في مشهد يتكرر على مدار العام وتتجدد فيه صور البذل والسخاء، يقف الآلاف من شباب وشابات الوطن كالبنيان المرصوص في المشاعر المقدسة وفي رحاب البيت العتيق، مقدمين أنبل نماذج الخدمة الإنسانية في مواسم الحج والعمرة. هؤلاء المتطوعون الذين استقطعوا من وقتهم وجهدهم يمثلون الذراع المساندة والقلب النابض في منظومة خدمة ضيوف الرحمن، مقدمين صورة مشرقة تليق بمكانة المملكة وتاريخها في رعاية الحرمين الشريفين.
ولم يعد التطوع في خدمة ضيوف الرحمن مجرد اجتهادات فردية، بل تحول بفضل الله ثم رؤية السعودية 2030 إلى ثقافة مجتمعية ومنظومة مؤسسية متكاملة. وقد تحققت أرقامًا قياسية تجاوزت مستهدفات العمل التطوعي، حيث بلغ عدد المتطوعين في خدمة ضيوف الرحمن حوالي 185 ألف متطوع، متجاوزًا هدف 180 ألف متطوع لعام 2025م، ما يعكس نجاح تنظيم العمل التطوعي في مواسم الحج والعمرة وفاعلية مشاركة المتطوعين في خدمة ضيوف الرحمن. ويمنح العمل التطوعي المواطنين فرصة المشاركة المباشرة والمساهمة في تقديم تجربة إيجابية تعبّر عن قيم الضيافة والعطاء في المجتمع السعودي.
وتتوزع الفرق التطوعية في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة (منى، عرفات، مزدلفة) لتقديم حزمة من الخدمات التي تشمل كافة الجوانب وعلى مستوى مختلف القطاعات، حيث يبرز دور المتطوعين الصحيّين الذين ينتشرون في نقاط التجمع والممرات المزدحمة لتقديم الرعاية الطبية الطارئة والتعامل مع حالات الإجهاد الحراري، وتقديم الدعم الصحي لكبار السن. كما يقوم المتطوعون بتوجيه الحجاج وتسهيل حركتهم داخل المشاعر، وتوزيع الوجبات والمياه، ومساعدة الحجاج التائهين بالتعاون مع معسكرات الكشافة السعودية التي تملك خبرة عريقة في هذا المجال. ويسجل المتطوعون حضوراً لافتاً في كسر حاجز اللغة وتقديم الإرشادات للحجاج بمختلف لغاتهم، مما يسهم في طمأنة الحاج وتسهيل رحلته الإيمانية.
وتعمل الجهات المعنية عبر المنصة الوطنية للعمل التطوعي على تنظيم هذه الجهود، حيث يتم طرح الفرص التطوعية بدقة وتحديد التخصصات المطلوبة، مما يضمن توزيع المتطوعين حسب الحاجة الفعلية في الميدان. ويخضع هؤلاء المتطوعون لدورات تدريبية مكثفة في فن التعامل مع الجمهور وإدارة الحشود والإسعافات الأولية، لضمان تقديم الخدمة بأعلى معايير الجودة.
ويترك ما يقدمه المتطوعون أثراً عميقاً في نفوس ضيوف الرحمن الذين قدموا من شتى بقاع الأرض، فهم لا يقدمون خدمة بدنية فحسب، بل يرسلون رسالة سلام ومحبة من قلب المملكة إلى العالم أجمع، تؤكد أن خدمة بيت الله الحرام وقاصديه عقيدة راسخة في نفوس أبناء هذا الوطن.