آخر الأخبار

أزمة "الأرض المحصنة".. هل يتغلب الاستنزاف الطويل على الحسم السريع بحرب إيران؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بين مطرقة التفوق العسكري الأمريكي التقليدي وسندان الإستراتيجية الإيرانية القائمة على "الزمن والتحصين"، تنزلق المنطقة نحو مشهد جيوسياسي غير مسبوق، حيث لم تعد لغة "الحسم السريع" سوى صدى لتقديرات استخباراتية غير دقيقة.

ولا يكمن جوهر الأزمة الراهنة فقط في حجم الترسانة الصاروخية أو القدرة التدميرية للغارات الجوية، بل يمتد إلى صدام من نوع ما بين عقيدتين عسكريتين مختلفتين:


* الأولى تراهن على شل قدرات الخصم عبر ضربات "جراحية" مكثفة.
* الثانية تستثمر في وسائل غير تقليدية، تتمثل في ما يمكن أن نطلق عليه "مدن الصواريخ" الممتدة في أعماق الأرض لتحويل الحرب إلى معركة "عض أصابع" لا تنتهي.

وأمام هذا التباين يجد العالم نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي لحدود القوة العسكرية في مواجهة جغرافيا محصنة، وإرادات سياسية ترفض التنازل في ماراثون لمفاوضات انطلقت عبر مراحل متعددة في باكستان، تحت وطأة حصار بحري لموانئ إيران وإغلاقها شريانا حيويا للطاقة العالمية في مضيق هرمز.

ولقد بدأت هذه المواجهة المفتوحة في أواخر فبراير/شباط 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية في العمق الإيراني، وسرعان ما تحولت إلى ضربات متبادلة على ما يقال إنها مصالح أمريكية بالدول الخليجية، لكنها أصابت أيضا أهدافا مدنية وأحدثت أضرارا عميقة أعادت رسم خارطة التوازنات الإقليمية، ملقية بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي الذي بات رهينة لتقلبات أسعار النفط وتهديدات الملاحة الدولية.

وفي ظل عدم حسم مفاوضات إسلام آباد التي لم تنجح حتى الآن في تجاوز سقف "الهدن الهشة" أو تقديم حلول جذرية لرفع الحصار البحري الأمريكي، يبدو أن الأفق الدبلوماسي يضيق أمام اتساع رقعة المواجهة.

ويقدم هذا التقرير قراءة لخلاصة آراء أكاديميين وخبراء في السياسة الدولية، رسموا في مقابلات منفصلة للجزيرة ملامح المشهد الحالي للأزمة، وحاولوا تفكيك شفرات الصراع بين "وهم الحسم السريع" وواقع الاستنزاف المستمر، وهم:

إعلان

* المستشار السابق لوزارة الدفاع البريطانية سايمون مايال
* المحلل السياسي المختص في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط علي أكبر داريني
* مديرة سياسة منع الانتشار النووي في جمعية الحد من التسلح كلسي دافنبورت
* الباحث في مركز السياسة الدولية سينا توسي
* الباحث في الشؤون الدولية بالمعهد الإيطالي أندريا ديسي
* مدير مؤسسة روح السلام للدراسات الدبلوماسية الإيرانية حميد رضا غلام زاده

جغرافيا "مدن الصواريخ" تتحدى التفوق الجوي

في قلب المواجهة الدائرة، تبرز "مدن الصواريخ" الإيرانية كعقبة كأداء أمام طموح الحسم العسكري السريع، لتشكل بذلك تحديا إستراتيجيا للقوة التقليدية. فهذه المنشآت المحصنة في أعماق الجبال الإيرانية لا تمثل مجرد مخازن للسلاح، بل هي تجسيد لعقيدة تتبناها طهران. ويرى الخبراء أن التفوق الجوي الأمريكي رغم قدرته التدميرية الكبيرة يصطدم بجدار من التحصينات الطبيعية الجغرافية والبشرية التي تجعل من تدمير القدرات الصاروخية بالكامل هدفًا بعيد المنال.

هذه الإستراتيجية الإيرانية تهدف في الأساس إلى امتصاص صدمات التفوق في العداد والتكنولوجيا، والحفاظ على "قدرة الرد" المستمرة، مما يحول أي هجوم عسكري واسع النطاق إلى عملية استنزاف مكلفة للطرفين، حيث لا يضمن تدمير "السطح" شل حركة ما في "الأعماق".

وتؤكد التقارير الاستخباراتية أن إيران نجحت في الحفاظ على وتيرة إطلاق الصواريخ والمسيرات رغم كثافة الغارات الجوية، مما يشير بوضوح إلى فاعلية شبكة الأنفاق والمدن الأرضية في حماية الأصول الحيوية.

وهذا الواقع الميداني يفرض على المخطط العسكري الأمريكي إعادة تقييم شامل لجدوى الضربات الجوية المنفردة. فالخبراء يشيرون إلى أن استهداف هذه المواقع يتطلب جهدا استخباراتيا وعسكريا يفوق بكثير ما تم رصده في حروب سابقة، مما يجعل "بنك الأهداف" الإيراني لغزا معقدا يصعب فكه من دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة النطاق يخشاها الجميع، وتداعياتها قد تكون كارثية.

وهم الحسم السريع وفعالية الاستنزاف

لطالما روجت الدوائر العسكرية في واشنطن لفكرة "الضربات الجراحية" القادرة على شل البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن واقع الميدان وتطور العمليات القتالية أثبتا أن هذه الرؤية تفتقر إلى العمق الإستراتيجي اللازم.

ولذلك، يرى الباحثون أن أي عمل عسكري مهما بلغت دقته لن يؤدي إلا إلى تأخير مؤقت للبرنامج النووي الإيراني، وسيترك لإيران الخبرة والمعرفة الكافية لإعادة البناء بشكل أكثر تحصينا وسرية، وقد يدفعها ذلك لاتخاذ القرار المصيري بتجاوز "عتبة السلاح النووي" كرد فعل دفاعي حتمي على ما تعتبره تهديدا وجوديا.

ويتفاقم هذا المأزق العسكري بتداخله مع تعقيدات جيوسياسية واقتصادية متشابكة، مما يجعل من خيار التصعيد مغامرة غير محسوبة النتائج على الإطلاق، حيث إن اللجوء إلى القوة العسكرية يفتح مباشرة "صندوق باندورا" في مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي للتجارة العالمية، مما يؤدي إلى شلل اقتصادي عالمي لا يمكن لأي قوة مهما بلغت تحمل تبعاته.

إن هذا الانتقال من منطق "الحسم السريع" الذي تروج له واشنطن إلى واقع "الاستنزاف المتبادل" يعكس بوضوح فشل المقاربة العسكرية التقليدية في تطويع دولة لها إستراتيجيتها المعتمدة على "النفس الطويل"، وتستثمر في عامل الوقت كأداة إستراتيجية لإنهاك الخصم وتفكيك تحالفاته الدولية، كما قال الخبراء في مقابلاتهم مع الجزيرة.

صراع الإرادات الداخلية والتماسك لدى الطرفين

وفي خضم هذه المواجهة، تبرز صورتان متناقضتان للجبهتين الداخليتين:

إعلان

فبينما تحاول طهران تصدير صورة من التماسك الداخلي والصلابة في مواجهة الضغوط الخارجية، تظهر في أروقة صنع القرار الأمريكي بوادر تصدع تؤثر على اتساق الإستراتيجية المتبعة.

وهذا يشير إلى وجود انقسامات عميقة داخل الإدارة الأمريكية، وتحديدا في البنتاغون ووزارة الدفاع حول أهداف الحرب وآليات الخروج منها، مما أدى إلى حالة من "التخبط الإستراتيجي" وتغيير مستمر في "قواعد الاشتباك".

وهذا التباين في الرؤى داخل واشنطن يمنح طهران فرصة للمناورة واللعب على عامل الوقت، مستفيدة من حالة "اللاحرب واللاسلم" لإنهاك الإرادة السياسية للخصم، وتحويل الضغط إلى ورقة تفاوضية.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر إصرارا على تغيير قواعد اللعبة الدبلوماسية، مدفوعة بتجاربها السابقة. ويرى الخبراء أن طهران لم تعد تقبل منطق "التنازل مقابل التهدئة" الذي ساد في العقود الماضية، بل باتت تتعامل بصرامة أكبر.

وهذا الصدام بين "التشتت الأمريكي" و"الإصرار الإيراني" يحول الجبهة الداخلية -حسب ما قاله الباحثون- إلى ميدان معركة لا يقل أهمية عن جبهات القتال، حيث يصبح الصبر الإستراتيجي المعيار الحقيقي للنصر، ويُبرز قدرة طهران على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز موقفها التفاوضي.

التحول الإستراتيجي.. من تجنب الحرب إلى حصد المكاسب

لقد تطورت الأحداث في الحرب على إيران وتحولت تحولا جذريا في مساراتها العملياتية والتفاوضية، حيث انتقل الطرفان من تقاذف كرات اللهب والحدود القصوى للمواجهة العسكرية إلى إستراتيجية تجنب المواجهة المباشرة وحالة من "إدارة الصراع لحصد المكاسب".

ولم تعد طهران تنظر إلى الحرب كتهديد وجودي فحسب، بل كفرصة سانحة لفرض واقع جيوسياسي جديد ينهي عقودا من الحصار والاحتواء.

وتتجلى هذه الرؤية في الإصرار على إبقاء مضيق هرمز ورقة ضغط عالمية فاعلة، والتلويح الدائم بالخيار النووي كدرع أخير للردع، وهو ما يشير إلى تغيير في قواعد اللعبة التي اعتادت عليها القوى الكبرى.

ويعكس هذا التحول قناعة إيرانية راسخة بأن تكلفة الصمود -رغم قسوتها- تظل أقل تكلفة بكثير من الاستسلام لشروط تفرضها واشنطن وتل أبيب، مما يمنحها هامشا للمناورة وتحقيق أهدافها الإستراتيجية.

وهذا التوجه الإيراني الجديد يضع المجتمع الدولي أمام خيارات صعبة ومعقدة؛ فإما القبول بواقع إيراني أكثر نفوذا وتحصينا على الساحة الإقليمية والدولية، أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها وتداعياتها الكارثية.

ويرى الخبراء أن طهران تراهن على أن "النفس الطويل" الذي تتمتع به، وقدرتها على تحمل الضغوط ستجبر القوى الدولية في النهاية على تقديم تنازلات جوهرية تتعلق برفع الحصار والاعتراف بدورها الإقليمي المتنامي.

ومن ثم، فإن إيران تستغل في ذلك حاجة العالم الماسة لاستقرار أسواق الطاقة وتجنب انهيار النظام الملاحي الدولي، خاصة في منطقة مضيق هرمز الحيوية.

والخلاصة التي تتقاطع عندها تحليلات الخبراء تشير إلى أن "الحسم العسكري" بات مصطلحا من الماضي في ظل تعقيدات الجغرافيا والتحصين الإيراني، وأن المخرج الوحيد المتاح يكمن في دبلوماسية "الغرف المغلقة" التي تعالج جذور الصراع بعيدا عن ضجيج التصريحات الإعلامية والاستعراضات السياسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا