حذر مختصون في الشأن الاقتصادي وحماية المستهلك من الآثار السلبية لحملات المقاطعة العشوائية التي تظهر بين حين وآخر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن هذه الدعوات، عندما تقوم على معلومات غير موثقة أو انطباعات متداولة، قد تلحق ضررًا بمنشآت عاملة في السوق السعودي، وتمتد آثارها إلى موظفين سعوديين وموردين محليين وسلاسل إمداد ومنشآت صغيرة ومتوسطة.
وبحسب المختصين فإنّ السوق السعودي يعمل ضمن منظومة نظامية ورقابية متكاملة، وأن التعامل مع أي اشتباه في منتج أو خدمة أو منشأة يتم عبر القنوات الرسمية للبلاغات، بما يضمن حماية المستهلك، ومعالجة المخالفات وفق الأنظمة، وتفادي الإضرار بمنشآت ملتزمة أو عاملين لا علاقة لهم بمصدر الادعاءات المتداولة.
وأكد المختصون أن حملات المقاطعة غير المنظمة قد تبدو في ظاهرها ممارسة استهلاكية محدودة، غير أن أثرها الفعلي قد ينعكس على قطاعات متعددة، خصوصًا في ظل ترابط أنشطة التجارة والتجزئة والمطاعم والخدمات واللوجستيات والتوريد، مبينين أن المنتج أو العلامة المستهدفة قد يرتبطان بمنشآت سعودية، ووكلاء محليين، ومراكز توزيع، وموردين، وموظفين من أبناء وبنات الوطن، الأمر الذي يجعل الضرر المحتمل أوسع من نطاق الدعوة المتداولة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواصل فيه الاقتصاد السعودي تحقيق مؤشرات نمو نوعية ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030؛ إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة نحو 1.22 تريليون ريال في الربع الثالث من عام 2025م، فيما بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 78.5% من الناتج المحلي، بما يعكس اتساع القاعدة الإنتاجية وتنوع محركات النمو.
وأشار المختصون إلى أن الدعوات العشوائية للمقاطعة قد تؤثر في البيئة الاستثمارية إذا تكررت بصورة غير مبنية على بيانات موثوقة، لأن الاستثمار يعتمد على وضوح السوق واستقرار أنماط الطلب والالتزام بالقنوات النظامية في معالجة الشكاوى والمخالفات، لافتين إلى أن المملكة نفذت خلال الأعوام الماضية إصلاحات تشريعية وإجرائية واسعة أسهمت في تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل تأسيس الشركات، وتعزيز جاذبية الاستثمار.
وتسهم الشركات العالمية العاملة في المملكة في دعم أكثر من 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة للكوادر الوطنية، ما يجعل استقرار السوق عاملًا مؤثرًا في حماية فرص العمل ونقل المعرفة وتطوير المهارات.
وبحسب الأرقام الرسمية لسوق العمل، بلغ عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص نحو 2.5 مليون موظف وموظفة، وارتفعت مشاركة المرأة إلى 34.5%، كما تحقق نحو 92% من مستهدفات استراتيجية سوق العمل، وسجل حضور السعوديين في عدد من المهن التخصصية ارتفاعًا تجاوز 100%، ووصل في بعضها إلى 300%، في مؤشر يعكس توسع مشاركة الكفاءات الوطنية في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وعززت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية استقرار سوق العمل عبر منظومة تنظيمية تشمل مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية، وبرنامج حماية الأجور، ومنصة «قوى»، وبرنامج نطاقات، إضافة إلى إلزام منشآت القطاع الخاص التي يبلغ عدد موظفيها 50 موظفًا فأكثر بتوفير تدريب على رأس العمل بنسبة 2% سنويًا، بهدف رفع الجاهزية المهنية وتوسيع فرص التدريب للجامعيين والخريجين والباحثين عن عمل.
وتبرز المنشآت الصغيرة والمتوسطة ضمن الفئات الأكثر تأثرًا بأي تغير مفاجئ في السلوك الاستهلاكي؛ إذ بلغ عدد العاملين السعوديين في هذا القطاع نحو 1.39 مليون موظف وموظفة بنهاية عام 2025م وفق تقديرات الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، كما يعمل مجلس التجارة الإلكترونية على تمكين القطاع من خلال سياسات ومبادرات داعمة، من بينها مبادرة لتأسيس 650 متجرًا إلكترونيًا للمنشآت الصغيرة بالتعاون مع شركة عالمية خلال عام 2025م.
وأوضح المختصون أن بعض حملات المقاطعة قد تستهدف علامة أو منتجًا دون إدراك لطبيعة الارتباطات التجارية داخل السوق المحلي، حيث تعمل منشآت وطنية في النقل والتخزين والتسويق وخدمات ما بعد البيع والتشغيل، وقد يترتب على تراجع الطلب ضغط مالي وتشغيلي على هذه المنشآت، وخصوصًا الصغيرة والمتوسطة منها.
وفي جانب حماية المستهلك، أكد المختصون أن المنتجات والسلع المطروحة في السوق السعودي، سواء المصنعة محليًا أو المستوردة، تخضع لمعايير رقابية وتنظيمية تبدأ من المنافذ البرية والجوية والبحرية، وتمتد إلى المنشآت التجارية ومنافذ البيع، ولا يسمح بتداول المنتجات المخالفة للمواصفات والمقاييس المعتمدة.
ونفذت الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة خلال عام 2025م خطة شاملة لمؤشر سلامة المنتجات شملت أكثر من 4,000 عينة من 58 مدينة ومحافظة، كما اعتمدت 101 جهة تقويم مطابقة جديدة، ليصل الإجمالي التراكمي إلى 749 جهة معتمدة، ونفذت 2,113 جولة تفتيشية وتوعوية شملت 1,915 منشأة.
وعبر منصة «سابر» الرقمية، جرى إصدار 466,283 شهادة خلال العام الماضي، ليتجاوز الإجمالي التراكمي 2.2 مليون شهادة، مع تسجيل أكثر من 9.5 مليون منتج في المنصة، كما أصدرت الهيئة 512 ترخيصًا لعلامة الجودة السعودية خلال عام 2025م، ليرتفع عدد المنتجات السارية الحاصلة على العلامة إلى 422,713 منتجًا بنسبة نمو بلغت 23.28% عن العام السابق.
وأطلقت الهيئة تطبيق «تأكد» بالشراكة مع المركز السعودي لكفاءة الطاقة، لتمكين المستهلك من التحقق من سريان علامة الجودة وملصقات كفاءة الطاقة وبطاقات ترشيد المياه عبر مسح رمز الاستجابة السريعة بالأجهزة الذكية، بما يعزز قدرة المستهلك على اتخاذ قرار مبني على معلومة موثوقة.
وفي الإطار ذاته، نفذت وزارة التجارة خلال عام 2025م أكثر من 624 ألف زيارة تفتيشية ميدانية للمنشآت التجارية في مختلف مناطق المملكة، للتحقق من امتثال المنشآت للأنظمة، ومعالجة المخالفات عبر الإجراءات النظامية.
وشدد المختصون على أن تداول الشائعات أو الادعاءات غير المثبتة بشأن منتجات مغشوشة أو منشآت مخالفة يربك السوق ويؤثر في ثقة المستهلكين، فيما يتيح الإبلاغ الرسمي للجهات المختصة التحقق من المخالفات ومعالجتها دون الإضرار العشوائي بمنشآت أو موظفين أو مستثمرين.
وأشاروا إلى أن تعزيز المحتوى المحلي وبناء العلامات الوطنية يمثلان مسارًا اقتصاديًا مهمًا لدعم تنافسية المنتج الوطني وتقليص الاعتماد على الخارج في بعض القطاعات الاستهلاكية، مؤكدين على أن دعم المنتجات الوطنية يتحقق عبر الجودة والمنافسة والامتثال، لا عبر حملات غير منظمة تفتقر إلى المعلومات الموثوقة.
وخلص المختصون إلى أن حملات المقاطعة العشوائية تمثل قضية اقتصادية واجتماعية تتطلب وعيًا من المستهلكين، إذ إن القرار الاستهلاكي قد يؤثر في منشأة، ووظيفة، وأسرة، وسلسلة توريد، مشددين على أنّ حماية السوق السعودي تبدأ من التحقق من المعلومات، والاعتماد على القنوات الرسمية، وتغليب السلوك الاستهلاكي المسؤول بما يحفظ مكتسبات الاقتصاد الوطني ويدعم استقرار بيئة الأعمال وفرص العمل لأبناء وبنات الوطن.
المصدر:
الرياض