج والدمج والإغلاق؛ فهذه قضايا مؤثرة في الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والمجتمع. لكن الاكتفاء بها يجعل النقاش يدور حول أطراف المسألة لا أصلها؛ لأن السؤال الأهم ليس: أي تخصص يبقى؟ وأي كلية تدمج؟ بل: ما الجامعة التي نريدها أصلا؟

تحولات متسارعة


هذا السؤال لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة تفرضها تحولات متسارعة في المعرفة والعمل والتقنية. وقد كشفت قراءات حديثة في مستقبل التعليم العالي أن الجامعات عالميا لا تواجه أزمة تخصصات بقدر ما تواجه سؤال الوظيفة: ما الذي ينبغي أن تبقى عليه الجامعة؟ وما الذي يجب أن يتغير فيها؟ فالتعليم العالي يدخل مرحلة إعادة تعريف، لا مرحلة تحسينات جزئية.

فالجامعة في صورتها التقليدية قامت على ثلاث وظائف معروفة: إعداد الخريجين، وإنتاج البحث العلمي، وخدمة المجتمع. لكن الإشكال لم يكن في هذه الوظائف نفسها، بل في الطريقة التي مورست بها.

فإعداد الخريجين ظل في كثير من الأحيان قائما على منطق الإنهاء؛ يُفتح البرنامج، ويدرس الطالب سنواته، ثم يتخرج، وتنتهي العلاقة، وكأن وظيفة الجامعة تنتهي عند تسليم الشهادة. وكانت الشهادة تُعامل بوصفها غاية مكتملة، مع أن الواقع يتجه اليوم إلى معيار آخر هو الكفاءة. فلم يعد السؤال الأهم: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل بما درست؟

الخلل الأكبر

أما البحث العلمي، فقد تحول في كثير من ممارساته إلى نشاط ينتهي بالنشر، أو مطلب للترقية، أكثر من كونه أداة لتطوير الواقع، أو حل المشكلات، أو بناء السياسات، أو تحسين الأداء في مؤسسات الدولة.

وفي جانب خدمة المجتمع، ضاق المفهوم كثيرا حتى اختزل أحيانا في دورة تدريبية، أو محاضرة عامة، أو مبادرة عابرة، مع أن خدمة المجتمع في معناها الحقيقي وظيفة معرفية تسخر فيها الجامعة خبراتها وبحوثها وعقولها لمعالجة قضايا المجتمع، وتحسين مؤسساته، ورفع كفاءة قطاعاته.

وهنا يظهر الخلل الأكبر: عزلة الجامعة عن القطاعات. ففي كثير من الأحيان، تعمل الجامعة في مسار، وتعمل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في مسار آخر، بينما الأصل أن تكون الجامعة ذراعا علمية مساندة لهذه القطاعات، لا مؤسسة تعمل بعيدا عنها. وهذا الخلل ليس تنظيميا فقط، بل بنيوي؛ لأن الجامعة التي تنفصل عن حاجات الواقع ستنتج معرفة قد تكون صحيحة، لكنها محدودة الأثر.

ولهذا ينبغي أن يتغير معيار الحكم على الجامعة؛ فهي لا تُقاس بعدد تخصصاتها، ولا بعدد أبحاثها، ولا بعدد خريجيها، بل بمقدار ما تحوله من معرفة إلى قيمة وطنية، ومن بحث إلى حل، ومن تعليم إلى كفاءة، ومن خبرة إلى تطوير.

ومن هذه النقطة تبدأ الرؤية.

مشروع وطني

فالجامعة السعودية القادمة يجب ألا تبقى مؤسسة تعليمية وبحثية بالمعنى الضيق، بل تتحول إلى شريك مؤسسي في التنمية الوطنية؛ يربط التعليم بالاحتياج، والبحث بالتطوير، والخريج بالكفاءة، والمعرفة بالحلول.

وهذا ليس طرحا زائدا، بل مقتضى المرحلة؛ فرؤية السعودية 2030 جعلت تطوير التعليم العالي وتقليص الفجوة بين مخرجاته ومتطلبات سوق العمل جزءا من مشروع وطني واسع، كما نصت على مستهدف وجود خمس جامعات سعودية على الأقل ضمن أفضل 200 جامعة عالميا بحلول عام 2030.

لكن هذه الرؤية لن تتحقق بفتح تخصصات جديدة، أو إغلاق أخرى، أو دمج بعض الكليات؛ فهذا جزء من الصورة، لا الصورة كلها. ما نحتاجه هو إعادة بناء وظيفة الجامعة نفسها عبر نقلات مؤسسية واضحة.

أولى هذه النقلات أن يُعاد تعريف دور الكليات بحسب القضايا والقطاعات التي تستطيع خدمتها، لا بحسب التخصصات التي تدرّسها فقط. ولا يعني ذلك أن تفقد الكليات هويتها العلمية، بل أن تتسع هذه الهوية لتصبح أكثر اتصالا بحاجات الدولة.

تجميع الأولويات

ولنأخذ مثالا يوضح الفكرة: الإدارة لا تُقرأ بوصفها تخصصا جامعيا فقط، بل مدخل لرفع كفاءة الجهاز الحكومي وتحسين القرار والإجراءات. وهذا المنطق نفسه يسري على غيرها؛ فالتربية تمتد من إعداد المعلم إلى قيادة تطوير المناهج والتقويم ونماذج التعلم، والصحة تتصل بالصحة الرقمية والوقاية وجودة الرعاية، والحاسب يشارك في بناء الأدوات والنماذج الوطنية، واللغة العربية تدخل مستقبل النماذج اللغوية وصناعة المعرفة، والشريعة والعلوم الإنسانية تمنح التحولات التقنية إطارها القيمي والأخلاقي والإنساني.

والنقلة الثانية أن ينتقل البحث العلمي من النشر إلى الحل؛ بحيث لا يبدأ من سؤال: ماذا ننشر؟ بل من سؤال: ماذا نحل؟ وهذا يتطلب بناء محافظ بحثية وطنية؛ والمقصود بها تجميع الأولويات البحثية حول قضايا محددة وقطاعات واضحة، بحيث تُدار بحوكمة واحدة، وتُقاس بنتائجها لا بعدد أوراقها.

أما النقلة الثالثة فهي نقل خدمة المجتمع من النشاط إلى الشراكة؛ بحيث لا تكون العلاقة مع المجتمع قائمة على مبادرات متفرقة، بل على شراكات تطويرية مستمرة، تكون الجامعة فيها جزءا من الحل، لا مقدما لخدمة عابرة.

وتتصل بذلك نقلة رابعة، وهي نقل العلاقة مع الخريج من الانقطاع إلى الاستمرار؛ فالجامعة لا ينبغي أن تنهي علاقتها بالطالب يوم تخرجه، بل تبقى مرجعه المهني والمعرفي، يعود إليها لتنمية مهاراته، وتحديث أدواته، وتطوير معارفه. وبهذا تتحول الجامعة من مرحلة زمنية في حياة الإنسان إلى شريك معرفي دائم.

البيانات والأدوات

ولا تكتمل هذه الرؤية من غير إعادة تعريف موقع الطالب نفسه. فالطالب في الجامعة القادمة لا ينبغي أن يبقى متلقيا للمعرفة، ولا عابرا مؤقتا ينتهي حضوره بالتخرج، بل شريك في إنتاج المعرفة، وحل المشكلات، وبناء المشروعات، وتنمية مهاراته طوال حياته. وحين ترتبط الجامعة بطالبها وخريجها بهذا المعنى، فإنها لا تقدم خدمة إضافية، بل تعترف بأن التعلم لم يعد مرحلة عمرية، وإنما مسار مستمر.

وتحتاج هذه الرؤية أيضا إلى بناء وحدات ارتباط قطاعي داخل الجامعات، ترتبط بوزارات وهيئات ومؤسسات محددة. وهذه الوحدات ليست مكاتب تنسيق، بل أذرع ميدانية تتولى نقل الاحتياج من القطاع إلى البحث، ونقل المعرفة من الجامعة إلى التطبيق.

أما النقلة السادسة فتتعلق بالبيانات والأدوات والمعرفة؛ فالذكاء الاصطناعي ليس موضوع المقال، لكنه المتغير الأكبر الذي كشف أن الجامعة لا تستطيع أن تبقى مستخدمة لأدوات الآخرين، ومعتمدة على نماذج لا تملكها، ومفرّطة في بيانات لا تعرف قيمتها.

بناء المعرفة

ولهذا لا يكفي أن نحمي بياناتنا، بل يجب أن نحسن استثمارها، ولا يكفي أن نستخدم الأدوات، بل يجب أن نبني أدواتنا ونطور نماذجنا؛ فالبيانات اليوم أصل معرفي وإستراتيجي، والجامعة طرف علمي مسؤول عن بناء المعرفة، وتأهيل العقول، وتطوير الأدوات، ووضع المعايير.

وتتصل بهذه النقلة نقلة أخرى لا تقل أهمية: ألا تكتفي الجامعة بالانفعال بالذكاء الاصطناعي، بل أن تشارك في قيادته. فالسؤال لم يعد: كيف تستخدم الجامعة أدوات الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف تسهم في بناء أدواته، وتطوير نماذجه، وتأطير أخلاقياته، وتوجيه تطبيقاته لخدمة أولويات الوطن؟ فالجامعة التي تكتفي بالاستخدام ستبقى تابعة لمن يملك النموذج والبيانات، أما الجامعة التي تبني وتطور وتحكم، فهي التي تدخل المستقبل من موقع الشراكة لا من موقع الاستهلاك.

وهذا المسار، من الاستهلاك إلى القيادة، لا يتحقق من غير بنية مؤسسية تقوده. لهذا تحتاج الجامعات إلى حوكمة واضحة للتحول؛ تقودها جهة عليا داخل الجامعة، تتولى ربط الخطط الأكاديمية والبحثية والقطاعية في مسار واحد، وتراجع أولوياتها، وتتابع أثرها، وتضمن ألا تعمل الكليات والمراكز والوكالات بمعزل عن بعضها.

كما أن الرؤية لا تُقاس لا تُدار؛ ولهذا لا يكفي أن تعلن الجامعة أدوارها الجديدة، بل يجب أن تعيد بناء مؤشرات نجاحها؛ بحيث لا يقتصر القياس على عدد الخريجين أو الأبحاث المنشورة أو الفعاليات المنفذة، بل يشمل أثر البحث في السياسات والخدمات، وحجم الشراكات التطويرية، ونسبة البرامج التي تتجدد وفق مهارات المستقبل، واستمرار علاقة الجامعة بخريجيها، ومستوى نضج حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي داخلها.

وهذا التحول لا يحدث دفعة واحدة؛ بل يبدأ بإعادة تعريف الأولويات، ثم بناء الشراكات، ثم إعادة توجيه البحث، ثم تطوير البرامج، ثم بناء نماذج أكثر نضجا واستدامة.

كما أنه لا يعني أن تؤدي جميع الجامعات الدور نفسه، أو تتحرك بالوتيرة نفسها؛ فالجامعات تختلف في تاريخها، وإمكاناتها، وطبيعة أدوارها. لكن الجامع بينها جميعا يجب أن يكون واضحا: أن تكون جزءا من حركة التطوير الوطني، كل بحسب موقعه وقدرته ووظيفته.

الأثر الوطني

ولعل مجلس شؤون الجامعات، وهو يعتمد تصنيف نماذج الجامعات السعودية إلى شاملة، وتدريسية، وبحثية، وتخصصية، وتطبيقية، قد فتح بابا مهما للتمايز بين الجامعات، وهذه خطوة تستحق التقدير. لكن المرحلة القادمة تتطلب تطوير هذا التصنيف من تصنيف في النماذج التشغيلية إلى تصنيف في الأثر الوطني؛ فالسؤال لم يعد: هل هذه الجامعة بحثية أو تدريسية أو تطبيقية؟ بل: ما الأثر الذي تصنعه؟ وما القطاع الذي تقوده؟ وما المشكلة الوطنية التي تتبناها؟

بهذا المعنى، لا تكون الجامعة القادمة هي الأكبر عددا، ولا الأوسع برامج، ولا الأعلى حضورا في المؤشرات، بل الأقدر على تحويل مواردها العلمية والبشرية إلى قيمة وطنية قابلة للقياس. وحين يصبح لكل برنامج سؤال أثر، ولكل كلية ملف وطني، ولكل بحث طريق إلى التطبيق، ولكل طالب دور في صناعة المعرفة، ولكل خريج علاقة مستمرة بجامعته، عندها فقط نكون قد انتقلنا من إدارة الجامعة كما كانت إلى بناء الجامعة كما ينبغي أن تكون.

* رؤية

محمد حسن آل سفران

الوطن المصدر: الوطن
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا